السوريون.. أحياء بما يكفي!

عبد الرحمن مطر

أقتبس عنوان هذا المقال، من رواية الكاتب والإعلامي السوري علي حميدي ” حيٌّ بما يكفي”، الذي وجدتُ فيه تعبيراً عميقاً يلخص حالة السوريين اليوم، من آلام ومكابدات، وأحلام وآمال أيضاً. وإذا كانت الرواية جزءاً من أدب السجون السوري، فإنها تشير بدلالات مهمة إلى التعذيب الشديد الذي يتعرض له المعتقلون في سجون الأسدية ومعتقلاتها السوداء. وكذلك أيضاً إلى العذاب القاسي الذي يعانيه الضحايا وذووهم، والمجتمع بكليته. ولعله من المفارقات المثيرة، أن التعذيب كظاهرة وممارسة، لا تصيب فرداً بعينه، ولكن آثار ذلك تطول الأسرة الصغيرة، والموّسعة، ليتحول إلى أداة  تتملكها السلطة، في إدارة المجتمع والدولة، فيصبح الفرق ضئيلاً ومحدوداً بين ما يتعرض له الضحايا في مراكز الاحتجاز من تعذيب مباشر، وبين مجتمع (خارج المعتقل) الذي تحكمه مخاوف التعذيب وإكراهات ممارسة القوة.

من هنا يتطلع الناس إلى حماية أنفسهم، من التعرض إلى أي أذى بحكم سيطرة القوة القاهرة، لكي يحافظوا على الاستمرار في العيش، بالقدر الممكن: أحياء بما يكفي. كان ذلك في ظل نظام الخوف والرعب الأسدي. أما اليوم فإن المعادلة وحدها قد تغيرت تماماً: لم يعد الخوف هو من يحكم الناس. فقد غيّرت الثورة طبائعهم، كسرت حواجز الخوف، وأطلقت حرية التعبير، وجرأة القول، والاعتراض والاحتجاج والرفض من عقالها. ولكن حال السوريين، بقي في سعيّ حثيث للبقاء أحياء في الحدود الدنيا والممكنة.

الذاكرة السورية

كان يمكن لحادثة التعذيب التي تعرّض لها “محمد غميرة” أن تمر مرور الكرام، كما سبقها من حالات تمّ توثيقها خلال العشرين شهراً الماضية. لكن يقظة الجمهور السوري، وخشيته من استفحال ظاهرة التعذيب، والإفلات من العقاب، أدى إلى اضطرار السلطة لتشكيل لجنة تحقيق في الأمر، بعد أن أضحت الحادثة محرّضاً على رفض قطعي لما جرى، والمطالبة بعدم الإفلات من العقاب، وبمنع التعذيب قانوناً وليس تحريماً فحسب.

 تثير المقارنة مع النظام الأسدي، استهجاناً ورفضاً عاماً. يبدو ذلك طبيعياً، ومحقاً من وجهة نظر السلطة ومؤيديها، بالاستناد إلى شرعية التحرير. لكن المقاربة الموضوعية للأمر، تبين أن الأسباب الداعمة لمثل هذه المقارنة” المجحفة” تكمن في أدوات وآليات القهر التي تعيد السلطة إنتاجها واستخدامها، بالصورة نفسها، والأساليب نفسها التي كان يدير فيها النظام الأسدي أدوات القمع والتعذيب. وكان حريّاً بالسلطة السورية الجديدة، أن ترتفع عن اللجوء إلى أي من أدوات القهر، والإكراه ضد المجتمع السوري: أفرداً وقوى اجتماعية متعددة.

الذاكرة السورية مثخنة بالجراح التي لا تندمل، أي انتهاك للحقوق والحريات، هو بمنزلة إحياء تلك الذاكرة المشبعة بالألم. ليس هناك من أسرة سورية، لم يتعرض واحدٌ على الأقل من أفرادها للتحقيق، الخوف، الرعب، التعذيب، الاعتقال والتغييب القسري، والموت. جميع تلك الحالات مرتبطة مباشرة بالتعذيب الذي كانت الأسدية تمارسه باعتباره “سياسة أمنية ممنهجة، منظمة، ومستدامة”. الصور التي يتم تداولها اليوم عن الاعتقال والتعذيب، وغيرها من وسائل الاستدعاء والتحقيق والإفراج، وغيرها، هي الصورة السوداء البشعة التي لا يريد السوريون أن يعيشوها مرة أخرى بعد “سقوط الأسدية”. في مثال حيّ وبالغ الألم، أعادني “ختم الإفراج” الذي نشرته الكاتبة السورية خولة برغوث، إلى الختم الذي مهرت به سلطات سجن عدرا،  ظاهر كفي صيف 2012، والذي ما زلت احتفظ بصورته منذ ذلك الحين، ويعيد إليّ ساعات التعذيب حيّة قاسية وحارة.

أما الكفّ الذي قالت لجنة التحقيق بأنه “تجاوز” فقد كان فاتحة لكل واقعة تعذيب، وقد أورثني كفّ واحدٌ في إدارة أمن الدولة، عطباً دائماً في أذني اليسرى!

تجاوز أم جريمة

ثمة مسافة واضحة تبدو بين تقرير لجنة التحقيق في قضية غميرة، وبين تصريح وزير الداخلية “أنس خطاب”. فقد جهدت اللجنة لعدم اعتبار ما حدث بأنه “واقعة تعذيب” أي أنها “جريمة” حين وصفت ما حدث بـ “تأثير تجاوز”. يدرك المشتغلون في مضمار القانون والحقوق، تماماً، الفرق بين التوصيفين، وفي انعكاس ذلك على الدعاوى والتحقيقات، والمحاكمات.

بدا وكأن اللجنة – وهي لجنة غير مستقلة – حاولت الالتفاف على ما جرى، وأن تشكيلها جاء نتيجة لضغوط الرأي العام واستجابة لمطالبه، وقد اختارت أن تعبر عن طبيعتها الأساسية: كونها جزء من السلطة المدانة بارتكاب جرائم التعذيب، في مراكز التحقيق والاحتجاز، وبالسماح بالإفلات من العقاب. وهذا ما يضع أية لجان مماثلة أمام اختبار الثقة، وإجلاء الحقيقة بما يقود إلى إقرار العدالة.

وفي الواقع، تمكنت اللجنة من إسقاط مسؤولية السلطات الأمنية المباشرة، عن الانتهاكات التي تجري داخل المراكز والمقار التابعة لها، واعتبرت أن ما يجري هي “ممارسات فردية”. وأغفلت حقيقة جميع الحالات السابقة التي تشير بوضوح تام إلى استخدام “التعذيب، والإكراه، وانتزاع الاعترافات، والاعتقال التعسفي” كمنهج يترسخ، دون أي اعتبار للقوانين النافذة والتي تحرّم وتجرّم ذلك، في ظل تغاضي السلطة.

من هنا، فإن تصريح وزير الداخلية  بـ “رفض الظلم، والإفلات من العقاب”، جاء لسدّ هذه الثغرة، التي أنتجها تقرير اللجنة، بما أثاره من خيبة لدى الرأي العام، على الرغم من قبوله بها. يجب توصيف الجريمة كما هي دون إقلال من مستوى الانتهاك وطبيعته، ودون خلق أعذار وحجج لا يمكن القبول بها. ولذلك من المهم جداً أن تقوم السلطات الأمنية والمؤسسات القانونية السورية، بمراجعة قاسية لسياساتها، تتضمن تقييماً شاملاً لمنتسبيها، وفي مدى التزامهم القانوني الصارم بالقواعد القانونية، وبمبادئ الحقوق والحريات الاساسية. لا يمكن لأي “فتوى دينية، أو هيئة مظالم، أو ديوان عشائر” أن تكون بديلاً عن القانون، وعن القضاء، بأي صورة كانت.

الضمانات والمراجعات

إن ما يحتاج إليه السوريون – إذن – هو إحداث تغيير جذري في السياسات الأمنية المتصلة بحياة المواطنين، وبما يضمن حريتهم وكرامتهم. تغيير انقلابي في الممارسات، يقطع مع نظام الأسد، ومع السياسات الأمنية لكل الفصائل والقوى الأمنية والعسكرية التي كانت سائدة قبل ديسمبر 2024.

يشكل استمرار الانتهاكات، عاملاً مهماً في المراجعات والتقييمات التي تجريها المؤسسات الدولية، بشأن الحالة السورية، وخاصة بعد انفتاح السلطة السورية الجديدة، على المجتمع الدولي ومؤسساته ومنظماته المستقلة، أو التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكذلك المنظمات السورية. من هنا، يتوجب على السلطات السورية أن تُجري المراجعات المستمرة أيضاً على أداء المؤسسات المرتبطة بها، خاصة في الحقل الأمني، ومراجعة أداء الأفراد والقادة المرتبطين بإنفاذ القوانين، وعدم غض الطرف عن أي تجاوزات أو انتهاكات للحقوق والحريات، وأن تلتزم بتفعيل مبادئ الضمانات الأساسية التي تحفظ حقوق الأفراد والمجتمع على حدّ سواء.

التعذيب، ظاهرة مرتبطة بكل أسف بالإنسان، وابتكاراته، وهي واحدة من أبشع وأخطر الجرائم التي تتعدد تأثيراتها، إن لم تعمل السلطات المعنية، لمنعها عبر القواعد القانونية الآمرة، وعبر تفعيل المحاسبة، بصرامة وشدّة، وهو ما يعدّ خطوة مهمة وصحيحة في طريق بناء الدولة التي تحمي مواطنيها، وتصون حقوقهم وكرامتهم.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى