
لم يحتج الأمر في بلدة عين منين بريف دمشق إلى أكثر من أعمال مرتبطة ببئر مياه حتى تتحوّل أزمة قديمة على المورد الأكثر ندرة إلى احتجاجات وتوتر أمني وتوقيفات، ثم إلى إضراب واستقالة رئيس مجلس البلدة وأعضائه.
بدأت الأحداث في 31 تموز 2026، عندما اعترض أهالٍ على أعمال تنفذها آليات تابعة لمؤسسة المياه في منطقة بعرجل.
وبينما قالت محافظة ريف دمشق إنّ الأعمال تقتصر على تعزيل وتنظيف “البئر رقم 14″، التابع لمشروع مياه بعرجل، بهدف تعزيز التغذية المائية لمنطقة التل، رأى محتجون أن استمرار ضخ المياه من المنطقة يأتي في وقت تعاني فيه عين منين نفسها نقصاً حاداً في مياه الشرب، وانتهى التوتر بعد أيام بتفاهم محلي وإخلاء سبيل الموقوفين على خلفية الأحداث.
لم تكن أزمة عين منين مجرّد خلاف محلي على بئر أو حفارة، فقد كشفت -بصورة مكثفة- مدى الحساسية، التي وصل إليها ملف المياه في ريف دمشق، حيث لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية تأمين المياه، بل بات يمتد إلى مَن يملك حق الوصول إليها، ومَن يضخها، وإلى أي منطقة تذهب، وما الذي يبقى في باطن الأرض بعد سنوات من الجفاف والحفر والضخ المتواصل؟
على امتداد دمشق وريفها، أصبحت الآبار الخاصة جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية مع تراجع إمدادات الشبكات العامة وارتفاع كلفة شراء المياه من الصهاريج، يحفر أصحاب منازل لتأمين احتياجات أسرهم، ويلجأ إليها مزارعون لحماية مواسمهم، في حين تعتمد عليها مزارع واستراحات ومنشآت سياحية لري المزروعات وملء المسابح وتشغيل مرافقها.
لكن الحل الفردي لأزمة المياه يتحوّل، مع اتساعه، إلى مشكلة جماعية، فكل بئر جديدة تضيف ضغطاً على خزّان جوفي مشترك، وكل انخفاض في المنسوب يدفع أصحاب الآبار إلى النزول نحو أعماق أكبر واستخدام مضخات أقوى، في سباق يصعب ضبط حجمه أو معرفة كمية المياه التي تُسحب خلاله.
وتكشف جولة ميدانية أجراها موقع تلفزيون سوريا في مناطق واسعة من ريف دمشق استمرار عمليات الحفر رغم توقف منح تراخيص جديدة في مناطق شملها الرصد، وسط تقديرات رسمية تضع عدد الآبار غير المرخصة في ريف دمشق عند نحو 50 ألف بئر، مقابل نحو 14 ألفاً و500 بئر مرخصة.
حفر متواصل بعيداً عن الرقابة
تحت جنح الليل وفي وضح النهار، تتحرّك معدات حفر الآبار بين بلدات ومزارع ريف دمشق، ولا يحتاج الأمر إلى حفارات ضخمة تلفت الأنظار، إذ تنتشر أساليب تعرف محلياً باسم “الغرز” و”الحفر العربي”، يمكن تنفيذها داخل المنازل والمزارع، وغالباً من دون دراسة فنية أو ترخيص.
وتسعى كل عملية حفر إلى تأمين مصدر خاص للمياه في منطقة عانت سنوات من الجفاف وتراجع معدلات الهطل، قبل أن تشهد موسماً مطرياً جيداً خلال الشتاء الأخير. غير أنّ موسماً واحداً لا يكفي لتعويض أثر الضخ المتواصل وضعف تغذية الأحواض الجوفية خلال السنوات السابقة.
وبحسب إفادات جمعها موقع تلفزيون سوريا من سكّان ومسؤولين محليين، تتواصل عمليات الحفر يومياً في مناطق متفرقة من ريف دمشق، دون سجّل معلن يوضح عدد الآبار أو أعماقها أو كميات المياه المسحوبة منها.
وتُستخدم هذه الآبار لتزويد المنازل بالمياه، وري الأراضي الزراعية، وتشغيل المزارع والمنشآت الترفيهية، رغم ارتفاع تكاليف الحفر والتجهيز وتركيب المضخات ومنظومات الطاقة.
وشمل الرصد الميداني الذي أجراه موقع تلفزيون سوريا، بلدات الكسوة وزاكية والدرخبية وقطنا وخان الشيح ودروشا وعرطوز وجديدة عرطوز ومعضمية الشام وداريا ويعفور والصبورة في ريف دمشق، إلى جانب عدد من المناطق الملاصقة للعاصمة.
“مؤسسة تمنع الترخيص وموظف يدلّ على الحفّار“
يتفق سكان ومزارعون التقاهم موقع تلفزيون سوريا، على أنّ ضعف شبكات المياه وطول فترات الانقطاع دفعا كثيرين إلى تأمين احتياجاتهم بوسائلهم الخاصة.
بالنسبة إلى عائلة لا تصلها المياه سوى أيام محدودة، فإنّ البئر توفّر عناء انتظار الصهاريج وكلفتها المتزايدة، وبالنسبة إلى المزارع، قد تكون البئر وسيلته الوحيدة لإنقاذ محصوله، بينما يعتمد عليها أصحاب المسابح والاستراحات لتأمين المياه اللازمة لاستمرار نشاطهم طوال فصل الصيف.
غير أن انتشار الحفر خارج أي تنظيم يهدّد المورد الذي يبحث الجميع عنه، إذ يزيد الضغط على المخزون الجوفي ويؤثر في غزارة الآبار المحيطة، ولفهم آلية الترخيص، توجّه موقع تلفزيون سوريا إلى إحدى بلديات ريف دمشق، حيث أكّد المسؤولون أن ملف الآبار لا يدخل ضمن صلاحيات البلدية، وأحالوا الفريق إلى الوحدة الزراعية المختصة.
في مقر الوحدة، أفاد المسؤولون بعدم منح أي تراخيص لحفر آبار جديدة في المنطقة، لكن عند بوابة المؤسسة، زوّد أحد الموظفين فريق التقرير برقم شخص قال إنه يستطيع تنفيذ عملية الحفر “من دون أي مشكلات”، في واقعة تكشف جانباً من الفجوة بين القرارات المعلنة وما يجري على الأرض.
في خان الشيح ودروشا، تنتشر الفلل والمزارع المعدّة للإيجار اليومي أو الأسبوعي أو الشهري، وتتراوح كلفة استئجار بعضها بين 150 و300 دولار في اليوم، ووفق إفادات محلية، تعتمد هذه المنشآت بصورة رئيسية على مياه الآبار لري المزروعات وملء المسابح، وتتراوح أعماق هذه الآبار، المحفورة بطريقة “الغرز”، بين 75 و400 متر.
نصف مليون ليرة للمتر في آبار “الغرز“
آبار “الغرز” المعروفة محلياً، هي طريقة لحفر الآبار تعتمد على إدخال أنابيب إلى طبقات حاملة للمياه، من دون استخدام الحفارات التقليدية الكبيرة، وتختلف أعماقها بحسب طبيعة الأرض ومستوى المياه الجوفية.
ويُحفر “بئر الغرز” عبر دق أنبوب معدني ذي رأس مدبب ومصفاة داخل الأرض حتى يبلغ طبقة رملية أو حصوية مشبعة بالمياه، حيث تسمح المصفاة بدخول الماء وتحد من دخول الرمال، ثم تركب مضخة لسحب المياه.
أبو يوسف، وهو أحد العاملين في هذا المجال، قال لـ موقع تلفزيون سوريا: إنّ تكلفة حفر المتر بطريقة “الغرز” تحدّد وفق طبيعة الأرض والمنطقة وعمق المياه، مضيفاً أنّ سعر المتر في مدينة قطنا -وقت إعداد التقرير- لا يقل عن 500 ألف ليرة سورية، بعدما كان يتراوح خلال العام السابق بين 250 ألفاً و450 ألف ليرة.
ويعزو أبو يوسف ارتفاع الأسعار إلى تراجع قيمة الليرة السورية أمام الدولار وارتفاع تكاليف المهن والمواد والتجهيزات عموماً، موضحاً أن سرعة الحفر اليومية تختلف أيضاً باختلاف طبيعة الأرض.
ولا يخضع الوصول إلى المياه لعمق ثابت، وفق أبو يوسف، ففي بعض المواقع قد لا يبلغ الحفر طبقة مائية منتجة إلا بعد تجاوز 120 متراً، بينما يصل عمق بعض الآبار إلى نحو 430 متراً، ويعزو ذلك إلى تراجع توافر المياه في الطبقات الأقرب إلى سطح الأرض.
وقبل بدء الحفر، يقول أبو يوسف إنه يستعين بشخص يستخدم أجهزة خاصة لتقدير موقع المياه وعمقها المحتمل، وتبلغ تكلفة هذا الكشف نحو مليون ليرة سورية، تُخصم من الكلفة النهائية عند الاتفاق على تنفيذ البئر، بينما يدفع المبلغ كاملاً إذا لم يبدأ الحفر.
“الحفر العربي”.. أعماق أقل وتكاليف إضافية
أمّا الآبار المحفورة بالطريقة العربية اليدوية، فتصل عادة إلى أعماق أقل، لكنها تحتاج إلى وقت وجهد أكبر، ولا سيما في الأراضي الصخرية أو البازلتية، حيث قال أبو صياح، وهو أحد العاملين في الحفر اليدوي، إن سعر المتر يتراوح وسطياً بين 700 ألف و800 ألف ليرة سورية، وقد يزيد أو ينخفض بحسب طبيعة التربة ومدى صعوبة العمل فيها.
والعاملون في هذه الطريقة، يقسّمون الأراضي -بحسب سهولة الحفر- إلى تصنيفات محلية، من بينها ما يصفونه بـ”الأرض المطواعة”، في مقابل أراضٍ صخرية شديدة الصعوبة، وفي بعض المواقع الصخرية، لا يتمكن العمال من إنجاز أكثر من نصف متر أو متر واحد خلال يوم كامل، ما يرفع مدة العمل والتكلفة النهائية.
وقد تظهر المياه في بعض المواقع على عمق يبدأ من نحو 27 متراً، وفق أبو صياح، لكن العمق يختلف حتى داخل المنطقة الواحدة، وعادة لا يتجاوز الحفر العربي عمق 20 إلى 30 متراً، وقد يصل في بعض الحالات إلى 35 أو 40 متراً، على خلاف طريقة “الغرز”، التي يمكن أن تبلغ مئات الأمتار.
ولا تدخل جميع التجهيزات ضمن سعر المتر، إذ قد تصل تكلفة تغليف البئر بما يعرف محلياً بـ”حجارة اللف العربي” إلى نحو مليون و200 ألف ليرة سورية، بحسب المواد المستخدمة وطبيعة الطبقات الأرضية، وتبلغ تكلفة الكشف المسبق عن المياه نحو 200 ألف ليرة إذا لم يُتفق على الحفر، بينما تدرج ضمن التكلفة النهائية عند تنفيذ البئر.
وزعم أبو صياح أنّ الحفر بالطريقة العربية (الجب العربي) لا يحتاج إلى ترخيص ولا يثير مشكلة مع البلدية، وأنه يتحمل المسؤولية أمام الضابطة البلدية، بخلاف آبار “الغرز”، التي وصفها بأنها مخالفة ومؤثرة في المياه الجوفية.
لكن هذا التفريق، الذي يقدمه العاملون في الحفر لا ينسجم مع أحكام التشريع المائي السوري، الذي يشترط الحصول على ترخيص مسبق لاستثمار المياه العامة وحفر الآبار، بصرف النظر عن وسيلة الحفر المستخدمة.
المخزون الجوفي ليس مورداً لا ينفد
يقول مهندس المياه الجوفية أكرم الخطيب، إنّ المياه الجوفية ليست مخزوناً ثابتاً أو غير قابل للنفاد، بل جزء من نظام طبيعي يعتمد بصورة أساسية على الأمطار وتسرب المياه السطحية إلى الطبقات الأرضية.
ويضيف الخطيب لـ موقع تلفزيون سوريا: “عندما تتجاوز كميات الضخ قدرة الحوض على التجدد، يبدأ منسوب المياه بالانخفاض، فتتراجع غزارة الآبار القائمة، ويضطر أصحابها إلى تعميقها أو تركيب مضخات أقوى، قبل أن تجف بعض الآبار والينابيع تدريجياً”.
ويرى أن الضخ المفرط وانتشار الآبار غير المستدامة أسهما في تدهور كمي للمياه الجوفية السورية، في وقت تعتمد فيه الزراعة بصورة كبيرة على هذا المورد.
وبحسب الخطيب، تشير دراسات عدة إلى تأثر حوض نهر بردى، الذي ينبع من منطقة الزبداني، وحوض نهر الأعوج، الذي ينبع من جبل الشيخ، بالآبار المرخصة وغير المرخصة، ما أسهم في انخفاض مناسيب المياه وتغير نوعيتها.
كذلك، تراجعت معدلات الهطل المطري والثلوج خلال السنوات الأخيرة، وكانت الثلوج تؤدي دوراً أساسياً في تغذية الأنهار والأحواض المرتبطة بها خلال الربيع والصيف، قبل أن يبدأ تدفق المياه بالتراجع في الخريف.
ويؤكد الخطيب أن الموسم المطري الأخير كان جيداً، لكنّه لا يكفي لترميم الضرر الذي أصاب المياه الجوفية في ريف دمشق ومناطق سورية أخرى، كما أثّر تراجع الغطاء النباتي، وتقلص المساحات الزراعية، وقطع الأشجار خلال سنوات الحرب، في قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه وتسريبها إلى باطن الأرض.
بئر جديدة قد تضعف آبار الجيران
لا يتوقف أثر البئر عند حدود عقار حفرت داخله، وفق الخبير الجيولوجي محمد السماوي، فعند تشغيل المضخة، تتشكل حول البئر منطقة ينخفض فيها منسوب المياه، وكلّما زادت كمية الضخ أو امتدت ساعات التشغيل، اتسعت هذه المنطقة، وعندما تتقارب عشرات الآبار، تتداخل مناطق الانخفاض فتبدأ الآبار بالتنافس على الخزان الجوفي نفسه وتتراجع غزارتها مجتمعة.
ويقول السماوي: “لا تقاس خطورة الظاهرة بعدد الآبار فقط، بل بكميات المياه المسحوبة وأعماق الحفر والمسافات بين الآبار وساعات تشغيل المضخات وقدرة الطبقات الجوفية على التجدد”، مشيراً إلى أنّه يمكن للضخ الكثيف، أن يخفض مستوى المياه ويقلل التدفق الطبيعي نحو الينابيع والمجاري المائية المرتبطة بالخزان الجوفي.
ويدفع انخفاض المنسوب، أصحاب الآبار القديمة إلى إنفاق مبالغ إضافية لتعميقها، ما يطلق سباقاً غير متكافئ نحو الأعماق، فمن يملك المال يستطيع الوصول إلى طبقات أعمق وتركيب مضخات أقوى، بينما يفقد أصحاب الآبار الضحلة والمزارعون الأقل قدرة مصدرهم المائي، وبذلك يتحوّل الماء، وهو مورد عام، إلى منفعة يحصل عليها من يستطيع تمويل الحفر والطاقة والمضخات.
ماذا يقول القانون السوري؟
يخضع ملف حفر الآبار واستثمار مياهها في سوريا لـ”قانون التشريع المائي رقم 31 لعام 2005″، الذي ما تزال الجهات الرسمية تستند إليه، بالتزامن مع إعلان الهيئة العامة للموارد المائية العمل على تعديل بعض أحكامه، وخصوصاً ما يتعلق بالعقوبات.
وتنص “المادة 23” على إخضاع استثمار المياه العامة من الجهات العامة والخاصة، ولأي غرض، لرخصة مسبقة، مع استثناء حالات طارئة محددة للآبار المستثمرة لمياه الشرب، على أن يجري إعلام الوزارة في أثناء الحفر.
أمّا “المادة 24” فتنظم منح رخص استثمار المياه العامة وحفر الآبار، وتنص على إعطاء الأولوية في منح الرخص لمياه الشرب والاستخدامات العامة، وتربط مواد أخرى منح الرخص بكميات الموارد المتاحة في كل حوض، وتجيز تحديد كمية المياه المسموح بضخها وتركيب عدادات على أجهزة الضخ الزراعية لحماية الموارد من الاستنزاف والتلوث.
وتنص الفقرة الثانية من “المادة 35” وفق النص الأصلي للقانون، على معاقبة من يحفر بئراً أو ينصب جهاز ضخ أو يستثمر بئراً قبل الحصول على رخصة، بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة تراوح بين 50 و100 ألف ليرة سورية، إلى جانب إزالة المخالفة ومصادرة المعدات المستخدمة، وكانت الهيئة العامة للموارد المائية قد أعلنت أن العمل جارٍ على تعديل بند العقوبات وتشديده.
وبحسب متطلبات الترخيص المنشورة لدى الهيئة العامة للموارد المائية، يرتبط منح رخصة لبئر زراعية بوقوع العقار ضمن منطقة مسموح بالحفر فيها، وإجراء كشف فني للموقع، وتقديم وثائق تثبت الملكية والاحتياج المائي، كما يُشترط ألا تقل المسافة بين البئر وأقرب بئر تابعة لمؤسسة مياه الشرب عن ألف متر.
أمّا ترخيص الآبار المنزلية، فيتطلب إثبات تعذّر تزويد الموقع بالمياه من الشبكة العامة، إلى جانب شروط أخرى، من بينها أن تخدم البئر مجموعة من المنازل غير المخدّمة والواقعة خارج المخطط التنظيمي.
“فجوة بين القانون والتطبيق“
تكشف كثافة عمليات الحفر، التي يتحدّث عنها السكّان والمتعهدون عن فجوة واسعة بين النص القانوني وتطبيقه على الأرض، فحفر بئر يحتاج إلى نقل المعدات وتشغيل العمال، ويخلّف ضجيجاً قد يستمر ساعات أو أياماً، ما يجعل تنفيذ أعداد كبيرة من العمليات بعيداً عن أنظار الجهات المعنية أمراً يصعب تصوّره.
ويطرح استمرار الحفر بهذا الحجم أسئلة حول فاعلية الرقابة، ومدى التساهل أو التواطؤ الذي يتيح للحفارات مواصلة عملها في مناطق تُمنع فيها التراخيص.
وفي آب 2025، أصدرت وزارة العدل “التعميم رقم 11″، وطلبت فيه من القضاة عدم رفع الحجز عن الحفارات المضبوطة خلال حفر آبار من دون ترخيص إلى حين صدور حكم نهائي، على أن تُترك مسألة مصادرتها للقرار القضائي، بهدف منع إعادة استخدامها في عمليات حفر جديدة.
كذلك، أعلنت الهيئة العامة للموارد المائية منع إدخال حفارات الآبار إلى سوريا من دون موافقة مسبقة من وزارة الطاقة، ضمن إجراءات قالت إنها تهدف إلى الحد من استنزاف الموارد المائية في ظل الظروف المناخية الجافة.
وقال مصدر في مديرية زراعة ريف دمشق (طلب عدم الكشف عن اسمه) إنّ بعض الأشخاص يحصلون على ترخيص لإنشاء مزرعة من البلدية، ثم يبنون فيلا ويحفرون بئراً داخل العقار، وعند سؤالهم عن مصدر المياه، يقولون إنهم سيعتمدون على الصهاريج لملء الخزانات، مع أن هذا الخيار غير عملي اقتصادياً بسبب حاجة المنشأة إلى أعداد كبيرة من الصهاريج وكلفتها المرتفعة.
وأضاف أن بعض المشروعات تُسجّل رسمياً بوصفها مزارع أو منازل شخصية، ما يحد من وضوح الرقابة والالتزامات المترتبة عليها، في ظل غياب إحصاء دقيق لعدد المزارع والآبار الموجودة، لافتاً إلى أن بعض المزارع لا تكتفي ببئر واحدة، وإنما تحفر آباراً إضافية أو تجري ما يُعرف محلياً بـ”تحرير” البئر القائمة، الأمر الذي يضر بالآبار المحيطة ويخفض غزارتها.
وبحسب المصدر، تعود المشكلة إلى سنوات، لكنها تفاقمت خلال مواسم الجفاف، ففي السابق كانت المياه تستمر مدة أطول، أما اليوم فقد تبدأ غزارة بعض الآبار بالتراجع في منتصف آب، ولا تعمل سوى ساعة أو ساعتين، قبل أن تنقطع المياه نهائياً في منتصف أيلول، ثم تعود تدريجياً مع بدء هطول الأمطار في منتصف تشرين الأول.
“50 ألف بئر غير مرخصة في ريف دمشق“
تشير التقديرات الرسمية إلى أن نطاق الظاهرة أوسع بكثير مما أمكن رصده ميدانياً، ففي كانون الثاني 2026، قدّر مدير الموارد المائية في محافظتي دمشق وريفها، باسل الغفاري، عدد الآبار غير المرخصة في ريف دمشق بنحو 50 ألف بئر، مقابل نحو 14 ألفاً و500 بئر مرخصة.
وحذّر الغفاري، في تصريحات نقلتها وكالة “سانا”، من أخطار الحفر العشوائي، خاصّةً في الغوطة الشرقية والزبداني والكسوة، لما يسببه من انخفاض في مناسيب المياه الجوفية والسطحية، وتلوث بعض آبار مياه الشرب، وخروج عدد منها من الخدمة.
هذه الأرقام، تضع أزمة الآبار في دمشق وريفها عند تقاطع الحاجة اليومية مع ضعف الإدارة والرقابة، فالسكّان والمزارعون يلجؤون إلى الحفر لمواجهة انقطاع الشبكات ونقص الإمدادات، في حين يزيد انتشار الآبار واستمرار الضخ من دون قياس منتظم الضغط على مورد تعتمد عليه المنطقة بكاملها.
ويبلغ عدد الآبار غير المرخصة نحو ثلاثة أضعاف ونصف عدد الآبار المرخصة، ومع كل تراجع في منسوب المياه، يتجه أصحاب الآبار إلى الحفر على أعماق أكبر، واستخدام مضخات أقوى وطاقة أكثر، ما يرفع كلفة الوصول إلى المياه ويمنح القادرين مالياً فرصة أوسع للحصول عليها، على حساب المزارعين والأسر الأقل دخلاً.
ورغم وجود تقديرات رسمية لأعداد الآبار، لا تتوفّر قاعدة بيانات علنية ومحدّثة توضح مواقعها وأعماقها وكميات المياه المسحوبة منها وساعات تشغيلها، وغياب هذه المعلومات، يجعل تقدير حجم الاستنزاف وقدرة الأحواض الجوفية على التعافي أمراً بالغ الصعوبة.
وفي وقت ما تزال فيه الآبار حلاً ضرورياً لكثير من السكان والمزارعين، يصبح التحدي أكبر من مجرد منع الحفر: كيف يمكن تأمين المياه اليوم من دون استنزاف المصدر الذي سيحتاج إليه الجميع غداً؟
أحداث عين منين أظهرت جانباً مما قد يحدث عندما تتراجع المياه ويزداد التنافس عليها، وما يجري تحت الأرض -بعيداً عن الأنظار- لم يعد قضية بيئية مؤجلة فقط، بل ملفاً يرتبط بمياه الشرب والزراعة وكلفة المعيشة والعدالة في الوصول إلى الموارد، وقدرة المجتمعات المحلية على تجنب نزاعات أشد مع كل متر جديد يهبط إليه الحفر.
يأتي هذا التقرير ضمن سلسلة “نزيف تحت الأرض”، التي يتتبع فيها موقع تلفزيون سوريا انتشار الآبار العشوائية في مختلف المحافظات السورية، ويبحث في أسباب توسعها وسبل تنظيمها، وانعكاسات استنزاف المياه الجوفية على مياه الشرب والزراعة والصحة العامة والأمنين المائي والغذائي.
المصدر: تلفزيون سوريا






