اتفاقية مكّة بين الواقع والمنشود

نجيبة بن حسين

توقيع اتفاقية مكّة للدفاع المشترك محطّة تاريخية فارقة في تشكّل التكتلات الإقليمية الأمنية بين دول تجمعها مصالح آنية مشتركة ورؤى استراتيجية متقاربة. جمعت ثلاثَ قوى إقليمية وازنة في الشرق الأوسط، السعودية وتركيا وباكستان، ووصفها بعضهم “ناتو إسلامي” أو “سُنّي”، أو حلف دفاع ثلاثي مصغّر، لكنّه مثقل بالرموز والمعاني والتصوّرات المشتركة لواقع التحدّيات والرهانات التي تسعى هذه الدول الثلاث إلى مواجهتها. لم يبرز من الاتفاقية سوى نصّ البيان الذي يشدّد على حرص دولها على تعزيز أمنها المشترك وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، سعياً إلى مستقبل آمن ومزدهر، وتنطلق في ذلك من الروابط التاريخية الراسخة بين الدول الثلاث وروابط الأخوّة والتضامن الإسلامي. وأبرز ما ورد في البيان ضرورة تعزيز الردع المشترك ضدّ أيّ اعتداء، وتطوير أوجه التعاون الدفاعي بينها عبر إقرار آلية الدفاع الشرعي الجماعي، بالتنصيص على أنّ أيّ هجوم مسلّح على أيّ منها هو بمثابة هجوم على الجميع. وهذه آلية أجازها ميثاق الأمم المتحدة.
هذا هو الحقّ الطبيعي في الدفاع عن النفس من أيّ عدوان خارجي يُمارس فردياً أو جماعياً، عبر إبرام اتفاقات دفاع مشتركة تحسّباً لأيّ عدوان خارجي يهدّد سلامة أيّ طرف من أطراف الاتفاقية. وهذا الصنف من الالتزامات رُسِّخَ في عديد من العهود الدولية، مثل اتفاق حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بنده الخامس، ومعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية المبرمة سنة 1950 التي تقتضي في فصلها الثاني: “تعتبر الدول المتعاقدة كلّ اعتداء مسلّح يقع على أيّ دولة أو أكثر منها، أو على قواتها، اعتداءً عليها جميعاً، ولذلك تلتزم، عملاً بحقّ الدفاع الشرعي – الفردي والجماعي – عن كيانها، بأن تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المُعتدى عليها، وبأن تتّخذ على الفور، منفردةً ومجتمعةً، جميع التدابير وتستخدم جميع ما لديها من وسائل، بما في ذلك استخدام القوّة المسلّحة، لردّ الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما”. ما يميّز اتفاقات الدفاع المشترك أنها تراكم إمكانات الدول الأعضاء وتعزّز قدراتها الدفاعية، وتجعلها تشكّل أداةً لتمتين قوّة الردع والترهيب لدى هذه الدول للحيلولة دون أيّ اعتداء محتمل عليها. كما أنّها قد تعجز منفردةً عن ردّ العدوان المسلّط عليها، أو تخشى أن تتحمّل وحدها تبعاته وتكاليفه الباهظة من حيث السلاح والخسائر البشرية والمادّية. وتضفي هذه التكتلات الدفاعية شرعيةً مضاعفةً ومعزّزةً للجوء إلى القوّة المسلّحة، تدعم عبرها موقف الدولة المُعتدى عليها وتمنحها حجّية مطلقة في الذود عن أمنها وسيادتها وحرمة ترابها.

ما يميّز اتفاقات الدفاع المشتركة أنّها تراكم إمكانات الدول الأعضاء وتعزّز قدراتها الدفاعية

تتنزّل اتفاقية مكّة في هذا الإطار، لكنّ ملابسات إعدادها وسياقاتها وتوقيعها تجعلها متمايزةً من غيرها من اتفاقات الدفاع المشتركة، ذلك أنّها أُبرمت في ظرف دولي شديد التعقيد والاضطراب والتشرذم، تزامن مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما ترتب عليها من تبعات امتدّت إلى دول الخليج التي شملتها الضربات العسكرية الإيرانية، مهدّدةً أمنها واستقرارها، وجعلتها تعيد النظر في صواب التعويل على الحليف الأميركي دون سواه، ولا سيّما أنّه خذلها ولم يكن جادّاً في الدفاع عنها وفي حماية مصالحه وقواعده المنتصبة في منطقة الشرق الأوسط، بقدر حرصه على توفير حماية غير مشروطة لحليفه الإسرائيلي وغطاء دولي له وموالاة تامّة لمشاريعه وخططه في المنطقة، بغضّ النظر ما إذا تتقاطع أو تتعارض مع مصالح حلفائه من دول الخليج، سواء في حربه على غزّة أو على إيران. تبيَّن لهذه الدول، وفي مقدّمتها السعودية، أنّ الحفاوة والحظوة اللتَين حظيت بهما الولايات المتحدة قوبلتا بالنكران والجحود والاستهانة، ذلك أنّ المُحدِّد الرئيس للسياسة الأميركية في المنطقة مدى تطابقها مع رؤى الكيان الإسرائيلي ومخطّطاته، وتماثلها المطلق مع مصالحه وأحلام حكّامه بتحقيق شرق أوسط جديد يحكمون من خلاله سيطرتهم ونفوذهم على المنطقة بأكملها.
تفطّنت السعودية وبقية دول الخليج إلى أنّ المقبل قد يكون أكثر سوءاً في ظلّ هذا الاصطفاف الأميركي لحليفه الإسرائيلي. فقد تصبح هذه الدول هدفاً لمطامع هذا الكيان الاستيطاني الأخطبوطي، بعد أن يستكمل مهمّته في تدمير قدرات إيران النووية وإسقاط نظامها وإجهاض مشروع المقاومة، ولن تعوزه الحيلة إلى إقناع الشريك الأميركي بإسناده ومناصرته. أضف إلى هذا أنّ المخاطر الناجمة عن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج لم تنحسر بمرور الوقت ولم يردعها رادع، ولا تزال قائمةً ومسندةً بذريعة استهداف المصالح الأميركية في المنطقة. وخشية الدول الخليجية من اتساع رقعة الحرب وتصاعدها وتحوّلها إلى حرب إقليمية جعلها تسلك مسلك ضبط النفس وتخيّر اللجوء إلى الوسائل السلمية والدبلوماسية لفضّ النزاع. لذلك، تتنزّل اتفاقية مكّة في سياق كسر حاجز السلبية والاستسلام للأمر الواقع،ولا سيّما أنّه طال انتظار مخرج سلمي للصراع المتأجج منذ أشهر. والحال أنّه كان مبرمجاً ليدوم بضعة أيّام أو أسابيع. وبالتالي، تتحوّل اتفاقية مكّة إلى وسيلة ردع وترهيب وتهديد للأطراف المعتدية لتكفّ عن اعتدائها، وإلى أداة لتوفير تكافؤ نسبي في موازين القوى وتعديل للاختلال الذي يشوبها لمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة، وسعي إلى بناء توازنات وشراكات متجدّدة أكثر تنويعاً وواقعيةً وقرباً في بعديها الجغرافي والاستراتيجي، وفي انتمائها الحضاري وفي تكاملها المثمر.

اتفاقية مكّة امتدادٌ لاتفاقية الدفاع بين الرياض وإسلام أباد (2025)، ويهدفان معا إلى بناء قوّة عسكرية إسلامية مناهضة لرؤية الشرق الأوسط الجديد الإسرائيلية

ففي ما يتعلّق بالتكامل، يُعدّ كلّ طرف شريكاً في هذا الاتفاق، يحمل عناصر قوّة وقادراً على تقديم الإضافة إلى الطرف الآخر، وذا وزن سياسي وإشعاع إقليمي واستراتيجي في محيطه. فالسعودية غنيةٌ بمواردها الطاقية والمادية، وبعمقها الجغرافي ومركزيتها الحضارية الإسلامية المميزة ونموها الاقتصادي. وباكستان تملك السلاح النووي، سلاح الردع، وبإمكانها أن توفّر غطاء نووياً يقوم على توازن الرعب، إلى جانب الأسلحة المتطوّرة وعلاقات الصداقة وتشابك المصالح التي تربطها بالرياض.
وما اتفاقية مكّة إلا امتدادٌ لاتفاقية الدفاع التي وُقّعت العام الماضي (2025) بين الرياض وإسلام أباد، وهما معاً يهدفان إلى بناء قوّة عسكرية إسلامية مناهضة لرؤية الشرق الأوسط الجديد الإسرائيلية، ولمسار التطبيع بوصفه عنوان انهزام واستسلام، ولتحقيق توازن القوّة إزاء إيران، ولا سيّما أنّ إيران أماطت اللثام في الحرب التي شُنّت ضدّها عن قدرات عسكرية وقتالية فائقة واستثنائية بالنظر إلى إمكانات أعدائها المهولة. كما يُحسب لإسلام أباد دورها مفاوضاً ووسيطاً فاعلاً وذا موثوقية عالية بين الولايات المتحدة وإيران، فيمكن أن تكون مستقبلاً فاعلةً في تحقيق التقارب بين الرياض وطهران وفي رأب الصدع بينهما، وضامناً للمرور الآمن في المضائق البحرية والمياه الإقليمية. أمّا تركيا، فهي قويّة بإمكاناتها العسكرية وبخبرتها العملياتية والاستخبارية وبانتسابها إلى حلف شمال الأطلسي، وبقدرتها على المناورة السياسية والتمركز في مواقع النفوذ العالمي. أضف إلى ذلك المبادلات والتفاهمات العسكرية الراسخة والمطّردة بين تركيا وباكستان لاكتساب تكنولوجيات دفاعية متطوّرة. فمعيار التكامل والشراكة المثمرة بين الثلاثي لا يدع مجالاً للشكّ في الموقع الذي ستشغله الاتفاقية والأثر العميق الذي ستخلّفه في بقية أطراف المعادلة العسكرية والاستراتيجية في المنطقة، ولا سيّما مع فشل التحالفات العسكرية الراهنة في حفظ السلام وتحقيق الأمن الإقليميين بصورة مستدامة. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، تتباين الرؤى بين من يعتبر اتفاقية مكّة للدفاع المشترك امتداداً للهيمنة الأميركية وترسيخاً لسطوتها ومظلّةً لها. فالعلاقات التي تربط الثلاثي المتعاقد بأميركا قويّة ومتينة، ومحدّدة رئيسة للتوازنات الإقليمية والعالمية، ولا يمكن بأيّ حال أن تُعقد اتفاقات تغيب منها واشنطن أو ترمي إلى تحجيم نفوذها أو تقزيم دورها في المنطقة، وبالتالي أيّ تفاهمات سوف تُدرَس بعد أن يُحسب ألف حساب للشريك الأميركي، وقد تتمّ بالتشاور معه، بل قد تذهب أبعد وتعتبرها ترتيبات بالوكالة تقوي النفوذ الأميركي ولا تضعفه، فيصبح هذا التكتّل العسكري الثلاثي أداةً طيّعةً لخدمة المصالح والأجندات الأميركية. يعتبر الرأي الثاني الاتفاقية بدايةً لفكّ الارتباط والتبعية إزاء الولايات المتحدة، وآليةً للتمرّد التكتيكي المحسوب على الأحادية العسكرية ومركزيتها الأميركية بما تستتبعه من ولاء مطلق للكيان الإسرائيلي، بالإضافة إلى تدعيم هامش التحرّك الثلاثي المستقلّ في المنطقة. وما يدعم هذه الفكرة قابلية الاتفاق للانفتاح على قوى إقليمية سياسية وعسكرية وازنة مثل مصر، وهو انفتاح يرمي إلى تعزيز الشراكة الدفاعية الناشئة بتنويع مكوّناتها وباتساعها لتكتسب مشروعية أكبر وقوّة أكثر شدّة، وتصبح مركز استقطاب إقليمي شرق أوسطي موازٍ لحلف شمال الأطلسي، ودعامة رئيسة للسلم والاستقرار الدوليين، وقوّة ردع فعلية لكلّ تهديد لأمن المنطقة أو عدوان عسكري على إحدى دولها، وذلك بإنتاج مفهوم جديد للأمن الجماعي يقوم على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية السياسية والعسكرية وفق منظور استراتيجي يقطع مع التبعية والاصطفافات التقليدية، التي لم تعد تستجيب لواقع موازين القوى في المنطقة ولتصاعد نسق التهديدات الأمنية الوجودية التي تشهدها.

تفعيل الاتفاقية وتطبيقها على أرض الواقع هما السبيل الوحيد للحكم على خباياها وخلفياتها وأهدافها الحقيقية

وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أنّه يتوقّع انضمام مصر إلى اتفاقية مكّة، وقال إنّ مصر هي بالفعل شريك طبيعي للتحالف القائم في جميع القضايا، وتربطها علاقات مميّزة وجيّدة بالدول الثلاث، و”هناك بعض المسائل الفنّية، وبمجرّد إنجازها لا يوجد ما يمنع أن تكون مصر جزءاً من هذا التحالف أيضاً”. وعلى الأرجح، تتريّث مصر إلى أن تتّضح لها جلياً أوجه التحالف وآلياته وأبعاده، وتدرس جدّياً إمكانية انضمامها إليه من دون المساس بالتزاماتها الدولية أو حصد عداوات وحساسيات مجّانية مع شركائها التقليديين ودول الجوار.
ولعلّ ما يسند الرأي الثاني أيضاً التخوّف والريبة الإسرائيليان من اتفاقية مكّة، إذ اعتبر أحد مسؤوليها أنّ “هذه الاتفاقية تثير قلقنا، نتحدّث عن تحالف موجّه ضدّ إسرائيل، ولن يكون مفاجئاً إذا انضمّت مصر”، ما دفع الكيان الإسرائيلي إلى التفكير في بناء تحالفات بديلة مع اليونان وقبرص، إلى جانب الهند والإمارات، تمثّل قوّةً مضادةً لمجابهة الخطر المحدق بها وتقوية قدراتها العسكرية والسياسية في مواجهة التحوّلات الإقليمية المتسارعة. أمّا الموقف الإيراني، فقد بدا فضفاضاً ومزدوجاً، سعياً منها إلى احتواء الاتفاق وعدم مراكمة العداوة مع محيطها، ولا سيّما أنّ الدول الأعضاء في اتفاقية مكّة حرصت على تأكيد أنّ تفاهماتها غير موجّهة ضدّ إيران، ولا تستهدفها مباشرة. ولعلّ موقف محمّد جواد ظريف (وزير الخارجية الإيراني الأسبق) يُعدّ الأكثرَ دبلوماسيةً واتزاناً، إذ شدّد على ضرورة إبرام تحالفات دفاعية شاملة بين الدول الإسلامية، لمجابهة السياسة العنصرية والعدوانية لـ”إسرائيل الكُبرى”، محاولاً تصوير إسرائيل عدوّاً مشتركاً للدول الإسلامية، يستوجب توسيع التحالف الثلاثي ليشمل كلّ الدول الإسلامية، بما فيها إيران. لكنّ هذه التصريحات، على تعقّلها، لا تستطيع طمس القلق الإيراني من اتساع رقعة تحالف دفاعي جماعي سُنّي في مواجهة القطب الشيعي بأذرعه المتهالكة والمُستنزَفة بفعل الحرب، ولا تملك، في المقابل، أن تخفي النيّة المبطّنة للثلاثي السُنّي المتحالف في درء المخاطر المتأتية من الاستقواء الإيراني واعتداءاته المتواصلة والوقاية منها.
ويصعب حسم مسألة أيّ من الرأيين أكثر رجاحةً وواقعيةً، لأنّ تفعيل الاتفاقية وتطبيقها على أرض الواقع هما السبيل الوحيد للحكم على خباياها وخلفياتها وأهدافها الحقيقية، وعلى مدى قدرتها على التأثير في محيطها وضمان استقلالية قرار أعضائها. كما أنّ اتفاقية مكّة يشوبها كثير من الغموض والضبابية وغياب الدقّة في صياغة مقتضياتها، ويلفّها الصمت بشأن بعض المسائل الحيوية المتعلّقة أساساً بتطبيقها وتفعيل بنودها حتّى لا تظلّ حبراً على ورق وتنحصر في مهرجان كلامي ودبلوماسي عديم الجدوى والفاعلية. فما يعيبها أنّ آليات تنفيذها لم تضبط صراحةً أوجه التعاون العسكري المُرتقَب والمنشود عند تعرّض إحدى هذه الدول إلى اعتداء خارجي، وطبيعة الالتزامات العملياتية والعسكرية المحمولة على عاتق كلّ دولة عضو. فتفعيل الاتفاقية يقتضي وضع قيادة عسكرية مشتركة وإدارة عمليات ومناورات مندمجة في الميدان، وتحديد مصادر التمويل وحجمها وضبط آليات للتشاور والتنظيم المؤسّساتي. في غياب هذه الترتيبات العملياتية والمؤسّساتية ستتحوّل الاتفاقية إلى مجرّد تحالف رمزي ظرفي مفرغ من المعنى والفعل.

التكامل والشراكة بين دول اتفاقية مكّة يوحيان بموقع الاتفاقية وأثرها في بقية أطراف المعادلة العسكرية والاستراتيجية في المنطقة

كما لم تحدّد الاتفاقية طبيعة الاعتداءات التي تستوجب تفعيل آليات الأمن الجماعي. فالاعتداء قد يتّخذ أشكالاً مختلفةً ومدياتٍ متباعدةً وخطورةً متفاوتةً ومبرّراتٍ متباينةً في ظلّ السياقات الدولية التي يتنزّل فيها، ولم تستجلِ الاتفاقية أيضاً إمكانية تفعيل آليات الدفاع الشرعي “الاستباقي” الذي يثير كثيراً من الجدل القانوني والسياسي.
كما أنّ اختلاف أولويات الدول الثلاث، وتعدّد التزاماتها الدولية، قد تمثّلان عائقاً أمام التسريع في ضبط آليات عمل الاتفاقية، من ذلك عضوية تركيا في “ناتو”، والعلاقات السعودية الدفاعية والاقتصادية المميّزة مع الولايات المتحدة وأوروبا، والارتباطات الوثيقة بين باكستان والصين، فيُخشى أن يجمع الاتفاق ثلاث قوى وازنة من دون أن يفضي بالضرورة إلى تطابق في الرؤى والاستراتيجيات.
خلاصة القول، إذن، إنّ التحالف الثلاثي المنطلق في مكّة لا يشكّل قطيعةً مع التفاهمات والاتفاقات العسكرية والأمنية القائمة، ولا انقلاباً عليها أو نكوصاً عنها، بل يمثّل رافداً موازياً لها لمعالجة الخلل الذي يعتريها في سياقات دولية معقّدة وخطيرة، تتزعزع فيها التوازنات الإقليمية والدولية الراهنة، ويُعاد فيها ترتيب الحسابات والأولويات السياسية والعسكرية. لذلك، يُقاس نجاح الاتفاقية بمدى قدرتها على مواجهة الشركاء التقليديين قبل الفرقاء، وإقناعهم بأنّها لا تهدف إلى تأجيج حدّة الاصطفافات الدولية، بل إلى تعزيز السلم والأمن الإقليميين، وأنّها قادرة على الاستقطاب والتوسّع تحت مظلّة الشرعية الدولية، وتمثّل في مقبل الأيّام ضمانةً فعليةً للدول الأعضاء لتوفير الحماية لها وردع أيّ اعتداء يهدّد سلامتها مهما كان مصدره. وهذا الأمر يتطلّب التسريع بتفعيل بنودها ومقتضياتها وإكسائها بطابع مؤسّساتي دائم، فصمودها أمام أوّل اختبار حقيقي لفاعليتها وقدرتها على الفعل والتأثير في محيطها هو المحدّد الرئيس لمصداقيتها واستدامتها، ولإسهامها في إرساء مناخ إقليمي آمن ومزدهر.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى