يتحدّثون عن “المسار الإلهي”

غازي العريضي

              

بعد ساعات من إعلان نتنياهو رفضه خطّة الـ15 نقطة المقدّمة من مجلس السلام حول مستقبل غزّة، أعلن البيت الأبيض: “لسنا منزعجين من التصريح. هذا جزء من الموسم الانتخابي في إسرائيل. نتفهّم الاحتياجات السياسية لنتنياهو، وليست لدينا أيّ مشكلة طالما أنّه يواصل القيام بما نطلبه منه. نتنياهو تعهّد لجاريد كوشنر بمنح الخطّة فرصةً والحدّ من الهجمات”. السؤال البديهي الذي يُطرح: هل ما تفعله قوات الاحتلال في الضفّة الغربية وغزة، والدعوات والاستعدادات لتنفيذ مشاريع استيطانية فيهما والاعتداء على الناس، هو ما يطلبه البيت الأبيض منها، ولذلك ليس منزعجاً من تصريحات نتنياهو التي تخدمه في موسمه الانتخابي؟ وإذا نجح، فهل سيعمل للوفاء بالتزاماته وبياناته ووعوده، وهل ستستمرّ عملية التهجير، وهو القائل: “لن ننسحب من لبنان وسورية وغزّة حتّى لو طلبت منا أميركا ذلك”؟
قالت وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية جيلا غامليل: “ما سيحدث هنا أنّ هذه الرقعة من الأرض لن تكون فيها في نهاية المطاف أيّ إمكانية للبقاء أو السكن”. استمرّ العدوان على غزّة، وهجمات المستوطنين في الضفّة لم تتوقّف، وعمليات هدم المنازل تعمّم الخراب والدمار في كلّ مكان. “هذه الأرض لنا. هذه البيوت لنا. لا مكان للفلسطينيين هنا”.

يذكّر بعضهم في دولة الاحتلال بما قاله الحاخام تسفي يهودا كوك عام 1982: “تأسيس إسرائيل لم يكن مجرّد حديث سياسي، بل مرحلة في مسار إلهي

وزير الأمن القومي بن غفير يواجه أصحاب المنازل الفلسطينيين في بئر السبع أمام الإعلام: “لقد هدمنا هذا العام خمسة آلاف منزل، وسنهدم عشرة آلاف”. ودعا إلى “تنفيذ عمليات اغتيال يومية في غزّة، حيث هناك أشخاص ليسوا بشراً ويجب ألّا يبقوا في قيد الحياة، وينبغي التخلّص من 30 أو 40 شخصاً، وليس أولئك الذين يشكّلون خطراً علينا فقط، سندخل كلّ غزّة”. ويعلن وزير المالية سموتريتش ردّاً على خطّة مجلس السلام: “نعمل لمنع إقامة دولة فلسطينية داخل إسرائيل، وما يجري اليوم هو البداية فقط وتصحيح لأخطاء استمرّت 30 عاماً، وأنا فخور بثورة الاستيطان التي أقودها”. وتابع: “الضمّ استحقاق يوجبه سند توراتي… أطالب نتنياهو بمنع محمود عبّاس من الرجوع إلى الضفة بعد انتهاء زيارته إلى تركيا، وأدعو إلى تفكيك السلطة بالكامل”.
وخرج بعضهم إلى التذكير بما قاله الحاخام تسفي يهودا كوك عام 1982: “تأسيس إسرائيل لم يكن مجرّد حديث سياسي، بل مرحلة في مسار إلهي”. حكم اليهود على كامل أرض إسرائيل واجب ديني، لا سياسة قابلة للتفاوض”. وقال داني دانون (مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة الذي مزّق ميثاقها على منبرها): “لسنا محتلّين للأرض. صلتنا بها مذكورة في القرآن، بينما يسعى الإرهابيون الفلسطينيون إلى إخراج الإسرائيليين من منازلهم. تتحدّث أصواتٌ في مجلس الأمن عن أنّ اليهود لا حقّ لهم في العيش في يهودا والسامرة (الضفّة الغربية). هذا غير صحيح. لسنا محتلّين أو مستوطنين، حقّنا العيش على أرضنا، وهو يستند إلى ارتباطنا التاريخي بها (المسار الإلهي). وفي الأسبوع الماضي، قرأ اليهود في العالم هذه الآية من التوراة: إنكم تعبرون نهر الأردن لترثوا الأرض التي يعطيكم الله إياها فترثونها وتستقرّون فيها. يهودا والسامرة هي الأرض التي بدأت قصّتنا فيها وسنستمرّ”. وقال الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي غيورا آيلاند: “لا مصلحة لإسرائيل في إعادة بناء غزّة. من الأفضل لنا أن تُدمَّر لأجيال قادمة. يجب الاحتفاظ بالسيطرة على الخطّ الأصفر داخلها، وعدم إفراط الحكومة في الرهان على علاقتها بترامب”.
ماذا فعلت أميركا، صاحبة “مجلس السلام” والرافضة كلامياً ممارسات المستوطنين؟ في قصرة، حاصر المستوطنون فلسطينيين في منازلهم وطالبوهم بإخلائها. أبلغهم الارتباط الفلسطيني بضرورة إخلاء منازلهم. هكذا أصبح دور هذا الارتباط، ويتحدثون عن سلام ودولة فلسطينية و”سلطة”. شارك وزير الأمن يسرائيل كاتس في تدشين مستوطنة غانيم في الضفّة، أخرج كاتس أداة الاعتقال الإداري المهمّة والرادعة من “أدوات إنفاذ القانون”، كما قال إسرائيليون: “نحن أمام أزمة، لا يعرف هؤلاء التأثيرات التي ستترتب عنها وإلى متى ستستمرّ”. وامتنع رئيس “الشاباك” دافيد زيني عن الموافقة على ما طلبه عناصر جهازه الخبراء التابعون له لناحية إصدار أوامر اعتقال إداري في حقّ المستوطنين، “والتحقيق في الجرائم العنصرية والوحشية”.
“عندما يتّخذ صانعو القرار مثل هذه القرارات ويقومون بهذه التصرّفات ولا يطبّقون القانون على المرتبطين بالجرائم المروّعة، فإنّهم يشوّهون سمعة الأغلبية، ويجعلوننا نشعر حقّاً أنّنا أشخاص مجرمون وأشرار وعبثيون. لم يعد بالإمكان السكوت عن هذه الأفعال الدنيئة والمخزية، أو البقاء غير مبالين. هذا أمر مستحيل. أضرم الإسرائيليون النار في منازل جنوبي الخليل يعيش فيها فلسطينيون، أطفال ونساء ومسنّون. أصيبوا، وكان يمكن أن يُقتلوا. إنّنا في نظر العالم بأسره مكروهون، عديمو الضمير، وقساة. ومع هذا كلّه، ولا يوجد من يتعامل وفق القانون مع من يرتكب هذه الأفعال”. هذا ما قاله مذيع في القناة 12 العبرية بالصورة والصوت، وأظهر تقريره مشاهد عمّا يرتكبه المستوطنون المجرمون الذين منعت إدارة ترامب مقاضاتهم. لكن لماذا تحرّك في قصرة السفير الأميركي في إسرائيل هاكابي؟ كلّ ما يجري على الأرض الفلسطينية من عدوان مفتوح، لا سيّما عدوان المستوطنين، والتزامات بـ”المسار الإلهي”، لم يثر هذا كلّه اهتمامه، لكنّ وجود عائلة أميركية في أحد المنازل كان موضع اهتمامه، ولم يصل إلى نتيجة بعد.
ما يجري نتيجة تغاضي العالم عنه، وخصوصاً الولايات المتحدة. “مجلس سلامها” يُعطَّل، وخطّته تُرفَض، وإسرائيل تستبيح باسم “الشريعة” وبـ”الوعد الإلهي” وبـ”الإرث الموعود” وبـ”الحقّ التاريخي” كلّ القوانين والأنظمة والقرارات الدولية ودور الهيئات الدولية، وترتكب “الإبادة الجماعية” في حقّ الفلسطينيين، ولا تحمي عائلة أميركية. وسبق لها أن قتلت ناشطين أميركيين تحرّكوا على الأرض الفلسطينية ضدّ إرهابها، ولا شيء يوقف عدوانها اليوم ويردعها عن استكمال مشروعها، على الرغم من أصوات في إسرائيل تدين “الإرهاب اليهودي” ضدّ الفلسطينيين.

أيّ تبسيط أو هرولة في اتجاه إسرائيل للحصول على حمايتها أو تحت وهم الشراكة معها نوع من التدمير الذاتي

أحدهم هو جلعاد كريف، نائب في الكنيست، قال منذ أيّام: “تعلن فرق الجيش مناطق استهداف الفلسطينيين مناطقَ عسكريةً، والمستوطنون يعملون بحرّية، يعتدون على الصحافيين ونشطاء الحضور الوقائي، فمن يبقى؟ المستوطنون العنيفون الفاشيون الذين يحظون بتعاون جنود جيش الدفاع”.
قال المؤرخ الإسرائيلي مائير باروشين: “نحن نقتل الفلسطينيين ونصيبهم، ونهدم منازلهم في القدس، ثمّ نلومهم عندما يردّون. نحن نُبقي ملايين الفلسطينيين تحت الاحتلال عدّة أجيال ونحرمهم من حقوقهم الأساسية، وبالنسبة إلى معظم الإسرائيليين يمكن لهذا الوضع أن يستمرّ إلى الأبد. أنا لا أبرّر العنف، لكن هذه هي النتيجة الواقعية. كيف يمكن أن نتوقّع من الفلسطينيين أن يعيشوا تحت الاحتلال إلى الأبد، وكلّ مواطن إسرائيلي يعرف أنّه إذا تجرّأ على إظهار أدنى قدر من التعاطف أو إذا انتقد قتل المدنيين الأبرياء، بمن فيهم الأطفال والنساء في غزّة، فسوف يتعرّض للملاحقة السياسية والتشهير العلني، وقد يخسر عمله؟ وفي حالتي أنا، أُلقي بي في السجن. أردت أن يعلم أكبر عدد ممكن من الإسرائيليين بما يُرتكب باسمهم، لأنّ وسائل الإعلام لا تعرض ما يحدث بالفعل في غزّة، ولا ما نفعله نحن في غزّة. لقد تمنّوا لي الموت”.
عندما نرى الممارسات على الأرض، من الاستباحة إلى الاستيطان المفتوح، ومن الدم الفلسطيني المسفوك إلى التهجير والإصرار على الإبادة الجماعية وإقرار “قانون إعدام الأسرى” وتسييج السجون بـ”التماسيح” لمنع هروبهم، إلى رفض كلّ القوانين والاتفاقات والقرارات التي تصدر، وذلك كلّه مبني على ثبات الالتزام بـ”المسار الإلهي”، يجب أن ندرك جميعاً في ديار العرب كلّها أنه ليس ثمّة دولة أو نظام حكم أو مواطن أو مذهب أو طائفة أو مسجد أو كنيسة أو حزب بمنأى عن مخاطر هذا المسار. ها هم المستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى منذ أيّام برفقة حاخامات، ويقيمون حلقات الرقص وفق الطقوس التلمودية. الكلّ في دائرة الاستهداف، ولا نزال في بداية طريق حافل بمحطّات خطيرة وكبيرة، وستكون نتائجها دراماتيكية. أيّ تبسيط أو هروب إلى الأمام أو هرولة في اتجاه إسرائيل للحصول على حمايتها أو تحت وهم والشراكة معها، يشكّل نوعاً من التدمير الذاتي. إسرائيل متمسّكة بمسارها، لا تحمي أحداً في طريقها، حتّى الذين يؤيّدونها درءاً لمكرها وخطرها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى