
مقارنة بين معاهدة فيصل – كليمنصو عام 1920 ومعاهدة العام 1936 بين الكتلة الوطنية والحكومة الفرنسية
في عام 1920 كانت الدولة الفرنسية قد خرجت من الحرب العالمية الأولى باعتبارها الدولة صاحبة المساهمة الأكبر في الحرب وبالتالي فقد كانت رغم خسائر الحرب المادية والبشرية في ذروة إحساسها بالقوة وشهوة الاستعمار والتصميم على سلب الدول المهزومة ومنها الدولة العثمانية الأراضي التي انتزعت منها في الحرب من خلال نظام الانتداب الذي تم وضعه ضمن ميثاق عصبة الامم
وبالتشارك مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة وايطاليا .ومن خلال اتفاق سايكس بيكو الذي تقاسمت فيه فرنسا وبريطانيا المشرق العربي .
هذا هو واقع النظام العالمي الذي واجهته النخب السورية مع ذلك ساهم الحماس القومي وقتها في خلق شعور بالثقة المفرطة لدى الحركة الوطنية السورية في العهد الفيصلي وأن بالامكان تحقيق الأهداف السياسية دون النظر لما يسمح به النظام العالمي وما لايسمح به , ودون النظر بما يمتلك الشعب السوري وقتها من الامكانات الاقتصادية والعسكرية بعد خروجه من عباءة الدولة العثمانية .
وقد تجسد ذلك في وقوف النخب السورية بقوة ضد أي تفاهم مع الدولة الفرنسية من شأنه تجنب المواجهة عن طريق معاهدة تمنح لفرنسا امتيازات عسكرية واقتصادية وتعترف بفصل لبنان عن سورية مقابل الابقاء على كيانية المملكة العربية السورية مثل معاهدة فيصل – كليمنصو
هل كانت معاهدة العام 1936 نسخة متأخرة عن معاهدة فيصل – كليمنصو بعد ستة عشر عاما من الانتداب ؟
لنترك الاجابة عن السؤال السابق الآن ونبدأ بمقارنة المعاهدتين:
- كان الاتفاقان يُعبران عن صيغتين لمحاولة مأسسة النفوذ الفرنسي بصورة تعاقدية بدلاً من فرض الانتداب في الحالة الأولى وبقائه في الحالة الثانية وبالتالي الاعتراف بالكيان السوري (المملكة عام 1920، والجمهورية عام 1936).
بالنتيجة تعريف “الانتداب كمعونة” (1920) مقابل “الاستقلال بالتحالف” (1936)
في اتفاق 1920 اعترفت فرنسا ب المملكة العربية السورية كدولة مستقلة ذات سيادة في نظامها الداخلي لكنها عرفت الانتداب ب ” تقديم الارشاد والمعونة والمساعدة ” عن طريق مستشارين مقابل منح فرنسا الأفضلية الاقتصادية (الامتيازات) والعسكرية (استخدام السكك الحديدية والموانئ)
في معاهدة 1936 تم الاعتراف بالجمهورية السورية تمهيداً لإنهاء الانتداب ونيل الاستقلال التام والدخول في عصبة الأمم، ولكن مقابل عقد تحالف عسكري واقتصادي لمدة 25 سنة يمنح فرنسا قواعد جوية (في المزة وتدمر) وحق تحريك قواتها في سورية عند نشوب حرب.
- نقاط التشابه الجوهرية (مع الفارق الزمني)
بقاء الدولة: كلاهما لم يلغِ فكرة وجود دولة وحكومة سورية، بل اعترف بالكيان السياسي السوري.
مقايضة السيادة بالامتيازات: في الحالتين، حاولت سورية الحصول على اعتراف بكيانها الموحد وسيادتها الداخلية، مقابل التنازل لفرنسا عن امتيازات استراتيجية (عسكرية واقتصادية ومستشارين).
البحث عن صيغة تعاقدية: رغبت القيادة السورية (الملك فيصل في 1920، والكتلة الوطنية في 1936) في صياغة العلاقة مع فرنسا عبر “اتفاق متبادل” لتجنب المواجهة العسكرية المباشرة أو الحكم العسكري المطلق.
- نقاط الاختلاف :
أولا : عام 1920: كان الاتفاق محاولة لتفسير صك الانتداب (الذي أقرته عصبة الأمم) بشكل مخفف وجعله مجرد “إشراف ومساعدة”، أي شرعنة غير مباشرة للانتداب برضا سوري.
في عام 1936: كانت المعاهدة تهدف إلى إلغاء الانتداب تماماً والاستعاضة عنه بمعاهدة دولية بين دولتين مستقلتين (على غرار المعاهدة البريطانية العراقية عام 1930).
ثانيا :
الملاحظة الثانية المرتبطة بالنظام العالمي تتعلق بالتغييرات البنيوية التي طرأت على ذلك النظام بسبب عوامل اقتصادية عانت فرنسا خلالها من أزمة اقتصادية داخلية , وعوامل تتعلق بصعود الاتحاد السوفييتي وتشكل المعسكر الاشتراكي وتهديده الايديولوجي للدول الغربية وتحالفه مع حركات التحرر العالمية , مما دفع بعض الدول الغربية حتى للمراهنة على النازية لكبح ماكان يوصف بالتمدد الشيوعي في اوربة .
ويأتي صعود الاشتراكي الفرنسي ليون بلوم كرئيس وزراء لفرنسا في هذا السياق ضمن الحلول الوسط لاحتواء الفكرة الاشتراكية في اوربة . وقد سبق الاشارة إلى أن ليون بلوم هو من يسر التوصل لمعاهدة 1936 .
ثالثا : معاهدة العام 1920 لم تتضمن صراحة سورية كدولة موحدة تضم الساحل وبالتالي بقي وضع الساحل غامضا في حين اعترفت بلبنان منفصلا عن سورية وتحت الانتداب الفرنسي بينما معاهدة 1936 اعترفت بدولة سورية واحدة تضم الساحل وجبل الدروز .
قرأ فيصل موازين القوى الدولية وما يمكن الحصول عليه وهو اعتراف فرنسي بكيان سوري مستقل بنفوذ فرنسي مقابل ما ذهبت إليه النخب السورية الأكثر تأثيرا في القرار السياسي للعهد الفيصلي من أن معاهدة كمعاهدة فيصل – كليمنصو سوف تمنح فرنسا اعترافا بتجزئة سورية , وتبقي الساحل مثلما هو عليه وضعه العسكري في تلك الفترة أي تحت السيطرة الفرنسية , من خلال غموض وضعه كجزء من سورية .
لقد كان موقف النخب السورية وطنيا بامتياز لكنه لم يكن واقعيا نسبة لموازين القوى وخاصة بوجود تصميم فرنسي على السيطرة على سورية وغطاء قانوني دولي متمثل في قرارات عصبة الأمم بخصوص الانتداب الفرنسي على سورية .
لعل أخطر ما أغفلته الحركة الوطنية السورية في تقديرها لاتفاق فيصل ـ كليمنصو أنها تعاملت مع التسوية بوصفها تنازلاً نهائياً، في حين كان فيصل ينظر إليها بوصفها تسوية مرحلية تحفظ للدولة السورية وجودها في ظروف دولية شديدة الاختلال. وقد أدرك كليمنصو نفسه حساسية عامل الزمن حين حث فيصل على إتمام الاتفاق، منبهاً إياه ـ بحسب الرواية التي نقلتها بعض المصادر ـ إلى أنه «أعطاه ما لن يحصل عليه من غيره إذا جاء إلى الحكم في فرنسا». وكان خروج كليمنصو من السلطة بعد أيام قليلة مؤشراً بالغ الدلالة إلى صحة هذا التحذير؛ إذ اتجهت السياسة الفرنسية بعده نحو موقف أكثر تشدداً، وانتهت المواجهة بعد أشهر قليلة إلى ميسلون وسقوط المملكة العربية السورية.
في 1936 ، كان موقف النخب السورية حول معاهدة 1936 أكثر واقعية ولكن بعد أن تغيرت الظروف أيضا .
لم تقل
«لا نريد أي علاقة مع فرنسا.»
بل قالت
«نريد الاستقلال، ويمكن أن نقبل بعلاقة تعاقدية مع فرنسا.»
وهذا هو جوهر معاهدة 1936
أي أن الحركة الوطنية بعد ستة عشر عاماً أصبحت أكثر استعداداً لـ
الاعتراف بمصالح القوة الكبرى مقابل الحصول على الدولة والاستقلال
وهذا قريب جداً من منطق فيصل عام 1920، مع فارق حاسم
في 1920 كانت فرنسا في ذروة قوتها السياسية والعسكرية في المشرق، بينما كانت الحركة الوطنية السورية في أضعف مراحلها
أما في 1936 فقد كانت فرنسا أضعف نسبياً، والحركة الوطنية أكثر تنظيماً، والمجتمع السوري أكثر قدرة على الضغط، والنظام الدولي نفسه أكثر تعقيدا, وفرنسا ليست في مركزها السياسي الدولي السابق .
ولهذا نجحت صيغة 1936 حيث فشلت صيغة 1920
مايهم هو ملاحظة تطور عقلية النخب السورية مقارنة بين 1920 – 1936 من الوطنية والقومية المثالية المبدئية في السياسة إلى عقل سياسي أكثر واقعية وإدراكا لموازين القوى مع الاحتفاظ بالروح الوطنية والبعد القومي العربي.






