سقوط آخر قيود العزلة.. ماذا ينتظر سوريا بعد رفع تصنيف “الإرهاب”؟

أعلنت الولايات المتحدة، الإثنين، شطب سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، منهيةً تصنيفاً استمر منذ عام 1979، في خطوة جديدة ضمن مسار رفع القيود الأميركية عن دمشق وإعادة دمجها تدريجياً في النظام المالي والاقتصادي الدولي.

وبالتزامن، ألغت وزارة الخارجية الأميركية تصنيف “جبهة النصرة”، المعروفة أيضاً باسم “هيئة تحرير الشام”، كـ”منظمة إرهابية عالمية محددة” (SDGT)، في حين شطب مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC) الهيئة من قائمة الأشخاص والكيانات المحظورة (SDN).

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، إنّ الإجراءات تأتي انسجاماً مع تعهد الرئيس دونالد ترمب بتخفيف العقوبات عن سوريا، مشيرة إلى أن الخطوة تهدف إلى تشجيع مزيد من الاستثمارات ودعم الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن بلاده تمضي في تنفيذ وعد ترمب بـ”منح الشعب السوري فرصة” لبناء مستقبل أفضل، معتبراً أن القرارات الجديدة ستساعد على جذب استثمارات إضافية إلى سوريا.

نهاية تصنيف بدأ عام 1979

أُدرجت سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، في 29 كانون الأول 1979، وكانت من أوائل الدول التي شملها التصنيف الأميركي، الذي يرتب مجموعة من القيود القانونية، أبرزها الحد من المساعدات الخارجية الأميركية، وحظر صادرات ومبيعات الأسلحة، وفرض ضوابط على بعض السلع ذات الاستخدام المزدوج، إلى جانب قيود مالية وقانونية أخرى.

وجاء الشطب النهائي بعد أن أخطر ترمب الكونغرس، في 8 تموز الماضي، بنيته إزالة سوريا من القائمة، لتبدأ مهلة المراجعة القانونية البالغة 45 يوماً، قبل استكمال إجراءات رفع التصنيف.

وكان القرار الأميركي قد استند إلى التغيرات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، وإلى تعهدات الحكومة السورية الجديدة بعدم دعم الإرهاب الدولي.

وبذلك تطوي سوريا تصنيفاً لازمها لنحو 47 عاماً، وتنتقل علاقتها القانونية مع الولايات المتحدة إلى مرحلة مختلفة، بعدما كانت الدولة الوحيدة التي بقيت على القائمة من بين الدول التي شملها التصنيف عند تأسيسه عام 1979.

ماذا يتغير فعلياً؟

لا يعني القرار رفع حزمة جديدة من العقوبات الشاملة بقدر ما يعني إزالة واحدة من آخر الطبقات القانونية والسياسية التي ظلت تحيط بالتعامل مع سوريا.

فالولايات المتحدة كانت قد أنهت، اعتباراً من 1 تموز 2025، الجزء الأكبر من برنامج العقوبات الشامل المفروض على سوريا، وسمحت للمؤسسات المالية الأميركية بإجراء معاملات مع المؤسسات السورية وإقامة علاقات مراسلة مصرفية معها، ما دامت المعاملات لا تشمل أشخاصاً أو جهات مدرجة على قوائم الحظر. كما أُلغي “قانون قيصر” في نهاية عام 2025.

لكن بقاء سوريا مصنفة “دولة راعية للإرهاب” أبقى معها مستوى إضافياً من المخاطر القانونية والسياسية، وجعل العديد من المصارف وشركات التأمين والمستثمرين الدوليين يتعاملون معها بوصفها سوقاً عالية المخاطر، حتى في الحالات التي أصبحت فيها المعاملات قانونية.

ومن هنا، قد لا يظهر الأثر الأبرز للقرار في حركة التجارة اليومية مباشرة، بقدر ما يمكن أن يظهر تدريجياً في التمويل والمصارف والاستثمار.

فشطب سوريا يزيل إشارة مخاطر رئيسية تستخدمها إدارات الامتثال في المؤسسات المالية العالمية، وقد يسهم مع الوقت في توسيع علاقات المراسلة بين المصارف السورية والأجنبية، وتقليل كلفة التحويلات وتمويل التجارة، وتسهيل وصول الشركات السورية إلى الحسابات والخدمات المالية الدولية.

كذلك، فإنّ إزالة التصنيف تخفف عقبة أمام حصول سوريا مستقبلاً على تمويل طويل الأجل، وضمانات استثمار وتمويل مشاريع، وتفتح مساحة أوسع أمام التعامل مع مؤسسات مالية دولية، إلا أن ذلك لا يعني تدفق القروض أو الاستثمارات بصورة فورية.

من العقوبات إلى “علاوة المخاطر

وكان تقرير سابق لـ موقع تلفزيون سوريا، قد أشار إلى أنّ القيمة الاقتصادية الأهم لشطب سوريا لا تكمن بالضرورة في السماح باستثمارات كانت محظورة، إذ أزيل بالفعل قسم كبير من تلك القيود، بل في خفض المخاطر التنظيمية والسياسية وكلفة رأس المال، التي يتحملها المستثمر عند دخول السوق السورية.

وبمعنى آخر، قد يكون المستفيد الأكبر من القرار المستثمر الذي كان يستطيع قانونياً دخول سوريا لكنه بقي متردداً بسبب موقف البنوك وشركات التأمين وإدارات الامتثال، أكثر من المستثمر الذي كان ممنوعاً كلياً من العمل فيها.

ومع ذلك، فإنّ شطب سوريا من القائمة لن يدفع المصارف العالمية إلى العودة إليها بصورة فورية، إذ ما تزال هناك تحديات تتعلق بالنظام المصرفي السوري والديون القديمة والحوكمة والاستقرار السياسي والأمني وسيادة القانون وحماية الاستثمارات، وهي عوامل مستقلة عن العقوبات الأميركية.

واشنطن تشطب “هيئة تحرير الشام

بالتوازي مع رفع التصنيف عن سوريا، ألغت وزارة الخارجية الأميركية تصنيف “جبهة النصرة”، المعروفة أيضاً باسم “هيئة تحرير الشام”، كـ”منظمة إرهابية عالمية محددة”، وشطبها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية من قائمة SDN.

وبموجب القرار، لم تعد الهيئة خاضعة للحظر وفق “لوائح عقوبات الإرهاب العالمي” أو “الأمر التنفيذي 13224” المعدّل، ولم يعد الأشخاص الأميركيون بحاجة إلى ترخيص من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية لإجراء معاملات معها، شريطة ألا تشمل هذه المعاملات أشخاصاً ما يزالون خاضعين للعقوبات أو أنشطة محظورة بموجب قوانين أميركية أخرى.

وهذه الخطوة، تأتي استكمالاً لقرار سابق اتخذته وزارة الخارجية الأميركية، في 8 تموز 2025، عندما ألغت تصنيف “هيئة تحرير الشام” كـ”منظمة إرهابية أجنبية” (FTO).

كذلك، ألغى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية “الترخيص العام رقم 25″، الذي كان يسمح ببعض المعاملات التي يمكن أن تصبح محظورة بسبب صلة الهيئة بالحكومة السورية، بعدما أصبح الترخيص غير ضروري إثر شطب الهيئة من قوائم الحظر الأميركية.

عقوبات مستمرة ونهج أكثر استهدافاً

رغم أهمية القرارات، فإنها لا تعني انتهاء جميع العقوبات والإجراءات الأميركية المتعلقة بسوريا، فما تزال واشنطن تفرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بنظام المخلوع بشار الأسد، وعلى متهمين بانتهاكات لحقوق الإنسان وشبكات مرتبطة بتهريب المخدرات، فضلاً عن تنظيم “الدولة” وتنظيم “القاعدة” والجهات والأشخاص المرتبطين بهما.

وفي إشارة إلى انتقال السياسة الأميركية من العقوبات الواسعة إلى الاستهداف الفردي، فرضت وزارة الخزانة، بالتزامن مع شطب “هيئة تحرير الشام”، عقوبات على شخصين كانا مرتبطين سابقاً بالهيئة، وقالت إن أحدهما واصل تقديم الدعم لتنظيم “القاعدة”، في حين ارتبط الآخر بتنظيم “حراس الدين”.

وأكدت الخزانة أن إزالة القيود عن سوريا والهيئة لا تغير موقف الولايات المتحدة من مكافحة الإرهاب أو التزامها بملاحقة الأشخاص والجهات التي تعتبرها تهديداً للأمن والاستقرار.

سوريا بعد الشطب

يمثل القرار حلقة متقدمة في مسار بدأته إدارة ترمب خلال عام 2025 لتفكيك منظومة العزلة الاقتصادية التي فرضت على سوريا في عهد نظام الأسد.

وبعد إنهاء العقوبات الاقتصادية الشاملة، وتخفيف القيود على المصارف والتجارة، ثم إلغاء “قانون قيصر”، يأتي شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب ليزيل عائقاً من نوع مختلف: الوضع القانوني والسياسي للدولة السورية نفسها داخل النظام المالي الدولي.

ولا يعني ذلك أن الاقتصاد السوري سيشهد تحولاً فورياً أو أن الاستثمارات والقروض ستتدفق بمجرد صدور القرار، لكن إحدى أبرز إشارات الخطر التي رافقت اسم سوريا لعقود اختفت رسمياً.

لذلك سيكون الاختبار الحقيقي للقرار خلال الأشهر المقبلة، في مدى عودة المصارف الأجنبية إلى إقامة علاقات مع نظيراتها السورية، واتساع التمويل الدولي للمشاريع، وتراجع كلفة التحويلات والتأمين والاستثمار، وقدرة سوريا على الانتقال من اقتصاد يعمل عبر الاستثناءات والتراخيص إلى علاقة أكثر طبيعية مع الأسواق والمؤسسات المالية الدولية.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى