
في التقرير الأول من سلسلة “نزيف تحت الأرض”، رصد موقع تلفزيون سوريا انتشار الآبار غير المرخصة في مناطق من ريف دمشق الغربي والغوطة الغربية، مع تراجع إمدادات الشبكات وانخفاض مناسيب المياه الجوفية.
يستكمل التقرير الثاني الصورة من داريا في الغوطة الغربية، حيث رافق حفر الآبار التوسع العمراني، وصولاً إلى الغوطة الشرقية، التي أصبحت فيها الآبار -خلال سنوات الحصار وانقطاع المياه- مصدراً أساسياً للسكان والمزارعين.
وتكشف هذه المناطق وجوهاً مختلفة للمشكلة، آبار قديمة تحتاج إلى تعميق، وأخرى خاصة يتشاركها الجيران لتجنّب كلفة الصهاريج، ومزارعون ترتبط مواسمهم بقدرة المضخات على الوصول إلى المياه.
جنوباً، تتسع الصورة أكثر، ففي درعا تنتشر آلاف الآبار المخالفة، في حين بدأت الجهات المعنية بالاستفادة من بعضها لتخفيف نقص مياه الشرب، وفي القنيطرة تختلف طبيعة الحفر والمخالفات، بينما يرتبط استمرار الضخ في السويداء بقدرة الآبار على العمل وتوفر الكهرباء والتجهيزات اللازمة لها.
الغوطة الغربية.. ضرورة في غياب البدائل
في الغوطة الغربية، لا ينظر بعض المزارعين إلى الآبار بوصفها خياراً يمكن الاستغناء عنه بسهولة، بقدر ما يرون فيها استجابة مباشرة لضعف مصادر المياه وغياب البدائل القادرة على تلبية احتياجات السكان والزراعة.
أبو وائل، وهو مزارع من المنطقة، يرى أن أثر الآبار يرتبط بحجم الهطولات وقدرة المخزون الجوفي على التجدد، ويعتقد أن الحفر لا يشكل المشكلة الأساسية عندما تكون المواسم المطرية جيدة، في حين يصبح الضغط أكبر خلال سنوات الجفاف وتراجع التغذية الطبيعية للمياه الجوفية.
ويقول لموقع تلفزيون سوريا، إنّ الاعتماد على الآبار لم يعد مقتصراً على الأراضي الزراعية، بل امتد إلى المناطق السكنية أيضاً، مستشهداً بمدينة داريا، حيث يلجأ كثير من السكان إلى الآبار مع ضعف إمدادات شبكة المياه.
وبالنسبة إلى أبو وائل، تبقى البدائل محدودة، إذ إن استجرار المياه من أنهار أو سدود بعيدة يحتاج إلى مشاريع وبنية تحتية وتكاليف كبيرة، ما يجعل البئر، رغم ما يرافق التوسع في حفرها من مخاطر، الحل الأسرع والمتاح في الوقت الراهن.
- داريا.. أكثر من 300 بئر بعد عام 2011
تقدم داريا نموذجاً واضحاً على انتقال الاعتماد على الآبار من الحقول إلى الأحياء السكنية، حيث يقول المسؤول عن الزراعة والموارد المائية في المدينة، بشار الزعاويط، إن إحصاءات ما قبل الثورة سجلت 207 آبار مرخصة و177 بئراً غير مرخصة، في حين حُفر أكثر من 300 بئر إضافية منذ عام 2011.
ويربط الزعاويط هذا التوسع بقلة مياه الشرب، وتراجع المصادر السطحية القادمة من نهر الأعوج، والامتداد العمراني داخل المخطط التنظيمي وخارجه، إضافة إلى ارتفاع كلفة شراء المياه عبر الصهاريج.
ومع توسّع البناء في مناطق لا تصلها الشبكة بكميات كافية، أصبحت البئر في بعض الحالات جزءاً من متطلبات تأمين المياه للعقار نفسه، إلى جانب استمرار استخدامها لري الأراضي الزراعية.
لكن زيادة عدد الآبار لم تعنِ بالضرورة تحسناً مستداماً في توفر المياه. فالزيارات الميدانية التي يجريها المعنيون، بحسب الزعاويط، تظهر هبوطاً كبيراً في مستوى المياه الجوفية، ما يدفع بعض السكان، عند ضعف إنتاج الآبار أو تعطلها، إلى العودة مجدداً للاعتماد على الصهاريج.
وتعمل الجهات المحلية في الوقت نفسه على إعادة تأهيل عدد من الآبار المتوقفة، بينها بئر مسعودا وآبار طريق الشام وبئر النبعات، بينما يحتاج تحسين واقع المياه بصورة أوسع إلى إصلاح الشبكة والتنسيق بين وحدة المياه والوحدة الإدارية.
هكذا تختصر داريا جانباً من معادلة غوطة دمشق الغربية، كلّما تراجعت قدرة الشبكة والمصادر السطحية، اتسع الاعتماد على الآبار، لكن استمرار الحفر والضخ لا يلغي المشكلة، بل قد ينقلها تدريجياً من نقص المياه على السطح إلى تراجعها في باطن الأرض.
الغوطة الشرقية.. حين تصبح البئر شبكة مياه بديلة
على الجانب الآخر من ريف دمشق، ارتبط انتشار الآبار في الغوطة الشرقية بظروف مختلفة، ففي بلدة حزة، يعيد حاتم، أحد سكان البلدة، توسع حفر الآبار إلى سنوات انقطاع المياه خلال الثورة السورية.
ويقول لموقع تلفزيون سوريا إنّ نحو 100 بئر حُفرت في المنطقة خلال تلك الفترة لتأمين المياه، إلا أنّ عدداً منها نضب، ولا سيما خلال فترات الجفاف.
وكان الوصول إلى المياه -وفق حاتم- ممكناً سابقاً عند أعماق تتراوح بين 30 و35 متراً، بينما بات الحفر اليوم يحتاج إلى بلوغ 60 أو 70 متراً، ما يعني أن كثيراً من الآبار القديمة تحتاج إلى تعميقها إلى نحو الضعف.
ولا يعتمد السكان على مياه هذه الآبار للشرب، لكنها ما تزال تؤدي دوراً أساسياً في الاستخدامات المنزلية، في ظل شبكة مياه يصفها بالمتهالكة ولا تصل عبرها الإمدادات إلا لساعات محدودة.
وعلى الرغم من مشكلات الآبار وتراجع غزارتها، فإنّ بئراً واحدة قد تبقى قادرة على تغذية حي كامل، ما يضع السكّان أمام خيارين كلاهما صعب: انتظار شبكة لا تلبي الحاجة، أو مواصلة الاعتماد على مصدر جوفي تتراجع قدرته على الإنتاج عاماً بعد آخر.
- عين ترما.. بئر خاصة يتقاسمها الجيران
في عين ترما، لا يحتاج السكان إلى حفر بئر في كل منزل حتى تصبح المياه الجوفية جزءاً من حياتهم اليومية، حيث تقول إحدى سكان البلدة لموقع تلفزيون سوريا، إنّ عائلتها وعدداً من جيرانها يعتمدون على بئر يملكها أحد الأهالي قرب منزلها. ويوفر صاحب البئر المياه من دون مقابل، في حين يتشارك المستفيدون كلفة إصلاح المضخة الغاطسة عند تعطلها.
بالنسبة إلى هذه العائلات، خففت البئر عبئاً يصعب تحمله بصورة دائمة، إذ تقول السيدة إن شراء صهريج مياه كل يومين ليس خياراً متاحاً لمعظم السكان، بينما تصل مياه المؤسسة إلى جزء من البلدة ويحرم منها آخر بسبب تهالك الشبكة.
وهكذا تحوّلت بئر خاصة إلى ما يشبه شبكة مصغرة يديرها الجيران بأنفسهم: مصدر واحد للمياه، ومجموعة من الأسر تتشارك تشغيله وصيانته لأن البديل العام لا يكفي.
- ما بين 5 و6 آلاف دولار لحفر بئر
مازن، وهو صاحب حفارة، يقول لموقع تلفزيون سوريا إن كلفة حفر بئر واحدة تصل إلى نحو 5 أو 6 آلاف دولار، وتستغرق العملية قرابة عشرة أيام.
وبحسب تجربته، أصبح الوصول إلى المياه يتطلب في بعض مناطق الغوطة حفراً إلى عمق يقارب 120 متراً، مقارنة بنحو 60 إلى 65 متراً في السابق.
ويصف نسبة الآبار غير المرخصة بأنها “كبيرة جداً”، ويربط انتشارها بضعف إمدادات الشبكة وتضرر البنية التحتية خلال سنوات الحرب، ما دفع السكان إلى الحفر للاستخدام المنزلي أو الزراعي.
ولا تسبق عمليات الحفر دائماً دراسات فنية تحدد موقع المياه أو قدرة الحامل المائي على تحمل المزيد من الضخ، إذ يقول مازن إن العاملين يعتمدون بدرجة كبيرة على خبرتهم ومعرفتهم بطبيعة المنطقة.
وقد ينجح ذلك في الوصول إلى الماء، لكنه لا يحدد أثر البئر الجديدة في الآبار المحيطة، أو كمية المياه التي يمكن سحبها قبل أن يبدأ المنسوب بالتراجع.
- مزارعو الغوطة.. البئر “روح الأرض وخضارها”
إذا كان سكان بلدات الغوطة الشرقية يلجؤون إلى الآبار لتعويض ضعف الشبكة، فإن الاستغناء عنها بالنسبة إلى المزارعين يبدو أكثر صعوبة.
يقول مزارع يعمل في المنطقة منذ عام 2008، إنّ الآبار أصبحت المصدر الرئيسي لري مساحات واسعة من المحاصيل الصيفية، بعد تراجع مصادر المياه السطحية التي كانت تغذي الأراضي الزراعية.
وخلال سنوات الحصار، أدى انعدام الكهرباء والمحروقات إلى صعوبات كبيرة في استخراج مياه الآبار، ووصل الأمر ببعض المزارعين إلى استخدام مياه الصرف لري الأراضي، قبل أن تستعيد الآبار دورها بوصفها المصدر الرئيسي للري.
ويرصد المزارع تغيرات كبيرة في منسوب المياه خلال السنوات الماضية، ففي عام 1999، كان الوصول إلى المياه يحتاج إلى نحو 30 متراً، ثم اقتربت المياه من سطح الأرض في بعض مناطق الغوطة خلال سنوات انخفض فيها الضخ بشدة، أمّا اليوم، فيقول إن المياه توجد على أعماق تتراوح بين 20 و28 متراً بحسب المنطقة.
ولا تتعلق المشكلة بالعمق وحده، إذ يلاحظ المزارع أن كمية المياه الخارجة من البئر تتراجع عند تشغيلها لساعات طويلة، وأن الضخ الكثيف من بئر قد يؤثر في غزارة آبار أخرى تستمد مياهها من الحامل الجوفي نفسه.
وتضاف إلى ذلك كلفة استخراج المياه. فعند استخدام الديزل يحتاج ري الدونم -وفق تقديره- إلى ما بين 3 و5 ليترات من المازوت، ما دفع ارتفاع تكاليف الطاقة بعض المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة والاكتفاء بمحاصيل أساسية.
هل يمكن وقف الضخ؟
يصف المزارع منع الضخ من الآبار بأنه “شبه مستحيل”، لأن البئر، وفق تعبيره، “روح الغوطة وخضارها”، لكنه لا يرى في ذلك مبرراً لترك السحب بلا رقابة.
ويقول إنّ التحول إلى الري بالتنقيط أتاح في تجارب زراعية خفض كمية المياه المستخدمة إلى أقل من نصف ما كان يستهلك في طرق الري التقليدية، إذ تصل المياه إلى النبات على دفعات صغيرة بدلاً من إغراق الأرض.
ويقترح تركيب عدادات على الآبار وتحديد كميات السحب وفق مساحة الأرض المزروعة، مع تشديد الرقابة والعقوبات على الاستهلاك المخالف، وبالنسبة إليه، لا تكمن المعادلة في الاختيار بين الزراعة والحفاظ على المياه، بل في تخفيض كمية المياه اللازمة لإنتاج المحصول نفسه.
هنا تنتهي صورة ريف دمشق: من آبار ترتبط بالتوسع العمراني في داريا، إلى آبار جماعية في عين ترما، وأخرى يعتمد عليها المزارعون للحفاظ على دورة زراعية لم تعد تجد بديلاً كافياً، لكن كلما اتجهنا جنوباً، تصبح المشكلة أكثر ارتباطاً بأعداد الآبار المخالفة وبمحاولات تنظيمها وإدخال بعضها في الخدمة العامة.
درعا.. نحو 20 ألف بئر مخالف
مع الانتقال من ريف دمشق إلى درعا المجاورة، تتبدل ملامح أزمة المياه، إذ يتقاطع الاعتماد المتزايد على الآبار مع انتشار واسع للحفر المخالف، في محافظة تعاني تراجع الهطولات وانخفاض مناسيب المياه الجوفية، إلى جانب ضعف شبكات المياه وصعوبات تشغيل محطات الضخ.
ويقدّر مدير الموارد المائية في درعا، هاني العبد الله، عدد الآبار المخالفة بنحو 20 ألف بئر، مقابل نحو 4500 بئر مرخص، في وقت دفعت فيه الحاجة إلى مياه الشرب والري، ونقص الطاقة وتضرر أجزاء من البنية التحتية، إلى زيادة الاعتماد على المياه الجوفية.
ومع تراجع المناسيب، وصلت عمليات الحفر في بعض المناطق إلى أعماق تتجاوز 500 متر، بينما خرجت آبار ومصادر مائية ومحطات ضخ من الخدمة نتيجة انخفاض الغزارة.
وفي مقابل محاولات ضبط الحفر المخالف ومصادرة الحفارات، فرض اشتداد أزمة مياه الشرب معادلة أكثر تعقيداً على الجهات المعنية: فبعض الآبار المخالفة التي تسعى إلى تنظيمها أو وقفها، باتت في الوقت نفسه مصدراً يمكن الاستفادة منه لتعزيز مياه الشرب.
- من بئر مخالفة إلى مصدر لمياه الشرب
في آب 2026، بدأت محافظة درعا العمل على الاستفادة من بعض الآبار المخالفة القريبة من محطات الإرواء، عبر تسوية أوضاع القابل منها فنياً وقانونياً وربطه بمنظومة مياه الشرب، في محاولة للتخفيف من النقص الحاد، ولا سيما في شرقي المحافظة.
وشملت التحركات محطتي كحيل وكحيل الثورة، اللتين تسهمان في تغذية معربة وبصرى وغصم، حيث بحثت الجهات المعنية إمكانية رفع كميات المياه المتاحة بالاستفادة من الآبار المحيطة.
وقال عضو المكتب التنفيذي للزراعة والمياه والموارد المائية، أحمد خطاب، إن أكثر من 12 بئراً مخالفة رُصدت في محيط محطة كحيل الثورة وحدها، ويمكن ربط القابل منها بخزان المحطة لتعزيز التغذية خلال فصل الصيف.
من جهته، أوضح مدير الموارد المائية هاني العبد الله أن المديرية بدأت العمل على ربط بعض الآبار القريبة بخط الثورة ومحطة كحيل، على أن تتوسع الخطوة لاحقاً لتشمل محطات أخرى، من بينها خربة غزالة، بالتزامن مع توجيه إنذارات إلى أصحاب الآبار المخالفة تمهيداً لتسوية أوضاعها.
وتختصر هذه الخطوة واحدة من أبرز مفارقات أزمة المياه في درعا: فالآبار التي يزيد انتشارها وضخها غير المنظم الضغط على المخزون الجوفي، أصبحت بعضُها مورداً إسعافياً تلجأ إليه شبكات مياه الشرب عند اشتداد النقص.
لكن تسوية البئر وربطها بالشبكة لا يضيفان مورداً جديداً إلى الحوض الجوفي، بل يعيدان تنظيم استخدام المياه الموجودة فيه، ويضعان جزءاً من الضخ تحت الرقابة ويوجهانه نحو مياه الشرب في منطقة تتراجع فيها البدائل.
“وقعت على التسوية خوفاً من الإغلاق“
بالنسبة إلى أصحاب الآبار، تحمل التسوية وجهاً آخر يرتبط مباشرة بمصادر رزقهم، فأبو محمد، مزارع في ريف درعا الشرقي، حفر بئره من دون ترخيص قبل نحو ثماني سنوات، بعدما تراجعت الأمطار ولم يعد لديه مصدر مياه يكفي لإنقاذ أرضه.
ويقول لموقع تلفزيون سوريا، إنّ إجراءات الترخيص خلال عهد النظام المخلوع كانت طويلة ومعقدة، في حين لم يكن الموسم الزراعي قادراً على انتظار المعاملات، ما دفعه -مثل مزارعين آخرين- إلى الحفر من دون ترخيص.
وعندما تلقى إنذاراً حديثاً، خشي إغلاق البئر وخسارة مصدر رزقه، لكنه اكتشف بعد مراجعة المديرية أن موقعها قريب من إحدى محطات الإرواء، فدخلت ضمن مشروع التسوية بدلاً من إغلاقها، مقابل الالتزام بالضوابط المحددة للضخ والتشغيل.
ويقر أبو محمد بأن استمرار الحفر العشوائي سيؤدي إلى مزيد من الضغط على المياه الجوفية، لكنه يرى أن تنظيم الآبار القائمة، في ظل غياب البدائل، يبقى أفضل من إغلاقها بصورة مفاجئة وترك المزارعين من دون مصدر للمياه.
وفي حالة أبي محمد -كما في خطة المحافظة- لا تبدو التسوية حلاً لمشكلة استنزاف المياه الجوفية بقدر ما تمثل محاولة لإدارة واقع قائم: إخضاع جزء من الآبار المخالفة للرقابة، من دون قطع مورد باتت تعتمد عليه الزراعة ومياه الشرب في آن واحد.
القنيطرة.. وضع مختلف ولكن المخاطر قائمة
بعد درعا، تأخذ أزمة الآبار في القنيطرة شكلاً مختلفاً. فالمشكلة هنا لا ترتبط أساساً بانتشار الحفر غير المرخص، بقدر ما تتصل باستثمار آبار حُفرت بموافقات رسمية من دون استكمال إجراءات تشغيلها، في محافظة تتمتع بخصوصية مائية وجغرافية تميزها عن بقية مناطق الجنوب.
ويقول مدير الموارد المائية في القنيطرة، المهندس بسام الشمالي، لموقع تلفزيون سوريا إنّ المحافظة تسمح بحفر الآبار ضمن مناطق وضوابط محددة، ويربط ذلك بطبيعة الحوامل المائية ومعطاءاتها المقبولة والجيدة، إلى جانب خصوصية القنيطرة الجغرافية والسياسية ووقوعها على خط وقف إطلاق النار مع الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب الشمالي، لا تتمثل غالبية المخالفات المسجلة لدى المديرية في آبار حُفرت من دون أي موافقة، وإنما في آبار حصل أصحابها على رخص للحفر، ثم جرى تشغيلها واستثمار مياهها من دون استكمال رخص الاستثمار المطلوبة.
ويبلغ عدد هذه الآبار -وفق الشمالي- 338 بئراً، ما يعني أن المخالفة في هذه الحالات تبدأ عند الانتقال من حفر البئر إلى تشغيلها، لا من عملية الحفر نفسها.
- جفاف يضرب الآبار السطحية في القنيطرة
غير أن اختلاف الوضع التنظيمي لا يعزل محافظة القنيطرة عن آثار الجفاف، إذ أدى ضعف المواسم المطرية إلى جفاف عدد من الآبار السطحية، ولا سيما الآبار الأقل عمقاً والأشد ارتباطاً بالتغذية المباشرة من الهطولات.
أما الآبار الأعمق، التي تتراوح أعماقها بين 100 و200 متر، فسجلت بدورها تراجعاً في المناسيب، وإن كان “الشمالي” يرى أن هذا الهبوط ما يزال ضمن الحدود الطبيعية.
وتراقب مديرية الموارد المائية حركة الحفارات المرخصة بصورة يومية، بالتوازي مع العمل على تسوية أوضاع الآبار التي لم تستكمل تراخيص استثمارها، في محاولة لضبط الضخ والحفاظ على مصادر المياه المتاحة.
بذلك، تبدو القنيطرة أقل ارتباطاً بمشكلة الحفر العشوائي الواسع كما في ريفي دمشق ودرعا، لكنها لا تخرج عن المعادلة نفسها: تنظيم الحفر والاستثمار من جهة، ومراقبة أثر الضخ والتغيرات التي تطرأ على المياه الجوفية من جهة أخرى.
السويداء.. حين لا تكفي البئر وحدها
في السويداء، تأخذ أزمة المياه الجوفية مساراً مختلفاً عن ريف دمشق ودرعا والقنيطرة. فالمشكلة لا تظهر فقط في عدد الآبار أو وضعها القانوني، بل في القدرة على إبقاء الآبار القائمة عاملة، وسط ضعف التغذية الكهربائية والحاجة المستمرة إلى صيانة المضخات وخطوط الضخ.
وتكشف مشاريع منفذة أعلنت عنها الحكومة السوريّة، خلال الأشهر الأخيرة، حجم اعتماد مناطق واسعة من المحافظة على الآبار كمصدر لمياه الشرب، بالتوازي مع محاولات رفع كفاءتها وتأمين مصادر طاقة أكثر استقراراً.
وتظهر هذه المشاريع أن وجود المياه في باطن الأرض لا يعني بالضرورة القدرة على إيصالها إلى السكّان، إذ يرتبط تشغيل البئر مباشرة بتوفر الكهرباء وكفاءة المضخات وخطوط النقل والتخزين.
وبذلك تضيف السويداء بعداً آخر إلى أزمة المياه في الجنوب السوري، فالتحدّي لا يقتصر على حفر البئر أو تنظيم استثمارها، بل يمتد إلى القدرة على تشغيلها بصورة مستمرة والحفاظ على بنيتها الفنية ونقل مياهها إلى السكان.
خبير: الآبار المتعدّدة تستنزف الحامل المائي نفسه
رغم اختلاف الظروف من محافظة إلى أخرى، فإن المياه الجوفية لا تتعامل مع الحدود الإدارية، حيث يحذّر الخبير الهيدروجيولوجي والجيوفيزيائي عبد العليم كيال من أن اجتماع أعداد كبيرة من الآبار في منطقة واحدة وسحبها من الحامل الجوفي نفسه يؤدي تدريجياً إلى انخفاض المناسيب والكميات المتاحة.
ويقول لموقع تلفزيون سوريا إن تأثير البئر لا يبقى محصوراً بمالكها، لأن الآبار المتصلة بالحامل نفسه تبدأ بالتأثير في بعضها مع ازدياد الضخ.
ويربط كيال زيادة الضغط على المياه الجوفية أيضاً بتغير أنماط الزراعة، إذ دفع ضعف الأمطار مزارعين في مناطق كانت تعتمد على الزراعات البعلية إلى البحث عن الري، ما يعني سحب كميات إضافية من المياه في الوقت نفسه الذي تتراجع فيه التغذية الطبيعية للخزان.
وتصبح المعادلة أكثر صعوبة عندما يعمل العاملان معاً: هطولات أقل تعني مياهاً أقل تتسرب إلى باطن الأرض، وزيادة الاعتماد على الري تعني مياهاً أكثر تُسحب منها.
- إغلاق الآبار أم تنظيمها؟
لا يرى كيال أن معالجة الظاهرة يمكن أن تبدأ بإغلاق جميع الآبار غير المرخصة دفعة واحدة، لأن بعضها أصبح مصدر مياه أو رزق لا يملك أصحابه بديلاً عنه، ويدعو إلى وقف الحفر العشوائي وحصر الآبار القائمة وإخضاعها للرقابة، ثم إغلاق غير القابل للتسوية منها تدريجياً بالتوازي مع إيجاد البدائل.
وتشمل هذه البدائل -وفق كيال- تركيب عدادات لضبط كميات الضخ، وتأمين مصادر وقنوات ري زراعية بديلة، وتقديم قروض ميسرة تساعد المزارعين على الانتقال من الري السطحي إلى التنقيط أو طرق أكثر كفاءة، فالعداد، في هذه الحالة، لا يمنع استخدام المياه، لكنه يحوّل البئر من مصدر مفتوح يصعب معرفة ما يخرج منه إلى مصدر يمكن قياسه وإدارة استهلاكه.
في كثير من مناطق دمشق وريفها والجنوب السوري، أصبحت الآبار جزءاً من الحياة اليومية ومصدراً يعتمد عليه السكان والمزارعون لتأمين الماء وحماية مواسمهم، لذلك لا تبدو معالجة الملف ممكنة بقرارات إغلاق منفصلة عن واقع الشبكات والري والبدائل المتاحة.
في المقابل، فإن ترك الحفر والضخ من دون ضبط يراكم أزمة يصعب تداركها لاحقاً، مع انخفاض المناسيب، ترتفع كلفة الوصول إلى المياه، وتزداد الأعماق المطلوبة، وتتراجع قدرة الآبار الأقدم والأقل عمقاً على الاستمرار.
المشكلة -في جوهرها- تتعلق بإدارة مورد يتقاسمه الجميع: معرفة عدد الآبار ومواقعها، وقياس كميات الضخ، وضبط الحفر الجديد، وتحديد الأولويات بين مياه الشرب والزراعة والاستخدامات الأخرى، بالتوازي مع تحسين الشبكات وتوفير بدائل تقلل الاعتماد على المياه الجوفية.
يأتي هذا التقرير ضمن سلسلة “نزيف تحت الأرض”، التي يتتبع فيها موقع تلفزيون سوريا انتشار الآبار العشوائية والاعتماد المتزايد على المياه الجوفية في المحافظات السورية، ويرصد أسباب توسعها وسبل تنظيمها، وانعكاسات استنزافها على مياه الشرب والزراعة والصحة العامة والأمنين المائي والغذائي.
المصدر: تلفزيون سوريا






