في رهان إيران على العراق

إياد الدليمي

ما إن بدأت الحكومة العراقية حملتها الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، حتّى تحوّلت بغداد إلى محجّ للساسة والعسكريين الإيرانيين، في ما بدا وكأنّه محاولة إيرانية لتدارك ما يمكن تداركه، قبل أن تمضي الحكومة بعيداً في هذا الملفّ الذي حدّدت له، في البداية، موعد 30 سبتمبر/ أيلول المقبل، قبل أن تعيد صياغة موقفها وتصف هذا التاريخ بأنّه “بداية مسار” لعملية حصر السلاح بيد الدولة.
تدرك إيران أنّ قوتها، في جانب كبير منها، تكمن في نفوذها خارج حدودها. ولعلّ الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) رسّخت في العقل الاستراتيجي الإيراني قناعةً أنّ أسوأ الحروب هي التي تجري على الحدود، وأنّ أفضلها تلك التي تُدار بعيداً من الجغرافيا الوطنية، فهي أقلّ كلفةً وأكثر قدرةً على توفير أوراق الضغط. ومن هنا جاء بناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، لتكون بمثابة خطوط دفاع متقدّمة للأمن القومي الإيراني. لكن طهران تعيش اليوم هاجساً آخر، هو صدمة ما جرى في سورية في ديسمبر/ كانون الأوّل 2024، عندما انهار نظام بشّار الأسد، وتراجع النفوذ الإيراني الذي استثمرت فيه طهران سنوات طويلة وأموالاً وقدرات عسكرية وأمنية كبيرة. لم تتجاوز إيران تلك الصدمة بصورة كاملة، ويبدو الاهتمام الإيراني بالعراق اليوم، في أحد أوجهه، محاولةً لمنع تكرار السيناريو السوري في بلد آخر يمثّل بالنسبة إلى إيران أهمّيةً أكبر بكثير.

ليس النفوذ الإيراني في العراق جسماً خارجياً يمكن نزعه بسهولة، بل شبكة متداخلة في الدولة والمجتمع والاقتصاد والسياسة

فالعراق ليس مجرّد ساحة نفوذ إيرانية أو مجموعة فصائل مسلّحة مرتبطة بطهران. هنا حدود مشتركة تمتدّ لأكثر من 1400 كيلومتر، وتداخل ديني ومذهبي واجتماعي، وشبكة من الأحزاب والقوى السياسية والفصائل المسلّحة، فضلاً عن علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية تراكمت عقود. وبمعنى آخر، ليس النفوذ الإيراني في العراق جسماً خارجياً يمكن نزعه بسهولة، بل شبكة متداخلة داخل الدولة والمجتمع والاقتصاد والسياسة. ومع هذا، هذا العمق الذي قد يبدو مطمئناً لإيران، يخفي في داخله مصدر قلق حقيقياً. فطهران لم تنسَ ما جرى في العراق عام 2019، عندما خرجت بغداد ومحافظات جنوبية أخرى في احتجاجات واسعة رفعت شعارات مناهضة للنفوذ الإيراني، من أبرزها “إيران برّا برّا.. بغداد تبقى حرّة”. ولم تكن تلك الاحتجاجات مجرّد اعتراض على أداء حكومة أو أزمة خدمات، بل حملت، في جزء كبير منها، رفضاً صريحاً لتحوّل العراق إلى ساحة نفوذ إيرانية. ذلك الجيل لم يختفِ. صحيح أنّ القتل والاعتقال والتخوين والهجرة أنهكت حركة تشرين، لكنّ الأفكار التي أطلقتها لم تختفِ، بل ربّما أصبحت أكثر رسوخاً لدى قطاعات من الشباب العراقي، بالتزامن مع انكشاف مستويات واسعة من الفسادين، السياسي والمالي، وتراجع قدرة القوى التقليدية على إقناع العراقيين بأنّ استمرار الوضع القائم هو الخيار الوحيد الممكن، وهنا تحديداً المشكلة الإيرانية.
ليست إيران اليوم إيران 2019، ولا إيران 2020. سنوات العقوبات والضغوط الاقتصادية، ثمّ الحرب أخيراً وتداعياتها، أظهرت حجم نقاط الضعف داخل المنظومة الإيرانية، حتّى إن حاول الخطاب الرسمي والإعلامي في طهران تقديم صورة مختلفة. ولذلك، فإنّ خسارة العراق أو حتّى خسارة جزء مهم من النفوذ الذي تتمتّع به طهران داخله، ستكون ضربة استراتيجية لا ترغب إيران في تحمّلها في هذه المرحلة، والأمر لا يتعلّق بالسياسة والأمن فقط.
كان العراق سنواتٍ بوابةً اقتصاديةً مهمّةً لإيران في مواجهة العقوبات، ومع تشديد العقوبات الأميركية والقيود على صادرات النفط والضغوط على الاقتصاد الإيراني، تصبح المحافظة على هذه البوابة أكثر أهمّيةً. فكلّما ضاقت الخيارات أمام الاقتصاد الإيراني، ازدادت قيمة العراق بالنسبة إلى طهران بوصفه سوقاً رئيسية، ومتنفّساً تجارياً ومالياً، وامتداداً جغرافياً واقتصادياً يصعب تعويضه.
من هنا يمكن قراءة الزيارات الإيرانية المتتالية إلى بغداد، ومن بينها زيارات وزير الخارجية عبّاس عراقجي، وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، ورئيس مجلس الشورى محمّد باقر قاليباف، باعتبارها أكثر من مجرّد زيارات دبلوماسية أو برلمانية. إنّها، في أحد أوجهها، محاولة لتثبيت النفوذ وإدارة المرحلة الجديدة، وربّما تأجيل أيّ مواجهة محتملة حول ملفّ السلاح، إلى أن تتّضح صورة المنطقة ومسار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. فلا تريد إيران أن تخسر العراق في لحظة تتقلّص فيها أوراقها الإقليمية. لكنّ واشنطن، في المقابل، لا تبدو غافلةً عن هذا، فحصر السلاح بيد الدولة لم يعد مجرّد مطلب أميركي يتعلّق بالعراق، بل أصبح جزءاً من تصوّر أوسع لإعادة ترتيب المنطقة، وتقليص قدرة القوى المسلّحة المرتبطة بإيران على العمل خارج مؤسّسات الدولة.

العراق اليوم ساحة اختبار لمستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة كلّها

ولهذا أيّ محاولة لإفراغ مشروع حصر السلاح من مضمونه، وتحويله من تفكيك فعلي للقدرات العسكرية خارج الدولة إلى مجرّد إعادة تصنيف أو دمج شكلي، قد لا تكون مقبولةً لدى واشنطن، وقد تدفعها إلى خيارات أخرى في التعامل مع حكومة علي الزيدي التي تعهّدت في أكثر من مناسبة بإنهاء هذا الملفّ. وهنا تجد الحكومة العراقية نفسها أمام اختبار بالغ الصعوبة: كيف يمكنها أن تستعيد قرار الدولة من دون الدخول في حرب داخلية؟ وكيف يمكنها تفكيك نفوذ مسلّح متجذّر من دون أن تتحوّل العملية إلى صراع طائفي أو إقليمي؟ وكيف يمكنها أن تقنع إيران بأنّ العراق لم يعد مستعدّاً لدفع كلفة الصراع الإيراني الأميركي؟ ربّما لهذا السبب تراهن طهران على الوقت، فالوقت بالنسبة إليها يعني تأجيل المواجهة، وإعادة ترتيب أوراقها، والحفاظ على قنوات نفوذها داخل العراق، ومنع الحكومة من الانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة الإجراءات الفعلية.
المشكلة الأخرى التي تواجه إيران أنّ العراق نفسه تغيّر. فالشارع العراقي يرى آثار هذا الارتهان لمشروع إيران في ظلّ أزمة اقتصادية تعصف بالعراق، وصلت إلى حدّ تهديد رواتب موظّفي القطاع العام التي تدفعها الحكومة، ناهيك عن استمرار تردّي الواقع الخدمي، فضلاً عن التهديدات الأمنية، وما زال يرى أنّ المقبل قد يكون كارثياً.
أمور تستشعرها السلطة التنفيذية في العراق، وهي تحاول أن تمشي على حبل مشدود بين ما تريده طهران وما تريده واشنطن. لهذا تبدو بغداد اليوم أكثر من مجرّد عاصمة لدولة تعالج ملفّ السلاح؛ إنّها ساحة اختبار لمستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة كلّها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى