هل تستطيع سوريا الجديدة بناء علاقة مع إيران من دون طيّ صفحة الدم؟

عصام اللحام

حين سُئل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في إسلام آباد عما إذا كانت باكستان تستطيع لعب دور في الوساطة بين دمشق وطهران، لم يتحدث عن المصالح المشتركة أو القنوات الدبلوماسية أو الترتيبات الإقليمية، بل أعاد النقاش إلى نقطة أكثر حساسية من السياسة نفسها، حين قال إن على إيران، قبل كل شيء، أن تقر بما فعلته بحق الشعب السوري.

قد تبدو العبارة للوهلة الأولى تصريحاً سياسياً عادياً، لكنها في الحقيقة تختصر معضلة تواجه سوريا الجديدة منذ سقوط النظام السابق: كيف يمكن بناء علاقات مع دول كانت طرفاً في الحرب؟ وكيف يمكن الجمع بين ضرورات الدولة وذاكرة المجتمع؟

فالعلاقة بين دمشق وطهران ليست مجرد خلاف دبلوماسي عابر، ولا مجرد ملف إقليمي يمكن التعامل معه بلغة المصالح وحدها، إنها قصة امتدت لأكثر من أربعة عقود، بدأت بتحالف استراتيجي بين نظامين، وانتهت بالنسبة إلى كثير من السوريين باعتبارها جزءاً من واحدة من أكثر التجارب قسوة في تاريخ بلادهم الحديث.

عندما وقف حافظ الأسد إلى جانب إيران في حربها مع العراق خلال ثمانينيات القرن الماضي، كان يخالف اتجاه معظم العواصم العربية في ذلك الوقت، ومن ذلك الموقف ولد تحالف صمد أمام تبدلات كثيرة شهدتها المنطقة والعالم، وتغيرت إدارات وحكومات، واندلعت حروب وسقطت أنظمة، لكن العلاقة بين دمشق وطهران بقيت واحدة من أكثر العلاقات استقراراً في الشرق الأوسط.

غير أن التحالف الذي بدا لسنوات طويلة شأناً يخص الحكومات وأجهزة الدولة، خرج بعد عام 2011 من غرف السياسة إلى حياة السوريين اليومية، فدفعت طهران بثقلها السياسي والعسكري والمالي دعماً لنظام الأسد، ولم يقتصر الأمر على المواقف الدبلوماسية، بل شمل خطوط ائتمان بمليارات الدولارات، ومستشارين من الحرس الثوري، وشبكة واسعة من القوى المسلحة الحليفة، وتشير تقديرات متعددة إلى أن حجم الإنفاق الإيراني في سوريا خلال سنوات الحرب تراوح بين 20 و50 مليار دولار، إضافة إلى خطوط ائتمان معلنة تجاوزت 6 مليارات دولار بين عامي 2013 و2017.

وعلى الأرض، شاركت تشكيلات متعددة مرتبطة بإيران في المعارك، من حزب الله اللبناني إلى لواء فاطميون الأفغاني ولواء زينبيون الباكستاني وفصائل عراقية مختلفة، وأشارت دراسات ومراكز أبحاث عن وجود عشرات آلاف المقاتلين ضمن هذه الشبكة العسكرية.

بالنسبة لطهران، كان الأمر استثماراً استراتيجياً في الحفاظ على حليف إقليمي وعلى شبكة نفوذ تمتد عبر العراق إلى لبنان، لكن بالنسبة إلى كثير من السوريين كانت الصورة مختلفة تماماً.

وربما لهذا السبب اكتسبت كلمات أسعد الشيباني أهميتها، فمطلب الاعتراف لا يبدو مجرد شرط دبلوماسي، بقدر ما يبدو محاولة للإجابة عن سؤال أعمق: هل يمكن الانتقال إلى مرحلة جديدة من دون مواجهة الماضي؟

تشير تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى أن أكثر من نصف السوريين تعرضوا للنزوح أو اللجوء خلال سنوات الثورة، فيما خلفت الحرب مئات آلاف القتلى والمفقودين، وألحقت بالبلاد خسائر اقتصادية هائلة. ولهذا لا يبدو الجدل الدائر اليوم حول مستقبل العلاقة مع طهران جدلاً سياسياً خالصاً… بل إنه جدل يتعلق بالذاكرة أيضاً.

فالسوري الذي فقد ابنه أو أخاه أو منزله لا ينظر إلى إيران بالطريقة نفسها التي ينظر بها خبير العلاقات الدولية إلى موازين القوى والنفوذ الإقليمي، وبين النظرتين تقع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المرحلة السورية الجديدة.

وفي المقابل، لا تبدو خسارة إيران في سوريا مسألة مالية أو عسكرية فقط، فدمشق كانت بالنسبة لطهرن أكثر من مجرد عاصمة صديقة، كانت حلقة أساسية في مشروع إقليمي امتد لعقود، ولذلك فإن ما خسرته طهران يتجاوز الأموال والقواعد والنفوذ المباشر إلى اهتزاز أحد أهم ركائز رؤيتها لدورها في المنطقة، الذي دخل في طريق التحجيم.

وفقا للعقل البارد: “السياسة لا تتوقف عند الخسائر، ولا تُبنى على الذاكرة وحدها”، فإيران ستبقى دولة مؤثرة في الإقليم، والعراق سيبقى جاراً مشتركاً، وستظل ملفات التجارة والطاقة والأمن تفرض نفسها على أي حكومة سورية تبحث عن إعادة بناء الدولة، ولهذا يبدو أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت العلاقة بين دمشق وطهران ستعود يوماً ما، بل كيف يمكن أن تعود، وعلى أي أساس.

ومما يزيد هذه المسألة تعقيداً أن الذين سيجلسون على طاولة التفاوض في المستقبل ليسوا شخصيات منفصلة عن الحرب أو بعيدة عنها، فكثير من المسؤولين السوريين الجدد عاشوا سنوات الصراع بكل تفاصيلها، بعضهم عرف المنفى، وبعضهم عرف الخوف والملاحقة وفقدان الأقارب والأصدقاء، ولذلك فإن الحديث عن إعادة العلاقة مع إيران لا يجري بين مؤسسات مجردة فقط، بل بين بشر يحملون معهم ذكرياتهم وخساراتهم الخاصة.
من السهل القول إن الدول لا تملك أصدقاء أو أعداء دائمين، بل مصالح دائمة… لكن الدول لا تتخذ قراراتها بنفسها، البشر هم الذين يتخذونها، والبشر لا يتحركون بالعقل وحده، بل يحملون قلوبهم معهم أيضاً.

وربما لهذا السبب اكتسبت كلمات أسعد الشيباني أهميتها، فمطلب الاعتراف لا يبدو مجرد شرط دبلوماسي، بقدر ما يبدو محاولة للإجابة عن سؤال أعمق: هل يمكن الانتقال إلى مرحلة جديدة من دون مواجهة الماضي؟

خلال الأشهر الماضية أبدت طهران إشارات إلى رغبتها في عدم إغلاق الباب أمام استئناف العلاقات، فقد أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن القطيعة بين البلدين لا يمكن أن تكون دائمة، وأن إيران مستعدة لاستعادة العلاقات إذا رأت دمشق الجديدة أن ذلك يخدم مصلحة السوريين، كما أكدت الخارجية الإيرانية مراراً احترامها لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وحق السوريين في تقرير مستقبلهم بأنفسهم.

لكن بين الحديث عن المستقبل والحديث عن الماضي مساحة واسعة ما تزال تحتاج إلى عبورها، فالمصالح قد تفتح أبواب السفارات، وقد تعيد السفراء، وقد تفرض التعاون بين الدول.

أما الذاكرة فقصتها مختلف، ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم اليوم: هل ستعود العلاقات بين دمشق وطهران؟
بل: كيف يمكن أن تعود من دون أن يشعر السوريون أن ثمن هذه العودة هو نسيان ما جرى؟
ويبقى السؤال معلقاً: هل تكفي السياسة وحدها لردم المقابر التي صنعتها الحرب؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى