
شهدت سوريا خلال أيلول/سبتمبر 2026 سلسلة متقاربة من الانفجارات في مواقع تخزين الذخيرة، أعادت إلى الواجهة ملف التعامل مع الترسانة العسكرية المتراكمة منذ سنوات الحرب، ومدى جاهزية آليات تخزينها وتأمينها.
فبعد انفجارات طالت مواقع للذخيرة في مناطق متفرقة، وقع في 18 سبتمبر انفجار داخل مستودع للذخيرة في منطقة عياش بريف دير الزور، أسفر عن مقتل 11 عسكرياً وإصابة 9 آخرين، قبل أن يتجدد المشهد في 21 أيلول بانفجار مستودع قرب العيس بريف حلب الجنوبي، أدى إلى إصابة أربعة أشخاص وإجلاء عائلات من المنطقة.
ومع تكرار هذه الحوادث خلال فترة زمنية قصيرة وفي مواقع جغرافية مختلفة، تتباين القراءات بين فرضية سوء التخزين وتقادم الذخائر وغياب الخبرة الكافية في التعامل معها، وبين تساؤلات عن احتمال وجود عوامل أخرى لم تُحسم رسمياً حتى الآن.
وفي ظل استمرار التحقيقات وغياب نتائج نهائية معلنة بشأن أسباب بعض هذه الانفجارات، يطرح تكرارها سؤالاً حول طبيعة المخاطر التي تمثلها مخازن الذخيرة في سوريا، ومدى الحاجة إلى إعادة تنظيم آليات تخزينها وتأمينها والتعامل معها.
فرضيات تتجاوز سوء التخزين
يقول أحمد مظهر سعدو، كاتب صحفي لـ”963+”: “من الممكن جداً أن تُفسَّر المسألة على أنها سوء تخزين، وعدم خبرة في التخزين، وعدم وجود آليات وأدوات حديثة لمراعاة عدم وقوع الانفجارات. لكن يبرز دائماً سؤال عندما تتكرر هذه الحوادث خلال فترة وجيزة وفي مناطق بعينها، إذ من الممكن جداً أن تكون هناك فرضيات أخرى.
ويضيف: “طبعاً، هناك تحت الطاولة بعض الكلام الذي يتسرب، ولست مسؤولاً عنه ولا يمكنني أن أتحدث بثقة بشأنه، لكن هناك من يقول إن بعض الذين سلموا أسلحتهم كانوا قد لغموا هذه الأسلحة، وبالتالي من الممكن جداً أن يكون التفجير قد تم عن بُعد أو من خلال عمليات مقصودة. بمعنى آخر، هناك فعل فاعل، وليس الأمر مجرد سوء تخزين”.
ويشير سعدو إلى وجود أوجه تشابه بين الانفجارات، موضحاً أن “هناك آليات محددة للتخزين تتشابه فيما بينها”، ويعود ليؤكد أن “عدم الخبرة هو شيء أساسي في الوصول إلى هذه التفجيرات”.
ويرى أن هناك ثغرات في آلية تخزين الأسلحة، إلى جانب طبيعة الترسانة العسكرية القديمة والمتهالكة، قائلاً: “كل ذلك يترك آثاراً ويلعب دوراً، ولا أعتقد أن هناك سبباً واحداً وراء التفجيرات، بل هناك عدة أدوار أو عدة أسباب، إن صح التعبير”.
ويشدد سعدو على ضرورة إجراء تحقيق رسمي في هذه الحوادث، قائلاً: “أنا لا أستطيع أن أتكهن بالشيء الأساسي وراءها، لكن لا بد من تحقيق رسمي جيد وجدي ومهتم، لأن أرواح الناس ليست لعبة. حقيقةً، هناك الكثير من الشباب الذين ذهبوا ضحية هذه التفجيرات، أو على الأقل ضحية سوء التخزين السيئ، الذي لا بد من العمل من أجل الوصول إلى معلومات حقيقية وجدية عنه”.
ويعتبر أن سوريا بحاجة إلى مزيد من التدريب في مجال تخزين الأسلحة والتعامل معها وحمايتها، لافتاً إلى أن هذا الأمر “قد لا يكون متوفراً حالياً لدى وزارة الدفاع”، ومشيراً إلى ضرورة الاستفادة من خبرات دول أخرى، قائلاً: “لا بد من الاعتماد على بعض الدول، وقد تكون منها تركيا أو السعودية أو بعض الدول الغربية، من أجل الوصول إلى آلية في التخزين تمنع تكرار مثل هذه التفجيرات”.
الذخائر القديمة وسوء التخزين أبرز أسباب الانفجارات
يقول جلال العبادي، خبير عسكري لـ”963+”: “بالنسبة إلى الانفجارات التي حدثت الأسبوع الماضي وقبله، هناك انفجاران رئيسيان في منطقة دير الزور وفي منطقة جنوب حلب. حقيقةً، هذه الذخائر تبقى، وأستبعد جداً أن تكون عملاً تخريبياً. هذه الذخائر قديمة، ولا تتبع أسلوباً حديثاً في التخزين”.
ويتابع العبادي: “نحن نعرف أن هناك متفجرات سريعة التأثر بالصدمة، فإذا تعرضت لصدمة قوية أو ما شابه قد تنفجر، وليس بالضرورة أن تنفجر في الوسط وتتسبب بانفجار في كامل المستودع. وهذا حدث كثيراً في خدمتنا العسكرية بسبب سوء التخزين وسوء التعامل وعدم التعامل مع الذخائر من قبل مختصين، وهو ما يولد هذه الانفجارات ويؤدي أحياناً إلى مشاكل وكوارث”.
ويشير إلى أن هذه الحوادث قد تتسبب بإصابات كثيرة ووفيات، قائلاً: “حدثت إصابات وقتلى في بعض الانفجارات التي وقعت في سوريا، وهذه الحوادث لن تتوقف، لأن الذخائر أصلاً قديمة وغير محفوظة بأسلوب عسكري صحيح”.
وينوه العبادي إلى أن جزءاً من المشكلة يتمثل في وجود الذخائر داخل مناطق سكنية، وحتى داخل وحدات عسكرية، موضحاً أن “الذخائر يجب أن تكون في منطقة مخصصة، ولها أسس خاصة للتعامل معها، ومن يدخل ومن يخرج ومن يشرف على تقليبها”.
ويضيف أن الذخائر تحتاج إلى متابعة دورية، قائلاً: “التقليب الدوري يكون كل ستة أشهر، مع إعادة تفقدها. وهناك أحياناً تفتيش تجريه لجان من المختصين كل ستة أشهر، كما أن هناك خبراء ذخيرة يقومون بالتفتيش على هذه الذخائر”.
ويعتقد العبادي أن هذه الانفجارات قد تتكرر، قائلاً: “هذا يحدث، وسيحدث، وأنا أتوقع أنه سيحدث أكثر من مرة في المنطقة. هذه الذخائر بحاجة إلى مزيد من الانتباه، ويجب أن تُخزَّن في مناطق بعيدة حتى عن الوحدات المقاتلة، وأن تحظى بحراسة خاصة، وأن تكون هناك أطقم خاصة للإشراف عليها وترتيبها وتقليبها”.
ويلفت إلى أن بعض الذخائر تكون قد انتهت صلاحيتها، وقد تنفجر في أي وقت أو نتيجة أي تعامل غير مشروع معها، موضحاً أن “الذخائر أحياناً يستخدمون عمالاً لتقليبها أو تنظيفها، وهذا لا يجوز”.
ويختم العبادي بالقول إن هذه الحوادث لا تقتصر على سوريا، إذ “تحدث في كل الدول المحيطة، ووقعت فيها انفجارات ذخائر تسببت بخسائر”، مستبعداً في الوقت ذاته فرضية العمل التخريبي، قائلاً: “العمل التخريبي مستبعد، والعمل الخارجي حالياً غير مطروح، لأنه إذا كان العمل خارجياً، فما الهدف من تفجير الذخيرة؟”
المصدر: سوريا وأحوالها 963+






