من الرقة إلى دمشق.. كيف انتهت مسيرة “قسد” من الصعود إلى الاندماج؟

  مصطفى ديب

مع إعلان مظلوم عبدي حلّ “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) واندماجها رسميًا ضمن مؤسسات الدولة السورية، إلى جانب المؤسسات التابعة لـ”الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” وتوابعها؛ يُطوى نسبيًا أحد أبرز الاختبارات الصعبة التي واجهت الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

وبطيّ صفحة “قسد”، يُغلق فعليًا فصل جديد من فصول مرحلة ما قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، باعتبار أن القوات كانت آخر القوى العسكرية الكبرى والبارزة المتبقية من تلك المرحلة، التي أدّت خلالها دورًا محوريًا بثقل سياسي وعسكري واقتصادي بارز، نظرًا إلى ما كانت تسيطر عليه من موارد مهمة باتت اليوم تحت سيطرة دمشق.

ورغم الأهمية التي كانت تحظى بها سابقًا، إلا أن حضورها في المشهد السوري لم يكن بالزخم نفسه الذي اكتسبته منذ سقوط نظام الأسد، إذ باتت تمثّل منذ ذلك الوقت اختبارًا صعبًا أمام الحكومة السورية الجديدة، وبات يُنظر إليها بوصفها العقبة الأخيرة أمام فرض سيطرة الدولة على كامل التراب السوري.

وازداد هذا الحضور وتكثّف بعد فشل اتفاق آذار/مارس 2025، ومعركة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ثم امتداد المواجهات إلى محافظتي الرقة ودير الزور وصولًا إلى الحسكة، وما أعقب ذلك من مفاوضات توّجت باتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026.

مثّلت “قسد” منذ سقوط النظام اختبارًا صعبًا أمام الحكومة السورية الجديدة، وبات يُنظر إليها بوصفها العقبة الأخيرة أمام فرض سيطرة الدولة على كامل التراب السوري

وضع الاتفاق مسارًا فعليًا لدمج “قسد” في بنية الدولة، إذ حصل عدد من قادتها بموجبه على مناصب قيادية، من بينهم سيبان حمو، الذي عُيّن معاونًا لوزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية، ونور الدين أحمد، الذي عُيّن محافظًا للحسكة، وسيامند عفرين، الذي تولى كذلك منصب نائب قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة. كما دخلت قوات الحكومة ومؤسساتها، بموجبه، إلى آخر معاقل “قسد” في محافظة الحسكة (مدينتي الحسكة والقامشلي)، ومنطقة عين العرب (كوباني) بريف حلب.

أمام هذه التطورات، يعود سؤال “من تكون قسد؟” إلى الواجهة بوصفه سؤالًا مشروعًا لفهم مسارها، وبنيتها، والقوى التي شكّلتها، والأدوار التي أدّتها خلال السنوات الماضية، وصولًا إلى لحظة حلّها واندماجها في مؤسسات الدولة. وهذا ما تحاول المادة الإجابة عنه باختصار.

نشأة “قسد” وتحوّلاتها

في ذروة صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وبعد عام تقريبًا على تشكيل التحالف الدولي لمواجهة التنظيم، بقيادة الولايات المتحدة؛ أُعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2015 تشكيل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي برزت في ذلك الوقت بوصفها قوة عسكرية مهمتها مواجهة “داعش”، بدعم أميركي مباشر وصريح.

ضمّت القوّة العسكرية الجديدة في بداياتها القوى التي شكّلت ما يُعرف بـ”غرفة عمليات بركان الفرات”، التي تأسست مطلع أيلول/سبتمبر 2014 لمواجهة تنظيم الدولة، وهي “وحدات حماية الشعب” (YPG)، و”وحدات حماية المرأة” (YPJ) و”لواء ثوار الرقة”، إلى جانب المجلس العسكري السرياني.

ومع انضمام “قوات الصناديد”، التي تضم مقاتلين من قبيلة “شمر”، بدأت “قسد” تقدّم نفسها بوصفها قوّة كردية – عربية مشتركة، بعدما شكّل “لواء ثوار الرقة” و”قوات الصناديد” ثقلًا عربيًا بارزًا داخلها في مقابل الثقل الكردي الذي مثّلته وحدات حماية الشعب والمرأة.

لكن هذا التوازن لم يستمر لوقت طويل، إذ بدأت المكوّنات الكردية بالهيمنة شيئًا فشيئًا على قرار “قسد”، وتحوّلت مع الوقت إلى صاحبة الثقل الأبرز والقرار داخلها، لا سيما بعد نجاحها في إضعاف المكوّن العربي عبر حلّ “لواء ثوار الرقة” وتشكيل ما يُعرف بـ”المجالس العسكرية”.

رغم ذلك، لم تتمكن القوى الكردية، على الرغم من “هيمنتها” المطلقة والصريحة على القرار داخل “قسد” وتحوّلها مع الوقت إلى القوة المهيمنة فعليًا على بنيتها، من إقصاء المكوّن العربي بشكل كامل، إذ اصطدمت محاولاتها لإضعاف “قوات الصناديد” بثقلها العشائري وطبيعة المنطقة الشرقية، القائمة على التوازنات القبلية والعشائرية، إلى جانب سعي الولايات المتحدة إلى الحفاظ على قدر من التوازن بين مكوّنات القوات حينها.

سيطرت قيادة “وحدات حماية الشعب” لاحقًا على القرار داخل “قسد” ليرتبط اسم القوات بها إلى درجة أنها باتت تُقدّم بوصفها قوّة عسكرية كردية، رغم استمرار وجود المكوّن العربي داخلها، وهو ما أشارت إليه جزئيًا تقارير أميركية. وبفضل ما وفّرته لها واشنطن من سلاح وتدريب ودعم استخباراتي، تزايد نفوذها في المنطقة الشرقية بوتيرة متسارعة، خاصةً مع تراجع نفوذ “داعش” وخسارته لمناطق سيطرته تباعًا، التي حلّت “قسد” مكانه في معظمها.

صعود “قسد”

خاضت “قسد” معارك عديدة ضد تنظيم الدولة “داعش”، لكن معركتها ضده في مدينة الرقة تبقى من أهم محطات مسيرتها باعتبارها المعركة التي كرّستها قوة عسكرية فاعلة في المشهد السوري من جهة، وشريكًا عسكريًا رئيسيًا لواشنطن في مواجهة التنظيم من جهة أخرى. ولذلك يُنظر إلى معركة الرقة كواحدة من أبرز محطات صعود “قسد”.

وكانت المعركة قد بدأت فعليًا في حزيران/يونيو 2017 بدعم مباشر من “التحالف الدولي”، واستمرت حتى أواخر تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، حيث أعلنت “قسد” في 20 من الشهر ذاته سيطرتها على المدينة التي كانت تُعد آنذاك عاصمة “الخلافة” التي أعلنها التنظيم، الأمر الذي مثّل ضربة كبيرة لـ”داعش” الذي تسارع انحسار نفوذه الجغرافي بعد خسارة المدينة.

بعد الرقة، واصلت “قسد” عمليتها العسكرية ضد “تنظيم الدولة” وصولًا إلى ريف دير الزور الشرقي، حيث خاضت معركتها الأخيرة ضده في بلدة الباغوز، آخر معاقله، التي سيطرت عليها فعليًا في 23 آذار/مارس 2019. وبسقوط الباغوز، أُعلن رسميًا انتهاء السيطرة الجغرافية للتنظيم في سوريا، مع استمرار وجوده كخلايا وشبكات مسلحة في مختلف مناطق البلاد.

تحوّلات ما بعد هزيمة “داعش”

لم ينتهِ دور “قسد” مع انتهاء السيطرة الجغرافية لتنظيم الدولة، بل انتقل من مواجهته إلى إدارة المساحات الواسعة التي أصبحت تحت سيطرتها بعد هزيمته، والتي شكّلت نحو ربع مساحة سوريا، حيث شملت مناطق واسعة من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وأجزاءً من حلب، وضمّت حقولًا للنفط والغاز ومنشآت مائية ومعابر استراتيجية، ما منحها ثقلًا اقتصاديًا بارزًا إلى جانب ثقلها العسكري.

تجدر الإشارة إلى تولّي “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرة “قسد” عبر مؤسساتها المدنية والخدمية، بعد الإعلان عن تأسيسها عام 2018. ومنذ بداياتها، هيمن حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD) على البنية السياسية للإدارة بشكل واضح، بوصفه القوة السياسية الأبرز شمال شرق سوريا، رغم وجود ما يُعرف بـ”مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد) الذي تأسس عام 2015، وجرى تقديمه بوصفه المظلة السياسية لـ”قسد”.

لكن النشاط السياسي لـ”مسد” ظل محدودًا إن لم يكن هامشيًا أمام النفوذ الواسع والمتصاعد لحزب “الاتحاد الديمقراطي”، الذي لا يزال القوّة السياسية الأكثر تأثيرًا في المشهد السياسي في المناطق الكردية، وسط اتهامات متزايدة بتهميش القوى السياسية المعارضة له، وفي مقدمتها “المجلس الوطني الكردي”.

تركيا و”قسد”.. صراع الحدود والنفوذ

مع ترسّخ نفوذ “قسد” بوصفها القوة العسكرية والإدارية المهيمنة في مناطق سيطرتها التي يمتد جزء كبير منها بمحاذاة الحدود مع تركيا، تصاعدت مخاوف أنقرة لكونها تعتبر “وحدات حماية الشعب”، العمود الفقري لـ”قسد”، امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، الذي كانت تخوض ضده، حتى وقت قريب، حربًا مفتوحة.

وفي ظل تصاعد مخاوفها وتفاقم خلافها مع واشنطن بشأن تسليح “قسد”، انتقلت تركيا إلى التدخل العسكري المباشر ضدها، بدءًا من عملية “غصن الزيتون”، التي سيطرت خلالها، بمشاركة فصائل من المعارضة السورية، على منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي عام 2018، ثم عملية “نبع السلام” التي سيطرت خلالها على مناطق من ريفي محافظتي الحسكة والرقة في عام 2019، لتُبعد بذلك “قسد” عن جزءٍ من حدودها.

معركة “ردع العدوان” وسقوط الأسد

في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أطلقت فصائل المعارضة السورية، بقيادة “هيئة تحرير الشام”، معركة “ردع العدوان” ضد قوات نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي فجر الثامن من كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، دخلت فصائل المعارضة العاصمة دمشق بعد هروب الأسد إلى موسكو، لتبدأ مرحلة جديدة لم تكن القوّة العسكرية الكردية في شمال وشرق سوريا بمعزل عن تداعياتها.

أصبحت “قسد”، بعد سقوط النظام، أمام دولة تسعى إلى توحيد المؤسسات والسلاح والسيطرة على كامل التراب السوري. وفي هذا الإطار، خاض الطرفان، الحكومة الجديدة و”قسد”، مفاوضات عديدة أفضت إلى توقيع اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي. ونصّ الاتفاق حينها على دمج “قسد” والإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية، بما في ذلك المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، إضافةً إلى ضمان حقوق الكرد في الدستور.

لكن تنفيذ الاتفاق تعثّر خلال عام 2025، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين بشأن مسؤولية تعطيله، وتصاعد الاحتقان والتوتر بينهما، قبل أن ينفجر مطلع عام 2026 بصورة واسعة عقب مواجهات محدودة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ومحيط سد تشرين بريف حلب.

وشهد كانون الثاني/يناير مواجهات عسكرية بدأت من حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، ثم امتدت إلى شرق الفرات، لتشمل محافظة الرقة ثم دير الزور، وصولًا إلى الريفين الجنوبي والغربي لمحافظة الحسكة.

وأمام التراجع الكبير في مناطق نفوذ “قسد”، وخسارتها معظم مناطق سيطرتها وانحسار وجودها إلى مدينتي الحسكة والقامشلي وريفهما، توصل الشرع وعبدي إلى اتفاق جديد عُرف باسم “اتفاق 29 كانون الثاني/يناير”، أعاد صياغة مسار الدمج الذي بدأ منذ ذلك الوقت يأخذ خطوات أكثر تسارعًا وجديّة.

وعلى مدار الأشهر السبعة الأخيرة، انتقلت عملية دمج قوات “قسد” والإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة من إطار الاتفاق السياسي الخطوات التنفيذية، حيث جرى تشكيل عدة وحدات داخل الجيش السوري من “قسد” بعد أن خضع عناصرها لتدريبات من قِبل وزارة الدفاع.

وكان عبدي قد صرّح بأن أربع تشكيلات عسكرية تضم عناصر من “قسد” أصبحت تعمل بأسماء جديدة داخل الجيش، بينها ألوية في ديريك والحسكة والقامشلي وعين العرب (كوباني)، بالتوازي مع انتقال عدد من قيادات “قسد” إلى مواقع قيادية داخل المؤسسة العسكرية السورية.

وظل ملف “وحدات حماية المرأة” (YPJ) إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الحكومة السورية و”قسد” في مسار الدمج، في ظل تمسّك قياداتها بالحفاظ على خصوصيتها التنظيمية، مقابل رفض وزارة الدفاع دمجها كتشكيل مستقل داخل الجيش.

وخلال المفاوضات، طُرحت صيغة بديلة تقضي بدمج عناصرها ضمن تشكيلات وزارة الداخلية، وهو الخيار الذي أكدت مصادر خاصة لـ”الترا سوريا” أن الحكومة السورية اعتمدته خلال اجتماع الشرع مع عبدي وإلهام أحمد.

وبإعلان عبدي، من دمشق أمس الثلاثاء، انتهاء مهمة “قسد” وحلّها كقوة عسكرية مستقلة بعد استكمال دمج قواتها في الجيش السوري، يُطوى الاسم العسكري الذي ظهر عام 2015 بعد نحو 11 عامًا، وتنتقل قواتها وقياداتها إلى العمل ضمن مؤسسات الدولة الرسمية.

لكن مسألة الاندماج الفعلي، ومدى جديّة وإمكانية اختفاء التكتلات العسكرية التابعة لـ”قسد” داخل تشكيلات الجيش، إلى جانب مصير مؤسسات “الإدارة الذاتية”، تبقى رهن المرحلة المقبلة، التي ستختبر الكيفية التي سيُترجم بها هذا الاندماج على الأرض، ومدى ذوبان التشكيلات والهياكل السابقة فعليًا داخل مؤسسات الدولة.

المصدر: ألترا سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى