
أخطر ما في الحرب الهجينة أنّها لا تحتاج إلى إعلان رسميّ، ولا إلى جيوش تتحرّك عبر الحدود في وضح النهار. إنّها حرب تُدار في المنطقة الرمادية بين السلم والحرب، هدفها إرهاق الخصم واستنزافه من الداخل، وتحويل مصادر قوّته إلى نقاط انكشاف. لا تُقاس نتائجها بالأراضي المحتلّة، بل بمنسوب الثقة الذي يتبدّد، وبالفرص الاقتصادية التي تُؤجَّل، وبالتماسك الاجتماعي الذي يتآكل ببطء.
وفي منطقة تعيش على إيقاع التوتّرات المزمنة، يواجه الخليج العربي كلفةً كبيرةً في هذه المرحلة الجديدة مع استمرار المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فقد تختلف واشنطن وطهران وتل أبيب في الأهداف والوسائل، لكن ثمّة حقيقة يصعب تجاهلها: كلّما طال أمد الصراع بين هذه القوى، ارتفعت كلفة الاستقرار في الخليج. الحرب العسكرية قد تكون محدودةً زمنياً ومحصورةً جغرافياً، أمّا الحرب الهجينة فصراع طويل ومفتوح وقابل للتجدّد بلا سقف زمني.
اللافت أنّ كلّ طرف في هذا الصراع يقدّم نفسه المدافع عن الأمن والاستقرار. الولايات المتحدة تقول إنّها تحمي النظام الدولي وحرّية الملاحة وممرّات التجارة العالمية. وإسرائيل تعلن أنّها تدافع عن أمنها القومي في مواجهة تهديدات إقليمية وجودية. وإيران تطرح نفسها قوّةً تواجه الهيمنة الغربية وتحمي مصالحها الاستراتيجية وعمقها الإقليمي.
ثلاث روايات متعارضة، لكنّها تشترك في مفردة واحدة: الأمن. والمفارقة أنّ هذا الخطاب الأمني المشترك ينتج، في محصّلته العملية، أكبر قدر من انعدام الأمن لمن هم خارج دائرة القرار. فالواقع أكثر تعقيداً من هذه السرديات السياسية: المشكلة أنّ الصراع لا يدور فوق أراضي أطرافه الرئيسيّين فقط، بل يمتدّ إلى المنطقة بأكملها، فتصبح دول أخرى مطالبة بدفع الثمن من دون أن تملك قرار إشعال المواجهة أو إيقافها. هنا يكمن جوهر الخلل: من يتحدّث عن الأمن بأعلى صوت هو نفسه من يساهم في تفكيك أسسه الإقليمية.
لا تكون الأهداف قواعدَ عسكريةً أو منشآتٍ دفاعيةً فحسب، بل تصبح البنوك والموانئ وشبكات الكهرباء وأنظمة الاتصالات
تُثبت التجارب الحديثة أنّ الحروب لا تنتهي بتوقّف المواجهات المباشرة. فعندما ترتفع كلفة الحرب العسكرية على جميع الأطراف، وتصبح الكلفة السياسية للتصعيد المكشوف باهظةً، تنتقل المنافسة تلقائياً إلى أدوات أقلّ تكلفةً وأكثر تأثيراً وأصعب في إثبات المسؤولية عنها. قد نشهد هجمات سيبرانية تستهدف البنية التحتية الحيوية، أو حملات إعلامية منظّمة تسعى إلى تشكيل الرأي العام وتوجيهه، أو ضغوطاً اقتصادية تعرقل الاستثمارات وتربك الأسواق. وقد تتحوّل منصّات التواصل الاجتماعي إلى ساحات معارك مفتوحة، تُستخدم فيها المعلومات المُضلِّلة والشائعات سلاحاً لإرباك المجتمعات وزعزعة ثقتها في مؤسّساتها.
في هذا النمط من الحروب، لا تكون الأهداف قواعدَ عسكريةً أو منشآتٍ دفاعيةً فحسب، بل تصبح البنوك والموانئ وشبكات الكهرباء وأنظمة الاتصالات (وحتى ثقة المواطن في دولته) أهدافاً مشروعةً في حساب المهاجم. وميزة هذه الأدوات أنّها تحقّق أثراً استراتيجياً من دون أن تستدعي ردّاً عسكرياً واضحاً، لأنّ هُويّة الفاعل تبقى غامضةً بما يكفي لتجنّب المساءلة.
هل وصف الخليج بالحلقة الأضعف مبالغ فيه؟ فالخليج ليس ضعيفاً من حيث الموارد أو القدرات أو جودة مؤسّساته، بل لأنّه يقع في مركز الصراع، ويملك من الأصول ما يجعل الجميع مهتماً به: أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، وتحكّم في ممرّات بحرية حيوية، واستثمارات ضخمة ومشروعات تنموية طموحة تحتاج إلى بيئة مستقرّة كي تكتمل. هذه الأصول نفسها هي مصدر المفارقة. فما يجعل استقرار الخليج هدفاً استراتيجياً عالمياً، يجعل زعزعة هذا الاستقرار ورقة ضغط شديدة الفعّالية في أيّ صراع إقليمي أو دولي. الخصم الذي يعجز عن ضرب خصمه مباشرةً، يجد في المنطقة الأكثر حساسية لتقلّبات الأسواق العالمية نقطة الضغط الأرخص والأسرع أثراً.
مجرد التلويح بالمخاطر يرفع أقساط التأمين وكلف النقل ومعدّلات المخاطرة المطلوبة على أيّ استثمار جديد
ولهذا، أيّ اضطراب أمني أو اقتصادي في الخليج لا يقتصر تأثيره على المنطقة، بل يمتدّ إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. الأهمية والانكشاف وجهان لعملة واحدة. إذا كانت الصواريخ تستهدف المنشآت، فإنّ الحرب الهجينة تستهدف الثقة الاقتصادية. والمستثمر لا يحتاج إلى رؤية انفجار حتّى يتردّد في ضخ أمواله؛ يكفي أن يستشعر أنّ المنطقة تدخل مرحلةً ممتدّةً من عدم اليقين.
الهجمات السيبرانية على المؤسّسات المالية، والتهديدات المتكرّرة للممرّات البحرية، والتقلّبات الحادّة في أسعار الطاقة، كلّها أدوات قابلة للاستخدام لإرباك الاقتصادات الخليجية. وحتّى في غياب أضرار مادية مباشرة، فإنّ مجرد التلويح بالمخاطر يرفع أقساط التأمين وكلف النقل ومعدّلات المخاطرة المطلوبة على أيّ استثمار جديد. بهذا المعنى، تصبح “المخاطرة المتوقعة” ضريبة تُدفع فعلياً حتّى لو لم يحدث شيء.
ومن هنا، الخطر الحقيقي لا يكمن في الخسائر المباشرة، بل في استنزاف المزايا التنافسية التي بنتها دول الخليج، على مدى عقود، مراكزَ للاستقرار والأعمال والطيران والخدمات المالية. تلك السمعة أصل استراتيجي يُبنى بصعوبة، ويتآكل بسرعة. والحرب الهجينة لا تستهدف الاقتصاد وحده، بل تستهدف وعي المجتمعات. فاليوم يمكن لحملة إعلامية منظّمة أو شبكة من الحسابات الوهمية أن تخلق حالةً من الاستقطاب والارتباك في ساعات، وأن تحوّل قضيةً هامشيةً إلى أزمة رأي عام.
لا يكمن الخطر في الخسائر المباشرة، بل في استنزاف المزايا التنافسية التي بنتها دول الخليج على مدى عقود
ومع تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، أصبح إنتاج محتوى مزيَّف يصعب تمييزه من الحقيقة أمراً في متناول أيّ فاعل، حتّى الفاعل محدود الموارد. وهذا يعني أنّ المعركة المقبلة لن تُخاض على الأرض أو في البحر فقط، بل داخل الهواتف الذكية وشاشات الحواسيب، وفي المسافة الضيّقة بين الخبر والتصديق. والخطر أنّ المجتمعات قد تتحوّل، من دون أن تشعر، إلى ساحات صراع نفسي وإعلامي، فيصبح الخوف والشكّ وانعدام الثقة أدواتٍ تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. وحين تُستهدَف الثقة، تُستهدَف قدرة الدولة على الحكم بهدوء، وقدرة المجتمع على التعامل مع الأزمات بعقل بارد.
التحدّي الأكبر أمام الخليج ليس تجنّب آثار الحرب الحالية فحسب، بل الاستعداد للمرحلة التالية: مرحلة أكثر هدوءاً في مظهرها، وأكثر خطورة في جوهرها. وهذا يتطلّب انتقالاً من مقاربة أمنية تقليدية إلى منظومة مرونة شاملة، تربط الأمن السيبراني بحماية القطاع المالي، وتحصين الإعلام الوطني ببناء وعي مجتمعي نقدي، وتعمل لتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية بما يحفظ مسافةً معقولةً من صراعات الآخرين.
فعندما تصمت المدافع، لن يكون ذلك إعلاناً للسلام بالضرورة، بل قد يكون إيذاناً ببدء حرب أخرى؛ حرب لا تستهدف الحدود بقدر ما تستهدف الاقتصاد والمجتمع والثقة والاستقرار. وفي تلك اللحظة، قد يكتشف الجميع أنّ الضحية الكُبرى لم تكن الطرف الذي خسر معركةً عسكريةً، بل المنطقة التي وجدت نفسها تدفع ثمن صراع الآخرين بينما كان الحديث عن الأمن يعلو من الجهات كلّها.
المصدر: العربي الجديد






