فلسطين في مواجهة التهديد الوجودي

  مصطفى البرغوثي

لا يمر يوم من دون أن تشهد الضفة الغربية عديداً من هجمات المستعمرين المستوطنين الإرهابية، التي تجاوزت كل الحدود، ووصلت إلى ارتكاب جرائم القتل المباشر للفلسطينيين العزّل، بمشاركة جيش الاحتلال الذي يحمي المستعمرين الإرهابيين ويساندهم. ولا يوجد لأي فلسطيني اليوم أمن أو حماية من الإرهاب الاستيطاني أو من قمع جيش الاحتلال.

وليست اعتداءات الإرهابيين المستوطنين معزولة، بل تمثل حلقة في سلسلة من الإجراءات، تنفذها حكومة إسرائيل ومنظومتها الاستعمارية الإحلالية، لتحقيق ثلاثة أهداف:- ضم الضفة الغربية وتهويدها بالكامل عبر التوسّع الاستيطاني.

تدمير مقومات الحياة الاقتصادية والصحية والتعليمية والجغرافية، سواء في قطاع غزّة أو الضفة الغربية، بهدف تنفيذ الحلم الصهيوني العنصري بطرد سكانها أو إجبارهم على الهجرة، لتحقيق التطهير العرقي الشامل في محاولة لاستكمال نكبة 1948 بنكبة أكبر وأخطر. تدمير الوجود الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية، وتصفية حقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير.

يواجه الشعب الفلسطيني تهديد وجودي واستراتيجية اقتلاع لن تتوقف حتى لو سقطت حكومة نتنياهو

قبل “7 أكتوبر” (2023)، وبشكل خاص بعده، بلورت المنظومة الإسرائيلية منظومة من الإجراءات الموجهة لضرب مقومات الوجود الفلسطيني ومصادر حياته، منها:- استمرار حرب الإبادة على قطاع غزّة، ورفض الالتزام بوقف إطلاق النار، وتدمير كل بنيان في المنطقة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، والتي تصل إلى حدود 70% من القطاع، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، وسد الطريق على أي مشاريع لإعادة الاعمار، وفرض حصار مطلق يترافق مع استمرار القادة الإسرائيليين في إطلاق الدعوات إلى تهجير سكان قطاع غزّة… التوسع الاستيطاني الاستعماري المتسارع لتحويل الضفة الغربية إلى أرض يهودية وعزل الفلسطينيين في جيتوهات ومعازل لا رابط أو تواصل بينها. وإطلاق يد الإرهاب الاستيطاني الذي نجح في ترحيل 120 تجمعاً سكانياً ومحاصرة عشرات التجمعات الأخرى… تقليص 70% من موازنة السلطة الفلسطينية، من خلال مصادرة ستة مليارات دولار من عائدات الضرائب التي يدفعها المواطنون الفلسطينيون، ما جعل السلطة عاجزة تماماً عن أداء التزاماتها تجاه المواطنين والموظفين والمورّدين الخارجيين، حتى وصل الأمر إلى غياب شبه تام لأدوية المرضى وعجز عن دفع كامل رواتب العاملين… تجريد السلطة الفلسطينية من كل صلاحياتها الأمنية والسياسية، واستباحة المناطق التي يفترض أنها مسؤولة عنها، ومن دون قدرة من جانبها على مقاومة هذه الاستباحة أو حماية المواطنين العزل من إرهاب المستوطنين… العمل المنهجي على تدمير وكالة الغوث (أونروا)، بحرمانها من مصادر دخلها، وتدمير (وإغلاق) منشآتها، والعمل على تقليص قدرتها على تلبية احتياجات المخيمات واللاجئين الفلسطينيين الصحية والتعليمية والاجتماعية، مع تدمير خطير لمخيّمات بكاملها وخطة لإزالتها من الوجود في إطار تصفية حقوق اللاجئين الفلسطينيين وفي مقدمتها حق العودة… الهجوم المنهجي على الجمعيات والمؤسسات الأهلية الفلسطينية التي تسهم في دعم صمود الفلسطينيين عبر تلبية احتياجاتهم الصحية والتعليمية، وإغلاق مكاتب معظم المنظّمات الدولية الأهلية ومراكزها وسحب تراخيصها لمنعها من تقديم الدعم والإسناد للفلسطينيين… فصل ما يزيد عن 225 ألف عامل فلسطيني وإغراق الاقتصاد الفلسطيني بالبطالة… تصعيد عمليات الاعتقال والبطش، والتنكيل بالأسرى الفلسطينيين… محاولة السيطرة على وسائل الاتصال الاجتماعي بالتعاون مع مالكي معظمها لمنع وصول المعلومات عما يجري من اضطهاد في فلسطين لشعوب العالم بعد انكشاف فضيحة الإبادة الجماعية… الهجوم بالتنسيق مع أطراف دول أخرى على الحكومات والدول المناصرة للشعب الفلسطيني ومحاولة إسقاط تلك الحكومات، كما جرى في سلوفينيا وكولومبيا… استخدام الإدارة الأميركية للهجوم على مؤسّسات العدالة الدولية، مثل محكمتي الجنايات والعدل الدوليتين ومسؤولي منظّمات حقوق الإنسان. استخدام التصعيد العسكري مع دول المنطقة كلبنان وسورية وإيران لجذب الانتباه عن ما يجري في فلسطين من جرائم ومخططات خطيرة.

ما يواجهه الشعب الفلسطيني ليس إجراءات عابرة، أو تصعيد مؤقت، أو مجرّد عدوانية حكومة فاشية يتحكّم فيها المستوطنون الإرهابيون، بل تهديد وجودي واستراتيجية اقتلاع لن تتوقف حتى لو سقطت حكومة نتنياهو، واستبدلت بأحزاب المعارضة الصهيونية. قد تتغيّر وتيرة بعض الإجراءات لكن المضمون سيبقى كما هو، والدليل أن هذه الأحزاب ترفض إنهاء الاحتلال، أو قيام دولة فلسطينية، أو تفكيك المستعمرات الاستيطانية، أو وقف كامل لحرب الإبادة على قطاع غزّة.

الحاجة إلى مشروع وطني جامع وشامل جديد، عنوانه الصمود والبقاء وإفشال مؤامرات الترحيل والتهجير والتطهير العرقي

لا يقف اليوم في وجه مخطط الإبادة والتهجير إلا صمود الشعب الفلسطيني وبسالته وبطولته، سواء في الداخل أو في قطاع غزة أو الضفة الغربية، المصر على التمسك بالبقاء في وطنه وإفشال النكبة الثانية. لكن الصمود وحده لا يكفي أن لم يترافق مع أمرين: استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة، وقيادة وطنية موحدة، وتصعيد حقيقي لإجراءات فرض العقوبات والمقاطعة على منظومة الاحتلال والاستيطان والاستعمار الإحلالي. وأول خطوة في اتجاه بناء استراتيجية موحدة وفعّالة تحقّق تغييراً حقيقياً في ميزان القوى، هي التخلي عن أوهام الماضي، وهم أوسلو ووهم إمكانية الوصول إلى حلول وسط مع منظومة الاستعمار الإحلالي، ووهم المراهنة على الإدارة الأميركية، المنحازة بالكامل إلى إسرائيل، والإجماع على تبنّي روح الكفاح الوطني التحرّري ونهجه. ولا يمكن للصمود الوطني أن يتعزّز إن لم تقدّم القيادة الوطنية الموحدة المرجوّة النموذج في حشد طاقات كل مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج لإسناد البقاء في فلسطين، ودعم صمود الناس صحّياً وزراعياً وتعليمياً واجتماعياً، وإيجاد فرص عمل لأجيال الشباب الذين يشعرون بالضياع وانعدام الأمل والأفق.

باختصار، نحن في حاجة إلى مشروع وطني جامع وشامل جديد، عنوانه الصمود والبقاء وإفشال مؤامرات الترحيل والتهجير والتطهير العرقي، واستنهاض طاقات الشعب الفلسطيني في كل مكان، ومحاصرة الإرهاب والقمع الاستيطاني بالعقوبات والمقاطعة والتضامن الدولي. مشروع هدفه إسقاط ليس فقط الاحتلال ونظام الأبارتهايد العنصري، بل أيضاً كل مشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الذي ينسف أي إمكانية للسلام والعدالة، وينفي بطبيعته إمكانية التعايش معه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى