لكلّ سؤالٍ سياسي عمره التاريخي

    هزار حسين

       

ليست المشكلة في أنّنا نختلف بشأن الانتخابات، بل في أنّنا توقّفنا عن الاتفاق على الأفق الذي نقيس به الانتخابات أصلاً. فأزمة السياسة الفلسطينية اليوم ليست كثرة الخلاف، بل انتقال الخلاف من سؤال: إلى أين نريد أن نصل؟ إلى سؤال: بأيّ وسيلة نتحرك؟ بينما فقدت الوسائل مرجعيتها في مشروع سياسي جامع.
ليس أخطر ما في الانتخابات أنّها تنتهي دائماً بفائز وخاسر، بل أنّها تمنحنا، في كلّ مرّة، انطباعاً بأنّنا خضنا النقاش السياسي الذي كان ينبغي أن نخوضه. نختلف في المشاركة أو المقاطعة، وفي عدد المقاعد ونسب الحسم والتحالفات الممكنة والمستحيلة، حتّى يصبح الجدل حول الأداة بديلاً من الجدل حول الغاية التي وُجدت الأداة أصلاً للإجابة عنها.

لا تقاس الأحزاب بمدى وفائها لأدواتها، بل بقدرتها على إعادة بناء أدواتها كلّما تغيّر الواقع

هذه ليست أزمة انتخابية، بل أزمة سياسة، فالسياسة لا تبدأ عندما نقرّر كيف نتحرّك، بل عندما نعرف إلى أين نريد أن نصل. أمّا حين تضيع الغاية، تبدأ الوسائل بالتصارع فيما بينها، وتصبح المشاركة مشروعاً في حدّ ذاته، وتتحوّل المقاطعة إلى مشروع مضادّ، بينما يغيب المشروع الذي كان يُفترَض أن يمنح كلتيهما معناهما. سنوات طويلة، لم تكن هذه هي المشكلة. اختلف الفلسطينيون حول الأدوات، لكنّهم لم يختلفوا، في المجمل، حول الوجهة. كان هناك مشروع وطني، مهما تعدّدت القراءات له، يشكّل المرجعية التي تُقاس بها القرارات السياسية. أمّا اليوم، فيبدو أنّنا نناقش الأدوات أكثر ممّا نناقش الغاية، وندافع عن الوسائل أكثر ممّا نسأل إن كانت ما تزال تقود إلى المكان الذي خرجت من أجله.
ولعلّ هذا ما يفسّر لماذا يبدو الجدل الانتخابي، في كلّ دورة، أكثر سخونةً وأقلّ إنتاجاً. فنحن لا نراجع الوسائل لأنّها نجحت أو فشلت، بل نكرّر الدفاع عنها كما لو كانت جزءاً من الهُويّة السياسية نفسها. وعندما تتحوّل الوسيلة إلى هُويّة، تتوقّف عن أن تكون أداةً قابلةً للمراجعة.
وليس مصادفةً أن يحتلّ سؤال الانتخابات هذا الحيّز كلّه من النقاش الفلسطيني، فمنذ سنوات طويلة، ومع تآكل المؤسّسات الوطنية الجامعة، وتعثّر المشروع السياسي المشترَك، وتراجع قدرة النظام السياسي على إنتاج مسارات جديدة، أخذ الجدل في الانتخابات يملأ فراغاً أكبر منه. شيئاً فشيئاً، لم تعد الانتخابات مجرّد آلية ضمن مشروع وطني، بل تحوّلت، في الوعي السياسي، إلى الساحة التي يُختزل فيها الخلاف كلّه. وهكذا، بدل أن تصبح إحدى أدوات السياسة، أصبحت السياسة نفسها تُقرأ من خلالها، حتّى بدا أنّ مستقبل الفلسطينيين يتوقّف على موقفهم من الانتخابات، لا على المشروع الذي يُفترض أن تخدمه.
لكنّ الواقع الذي أنتج تلك المعادلة لم يعد قائماً. لا تكمن المشكلة في تغيّر الواقع وحده، بل في أنّ السياسة كثيراً ما تستمرّ في طرح الأسئلة نفسها حتّى بعد أن تفقد قدرتها على تفسيره، فليست الأسئلة السياسية كلّها أبدية، ولكلّ سؤال عمره التاريخي الذي يمنحه معناه وجدواه. قد يبقى السؤال حاضراً في الخطاب العام، لكنّه يتحوّل، مع تغيّر الشروط التي وُلِد فيها، من مدخل لفهم الواقع إلى قيد يحجب رؤيته. والخطأ ليس أن نواصل البحث عن الإجابات، بل أن نُصرّ على طرح السؤال نفسه، بينما الواقع الذي أنجبه لم يعد موجوداً.
فما بعد 7 أكتوبر (2023) ليس مجرّد فصل جديد في الصراع، بل لحظة كشفت انهيار كثير من المسلّمات التي حكمت السياسة الفلسطينية والإسرائيلية والدولية طوال ثلاثة عقود. لم تعد غزّة تُقرأ بمعزل عن الضفّة، ولا الضفّة بمعزل عن الداخل، ولا الداخل بمعزل عن القدس، كما أنّ صعود اليمين القومي والديني، وتراجع استقلالية مؤسّسات الدولة، وتحوّل الحقوق أكثر فأكثر إلى نتاج لموازين القوّة والائتلافات السياسية، كلّها مؤشّرات على أنّ قواعد اللعبة نفسها لم تعد كما كانت.
والأهمّ من ذلك، لم يعد ممكناً الحديث عن واقعَيْن سياسيَّيْن منفصلَيْن، بينما تتصرّف السلطة القائمة، بين النهر والبحر، باعتبارها صاحبة سيادة واحدة، تدير السكّان بدرجات مختلفة من الحقوق والقوّة. وإذا كان الواقع السياسي قد توحّد بهذا الشكل، فإنّ أدوات قراءته لا يمكن أن تبقى أسيرة التقسيمات القديمة.
لذلك لم يعد السؤال الحقيقي: مشاركة أم مقاطعة؟ بل: هل ما تزال هذه الثنائية وحدها قادرة على تفسير اللحظة السياسية التي نعيشها؟ وهل يجوز أن نستمرّ في قياس نجاحنا بعدد المقاعد أو بعدد الانتخابات التي نقاطعها، بينما الإشكالية التي تواجهنا اليوم هي إعادة تعريف المشروع الوطني نفسه؟ … لهذا؛ ربّما لم تعد المهمّة الأكثر إلحاحاً هي حسم الجدل بين المشاركة والمقاطعة، بل استعادة النقاش الذي يسبقهما معاً: ما هو الأفق السياسي الفلسطيني الذي ينبغي أن تُقاس عليه الأدوات كلّها؟ وما هو المشروع القادر على جمع الفلسطينيين، لا بوصفهم جماعات موزّعة بين أنظمة قانونية مختلفة، بل شعباً واحداً يواجه، بأشكال متعدّدة، بنيةً سياسيةً واحدة؟ فالسياسة لا تُختبر بقدرتها على تكرار أدواتها، بل بقدرتها على إدراك اللحظة التي تكفّ فيها تلك الأدوات عن تفسير الواقع. والمراجعة هنا ليست تراجعاً عن المبادئ، بل دفاعاً عنها في سياق تغيّر. فالثابت الحقيقي ليس الوسيلة، بل الغاية التي تتحرّك الوسائل من أجلها، وقدرتها على تقريب المجتمع من أهدافه التاريخية.

إشكالية الفلسطينيين اليوم هي إعادة تعريف المشروع الوطني

من هنا، فإنّ الامتحان الحقيقي للأحزاب الفلسطينية اليوم لا يكمن في موقفها من الانتخابات، مشارِكةً كانت أم مقاطِعة، بل في قدرتها على الإجابة عن السؤال الذي يسبق الانتخابات نفسها: ماذا نفعل عندما يصبح الأفق السياسي الذي حكم النقاش الفلسطيني طوال عقود غير قادر على تفسير الواقع الذي نعيشه؟ فالأحزاب لا تُقاس بمدى وفائها لأدواتها، بل بقدرتها على إعادة بناء أدواتها كلّما تغيّر الواقع، من دون أن تفقد بوصلتها أو غايتها.
ولذلك، ربّما لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نشارك أم نقاطع؟ بل: إلى أين نريد أن نصل بوصفنا شعباً، وأيّ أدوات تقرّبنا فعلاً من ذلك الطريق؟ فلكلّ سؤال سياسي عمره التاريخي، وحين يتغيّر الواقع، لا تكفي شجاعة الدفاع عن الإجابات القديمة، بل نحتاج أيضاً إلى شجاعة مراجعة الأسئلة نفسها. … قد تختلف الإجابات، وربّما ينبغي أن تختلف. لكن الاتفاق على السؤال الصحيح هو الشرط الأوّل لأيّ سياسة جادّة. وعندها فقط، يصبح الخلاف على الانتخابات خلافاً صحّياً؛ لأنّنا سنختلف على الوسائل، بينما تبقى البوصلة واحدة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى