
يبرّر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو كلّ ما يفعله منذ ثلاثة عقود ونيّف بأنّه “تصحيح لخطأ أوسلو” و”ضمان لعدم تكراره”. قال في مناسبة استيطانية: “خسرنا انتخابات عام 1992 وجلبنا الكارثة على دولة إسرائيل. أقول لكم: أخشى أن نكون على وشك أن نشهد تكراراً لهذا الخطأ الفظيع. لكن من يقول إنّه يريد حقّاً ضمان مستقبل دولتنا وأرضها وشعبها عليه أن يفهم أنّ لا أحد غيرنا سيضمن هذا. إذا ذهبنا معاً، إذا اتحدتم، ننتصر ونضمن جبهة إسرائيل كما نفعل في المستوطنات. لا يمكن تجاهل الأرقام. أقمنا 104 مستوطنات و160 مزرعة استيطانية. وكان الأمر دقيقاً. هذا إنجاز للحكومة بمشاركة جميع الوزراء، في الدفاع والمالية وغيرهما، الذين بذلوا جهداً هائلاً لتحقيق رؤية الأجيال”. وأضاف: “هذه أرضنا ولا أرض سواها، وحين أقول أرضنا فالباب مفتوح لكلّ يهودي ويهودية: نحن ننتظركم في دولة إسرائيل، في قلب أرضها. وأنتم تمهّدون الأرض لموجة هجرة كبيرة ستأتي قريباً”.
وقال الحاخام صموئيل إلياهو: “سنبني كنيساً يهودياً داخل المسجد الأقصى بأسرع ممّا تتوقّعون. بن غفير يصلّي أصلاً هناك. هناك مستجدّات كلّ يوم. منذ مدّة كانت مظلّات لليهود في المسجد، وغداً سيكون… نتنياهو وبن غفير يعملان ولا يخافان”. وردّاً على سؤال عن بناء الهيكل الثالث، قال أحد المستوطنين: “يجب أن نبنيه بأسرع ما يمكن، وهذا أمر إلهي لشعب إسرائيل منذ أن دخلنا هذه الأرض”. وعن قبّة الصخرة والمسجد الأقصى وغيره قال: “علينا تفجير الكنائس والمساجد جميعها. الله أعطى هذه الأرض لليهود فقط”.
العرب خارج هذه العملية. خارج ما يجري في ديارهم وعلى أراضيهم من ناحية التأثير في مجريات الأمور والفعل
حطّم عضو الكنيست تسفي سوكوت (حزب الصهيونية الدينية)، برفقة مستوطنين، صرحاً تذكارياً للشهداء في بلدة مادما بنابلس. حصلت تحرّكات وصدرت مواقف، حتّى من إسرائيليين في الكنيست وخارجه، تدين هذا العمل وما يجري في الضفّة عموماً، وتحذّر من اشتعال الوضع. وأثناء مناقشة الأمر في الكنيست وتوجيه انتقادات لسوكوت، استمرّ يلهو بهاتفه. لم يبدِ أيّ إشارة. لم يقل كلمة. بكلّ برودة أعصاب تصرّف. هو غير معني بما يقال، ومصرّ على تكرار ما فعل.
في سياق حملة محاصرة البلدات، فرضت قوات الأمن الإسرائيلية حصاراً على قرية المغير وسط الضفّة منذ 20 يوماً، ولا يُسمح لسكّانها بالتحرّك سوى ساعتَيْن يومياً. والهدف هو ذاته: تهجيرهم. وهاجم مستوطنون قرية جلجيليا في رام الله وأحرقوا مسجداً فيها. وبالتزامن مع هذه الحركة الخطيرة والتحذيرات الدولية منها، حتّى من داخل أميركا، فإنّ العقل الإسرائيلي الحاكم لا يقيم وزناً لها. يعمل بطاقاته وإمكاناته وأدواته كلّها لتحقيق مزيد من الخطوات الاستيطانية التي تبدأ بالضغط والحصار وتنتهي بالتهجير. وعندما يعلن أصحاب هذا العقل قرارهم الثابت باستقدام ملايين اليهود من الخارج وضمّ مزيد من الأراضي وبناء مستوطنات، فهذا يؤكّد ترجمة قرار التهجير إلى خطوات عملية.
أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش طرحَ خطّة جديدة تهدف إلى تهويد النقب والجليل. نعم، النقب والجليل. وقال بوضوح: “ما جرى ويجري في الضفّة سيتكرّر في النقب والجليل على نطاق واسع. سنأتي بمليون يهودي إلى النقب والجليل، ونبني 40 مستوطنة وعشرات المزارع، إلى جانب توسيع المستوطنات القائمة وتوفير مئات الآلاف من الوحدات السكنية. وهذا يستوجب إلغاء مخطّطات في البلدات العربية لأنّها تستحوذ على احتياطات الأراضي وتهدّد الاستيطان اليهودي، وسننشئ مناطق صناعية ومراكز توظيف ونعيّن كوادر صهيونية في مواقع رئيسة بإدارة التخطيط وسلطة أراضي إسرائيل”.
وعندما يتحدّثون عن النقب والجليل فهم يستهدفون الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة عام 1948. أي أنّهم يريدون شطب مكوّنات فلسطينية أساسية وطردها، وعدد من أبنائها يخدمونهم. إنّه الخطر على حقّ البقاء وليس الخطر على حقّ العودة فقط، كما أقول دائماً ومنذ عقود، وكأنّ ساعة الحقيقة الصعبة الخطيرة دقّت، ويعلن هؤلاء مشروعهم الخطير الهادف إلى تهجير الفلسطينيين كلّهم والسيطرة على كلّ أراضيهم. وهذا لا يستهدف الفلسطينيين فقط، بل الجوار والعرب والمسلمين والاستقرار في المنطقة والعالم، من دون مبالغة. ونحن نشهد اليوم فصولاً من هذه اللعبة الجهنّمية في كلّ الأراضي العربية، وفي الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، وفي التهديدات التي لا تتوقّف مستهدفةً تركيا، لتبقى إسرائيل السيّدة المتفوّقة في هذه المنطقة.
إلى أين يذهب الفلسطينيون دفاعاً عن حقّهم أمام كل ما يجري في غزّة والضفّة وتهديدات الداخل؟ وأميركا تطلق يد إسرائيل وقادتها، وهم يتسابقون تقليدياً على السلطة بالتنافس على من يقتل أكثر؟ من يهجّر أكثر؟ من يبيد أكثر من الفلسطينيين؟ من يحتلّ أكثر؟ من يقيم مستوطنات ومزارع أكثر؟ هل يصدق أحدٌ أنّه ليس ثمّة قوّة أو جهة في العالم قادرة على لجم إسرائيل؟ اعتاد كثيرون أن يذهبوا إلى مجلس الأمن. حق النقض (فيتو) الأميركي يُسقط كلّ أمر يدين إسرائيل. إلى الأمم المتحدة؟ تهديدات أميركا تحمي إسرائيل، وإذا مرّرت قرارات تدينها أو عدّتها واشنطن عائقاً أمام مشروعها، انتفضت ضدّها وضدّ أصحابها، وانصبّ “غضب” الحليفين الكبيرَيْن على المنظّمة الدولية ومبرّر وجودها.
تقبل المنطقة على أسابيع سنشهد فيها تطوّرات دراماتيكية خطيرة مع بداية العدّ العكسي لـ”موسم الانتخابات” الإسرائيلية
قبل أيام، هاجموا مبنى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التابعة للأمم المتحدة في القدس. الهيئة المعنية دولياً بحماية السلم العالمي والدول وحدودها وأفرادها وحقوق الإنسان والقانون الدولي والعدالة الدولية لم تتمكّن من حماية مقرّها في القدس. ودخل إيتمار بن غفير جناحاً فيه وقال: “أنا جالس هنا في غرفة المدير الذي كان يدير المكان. في عهدي لا أونروا، لا إدارة. لن يكونوا هنا. الشرطة وحرس الحدود تعاونوا في عملية كبيرة. أونروا خارج هذا المكان وسيصبح مدرسة للأطفال”. وأكمل هذا الإرهابي إنجازاته باقتحامه زنازين أسيرات فلسطينيات، ونشر فيلماً موثّقاً ظهرت فيه إحداهن تشكو من سوء الأوضاع وانعدام “الاحتياجات الشخصية”، مؤكّدةً مضي أيّام من دون استحمام أو علاج وبملابس غير نظيفة. عملية إذلال خطيرة وحرمان من أبسط الحقوق وإهانة للكرامة الإنسانية، أقرّ بمسؤوليته عنها بن غفير متفاخراً بما يفعل: “لقد انتهت الظروف الجيّدة التي كانت في السجون. أنا المسؤول المباشر عن كلّ شيء ومسرور بهذه الظروف. السجن ليس فندقاً”.
تقبل المنطقة على أسابيع سنشهد فيها، وخصوصاً لبنان وفلسطين، تطوّرات دراماتيكية خطيرة مع بداية العدّ العكسي لـ”موسم الانتخابات” في إسرائيل، كما يقول ترامب، والذي يمنح بموجبه كلّ الفرص لنتنياهو لتحقيق ما يريد. لكن الأخير يواجه متاعب مع بن غفير وسموتريتش، ويدرك أنّ نتائج الاستطلاعات أخيراً لم تكن في مصلحته. سعى ويسعى إلى ترميم وضع تحالفه بتثبيت ما هو قائم بينه وبين الوزيرَيْن المذكورَيْن، وهما على خلاف كبير، والأوّل يعتبر نفسه منتصراً قوياً متقدّماً على الثاني ونجمه في صعود. هذا التنافس بين أبناء الحكومة الواحدة، وبينهم وبين المرشَّحين الآخرين، يُمارس على حساب دم الفلسطينيين ومقدّساتهم وبقائهم على أرضهم. والخلاف واقع أيضاً في البيت الفلسطيني السياسي، وكلّ مَن في إسرائيل يريد تهديم هذا البيت وتخريبه، باستثناء فئة قليلة غير مؤثّرة، تحاول كسب أصوات عربية من خلال تمايز مواقفها.
العرب خارج هذه العملية. خارج ما يجري في ديارهم وعلى أراضيهم من ناحية التأثير في مجريات الأمور والفعل. المشكلة الكُبرى أنّهم يتجاوزون حقيقةً مرّةً عنيدةً: ما يجري لا يستهدف لبنان وشعبه وفلسطين وشعبها، بل المنطقة كلّها، ولن توفّر إسرائيل أحداً أو مكاناً مقدّساً فيها. هذا هو الوعد الإلهي بالأرض والبعد الديني الخطير للصراع، ومهما حاول بعض العرب الحديث عن سلام واستقرار و”إبراهيميات” وتسامح، فإسرائيل لن تسامحهم أو تحترمهم أو تقيم وزناً لهم، وهم لم يقيموا وزناً لأنفسهم، ولم يؤدّوا (ولا يؤدّون) دوراً يكرّس موقعهم ويترك أثره في مسار الأمور.
المصدر: العربي الجديد






