قراءة في رواية: لارين سيمفونية الحب والموت

عبد المجيد عرفة

سامية غشير روائية جزائرية متميزة. روايتها لارين سيمفونية الحب والموت هي الرواية الاولى التي قرأتها لها.

تعتمد الرواية لغة المتكلم على لسان لارين الشخصية المحورية فيها.

تبدأ الرواية من إجراء امتحان موسيقي للارين  على آلة البيانو ويكون استاذها فؤاد هو الممتحن، حيث يثني عليها وعلى أدائها على الآلة.

لم يكن مجرد امتحان بل كان بوابة لعشق كبير بين لارين واستاذها فؤاد، حب يسكن قلبيهما ويستمر .

قبل ان تعشق لارين الفتاة الباريسية استاذها فؤاد ذو الأصول الجزائرية ، كانت على علاقة حب مع فيليب الشاب الفرنسي التي استمرت لسنوات، لكن قلب لارين مال إلى فؤاد وتخلت عن فيليب.

فيليب شاب فرنسي متطرف بموقفه من العرب والمسلمين المتواجدين في فرنسا وفي باريس خاصة حيث يقيم هو وجماعته المتطرفة، وأصبح له أنصار وخاصة بعدما قام احد الارهابيين (داعش) بتفجيرات إرهابية في باريس أودت بحياة بعض الفرنسيين.

لم يقبل فيليب بتغير عواطف لارين تجاهه وقرر ملاحقتها ومعاقبتها هي وحبيبها فؤاد.

بالمقابل عرفت لارين معلومات جديدة عن حياتها وطفولتها من مربيتها التي عاشت حياتها معها، أخبرتها أن والدها الذي لم تراه ابدا هو جزائري مهاجر الى فرنسا للعمل والعيش وانه تزوج أم لارين الفرنسية، لكن ام لارين كانت لعوب وتلتقي بعشاقها، مما جعل والد لارين ينفصل عنها ويعود إلى الجزائر دون معرفته بوجود ابنته حيث أخفت امها خبر انجابها عن اباها.

بعد معرفة لارين بحكايتها من مربيتها التي كانت على فراش الموت، عرفت حكايتها كاملة ، تعطشت أن تتابع مصير والدها في الجزائر، بالطبع كان يدعمها في ذلك حبيبها فؤاد الجزائري أيضا.

لكن فؤاد كان لهم بالمرصاد وقرر إنهاء علاقة لارين وفؤاد ولو بالقوة حتى لو قتلهما، وخاصة أن له مبرراته العنصرية التي نمت في فرنسا ذلك الوقت ضد العرب والمسلمين.

استمرت استعدادات لارين وفؤاد للذهاب إلى الجزائر  للقاء والد لارين، وبالفعل ذهبوا إلى الجزائر ووصلوا الى والد لارين الذي كان مريضا يوشك أن يموت. سعدت لارين بلقاء والدها الذي لم يكن يعلم بوجودها، وحزنت في نفس الوقت أن والدها مريض مرض الموت، ولم يمض وقت حتى توفي.

عادت لارين وفؤاد إلى الجزائر لمتابعة أعمالها الموسيقية والغنائية حيث أصبحت لارين مشهورة ولها محبيها ومتابعين غنائها.

على مستوى آخر التقى فؤاد ولارين بصديق فؤاد نزار المخرج السينمائي السوري الذي جاء من سورية هاربا من أهوال الحرب السورية التي شنها النظام المجرم على الشعب السوري والتي تطورت لتصبح حربا على البشر والشجر والحجر وطالت كل شيء.

ساعد فؤاد ولارين نزار وفتحوا له الطريق ليستفيد من الخبرات الفرنسية في الإخراج ويصبح متفوقا واكتسب خبرة ومهارة، و قرر ان يعود الى سورية ليستفيد منها وينجز عملا سينمائيا يسلط به الضوء على الواقع السوري بكل مآسيه. وبالفعل عاد نزار الى سورية وبينما هو يعمل لينجز عمله، أصابته رصاصة طائشة ومات أثر ذلك وماتت معه تجربته.

لم يترك فيليب لارين وفؤاد بحالهم يعيشون حياتهم ويتابعون انجازاتهم الموسيقية والغنائية، بل استمر يخطط للقضاء عليهم.

واخيرا هاجم فيليب وفريقه المتطرف العنصري لارين وفؤاد وأطلق النار عليهما وأصاب فؤاد بمقتل، ومات فؤاد .

كان موت فؤاد محنة حقيقية للارين التي انتقلت حياتها من العيش بهناء الحب والتفاهم وبناء المستقبل الجميل مع فؤاد الى حالة خوف مستمر من غدر فيليب، الذي لم يتوقف عن محاولة قتل لارين ايضا لانها لم تعد إليه و تستمر في حبه.

وفي النهاية رصد فيليب لارين خطفها واخذها الى حيث كان يعد لها اجواء فرح و هناء ، تفاجأت لارين بذلك ورفضت حبه واتهمته بقتل فؤاد، وعندما لم تتجاوب معه أطلق عليها النار من مسدسه وبينما كانت تنازع الموت اطلق النار على رأسه لكونه لم يستطع استمالة لارين، ومات من فوره. وهكذا ماتت لارين وفيليب. في وقت واحد.

هنا تنتهي الرواية:

في التعقيب عليها اقول:

الرواية مليئة بلغة شاعرية تعبر عن الحب والهيام وعمق العلاقة النفسية والعاطفية والروحية والجسدية بين بطلي الرواية لارين وفؤاد. وهذا جعلها مميزة بكونها تغوص عميقا بالنفس البشرية و تعطشها للحب والآخر والوصال وإشباع الرغبات الجسدية والوجدانية والعاطفية والروحية.

الرواية تمر على واقع الغرب وخاصة فرنسا تحديدا والعنصرية التي انتشرت فيها ضد العرب والمسلمين، ولو أن الرواية تربط بين ذلك والعمليات الإرهابية التي قتلت بعض الفرنسيين، لكن الفرنسيين والغرب عموما ينظرون إلى العرب والمسلمين نظرة المستعمر الى من يستعمره ويسلبه بلاده وخيراته. واكبر مثال استعمار فرنسا للجزائر نفسها لأكثر من قرن. وانسحاب ذلك على العالم العربي كله، الذي كان ضحية الاستعمار الفرنسي والغربي عموما.

كما ركزت الرواية على الربيع العربي بشكل غير مباشر وقارنته بالعشرية السوداء في الجزائر حيث اصطدم الإسلاميين مع السلطة الجزائرية ووقع الكثير من الضحايا. بالطبع هذا القياس بين ما حصل في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي وما حصل في الربيع العربي بدء من عام ٢٠١٠م. واعتبار حراك الربيع العربي هو نتيجة حراك الإسلاميين المتزمتين الذين وصفتهم بالإرهابيين يعتبر ظلم بالتعميم وعدم قراءة الواقع بدقة، فكل بلد عربي عاش الربيع العربي يختلف عن غيره.

الربيع العربي نجح في سورية وتمكن من إسقاط الاستبداد وبناء دولة الثورة السورية، بينما اختلفت النتائج في مصر وليبيا والعراق واليمن والسودان. ولكل توصيفه الخاص وواقعه المختلف.

وأخيرا تؤكد خاتمة الرواية أن المأزق “العربي – الغربي” مازال مستمرا حيث العلاقة الملتبسة بين الغرب العنصري والعرب الذين يرون أوروبا وفرنسا تحديدا البلد الذي يطمحون للذهاب إليه والعيش في كنفه، “انهم الاعداء المرغوب أن نعيش في بلادهم ومثلهم”.

 انه تناقض مؤلم.

نحتاج أن تنتصر انسانية الانسان في بلادنا وتحقيق مطالب الشعوب ويصنع حياتهم الافضل وان تكون سلطات بلادهم اداة بناء مستقبلهم الأفضل وليس أنظمة مستبدة ظالمة لهم .

ونحتاج أن تنظر أوروبا إلى العالم العربي كشريك اقتصادي وسياسي وجار مجتمعي وليس كبلاد للاستعمار وشعب متخلف، وضرورة زوال النظرة العنصرية السيئة إلينا كعرب ومسلمين.

نعرف أن بلادنا كانت مهدا للحضارة سابقا وشعبنا قادر على صناعة المعجزات ان اخذ حقوقه بالحرية والعدالة والديمقراطية. وعمل جاهدا لبناء حياته الأفضل في ظل دولة ديمقراطية عادلة.

وهذا هو المطلوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى