
على نحو مفاجئ، أُعلنت قمّة ثلاثية في مكّة، جمعت ولي العهد السعودي محمّد بن سلمان والرئيس التركي أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، من أجل توقيع اتفاقية دفاع ثلاثية مشتركة، وهي الفكرة المطروحة للنقاش منذ عام تقريباً على خلفية إبرام اتفاقية دفاع ثنائي بين الرياض وإسلام أباد، وسعي أنقرة إلى الانضمام إليها، بينما جرى تفضيل التفاهمات والتشبيك الثنائي بين الأطراف الثلاثة، مع فتح الباب أمام تفاهمات إقليمية أوسع تشمل دول الخليج العربية ومصر والأردن وسورية والسودان واليمن والصومال، وربّما لبنان والعراق. غير أنّ الأمور اختلفت بعد الحرب الإسرائيلية الأميركية غير الشرعية ضدّ إيران، ثمّ اندفاع الأخيرة ومليشياتها إلى العدوان غير المبرَّر ضدّ دول الخليج العربية والأردن.
ومع إعلان قيادات نافذة في واشنطن رغبتها في مواصلة سياسة الانكفاء عن المنطقة وأزماتها، وضعف إيران وانشغالها بنفسها سنواتٍ مقبلة، والسياسات العدوانية والحربجية التوسّعية الإسرائيلية، ومع الشعور بضرورة أخذ زمام المبادرة للدفاع عن أمن واستقرار المنطقة وحفظ مصالحها، سارعت الدول الثلاث إلى توقيع اتفاقية دفاع مشترك لملء الفراغ وبلورة شبكة إقليمية عربية وإسلامية واسعة من دون إيران التي فقدت صداقة دول الخليج العربية وشعوبها، ومن دون إسرائيل التي حرّضت على الحرب بأنانية من دون اكتراث بأمن واستقرار المنطقة ومصالح دولها وشعوبها.
استندت النقاشات إلى قاعدة السعي إلى الاستفادة من إمكانات الدول الثلاث الهائلة في اتفاقية دفاع مشتركة
بينما كان لافتاً جدّاً غياب مصر من الاتفاقية، على الرغم من التفاهمات الثنائية السابقة مع الدول الثلاث وانضوائها ضمن الإطار السياسي الرباعي مع السعودية وتركيا وباكستان حفاظاً على الأمن والاستقرار، وسعي الدول المتوسّطة للدفاع عن مصالحها وفق الملكية الإقليمية، بحسب التعبير الدائم لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان. بينما اعتبرت القاهرة هذا الإطار، لحسابات فئوية ضيّقة، مجرّد منصّة إقليمية للتشاور والتنسيق بين الدول الأربع على مستوى وزراء الخارجية، بحسب تعبير وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي.
استندت النقاشات إلى قاعدة السعي إلى الاستفادة من إمكانات الدول الثلاث الهائلة في اتفاقية دفاع مشتركة. ومن هذه الزاوية، يجري الحديث عن التكامل بين الإمكانات الاقتصادية والنفطية للسعودية وتأثيرها السياسي الواسع في العالمَين العربي والإسلامي، والقوّة العسكرية لتركيا وامتلاكها صناعات وتكنولوجيا دفاعية متطوّرة جدّاً، إضافة إلى تزايد حضورها ونفوذها في ملفّات وقضايا إقليمية وحتّى عالمية. بينما تملك باكستان قوّةً عسكريةً هائلةً، جوّيةً وبرّيةً، إضافة إلى امتلاكها السلاح النووي، وخروجها منتصرةً من نزالها أخيراً مع الهند، وانخراطها المتزايد في القضايا العربية والإسلامية في الخليج وفلسطين والسودان وليبيا والصومال، وصولاً حتّى إلى لبنان، مع انفتاح لافت على مصر في الفترة الماضية. وبعد نقاشات مباشرة مستفيضة وشفّافة، استمرّت شهوراً طويلة، فضّلت الأطراف التفاهمات والاتفاقات الثنائية ضمن إطار وكيان سياسي ثلاثي، ثمّ في إطار رباعي مع مصر. وبنظرة إلى الوراء، كان هذا الإطار (الكيان) خطوةً مفصليةً في اتجاه الاتفاقية الدفاعية أخيراً في مكّة.
في هذا الصدد، اختلفت النظرة بين الأطراف الثلاثة ومصر، فتحدّث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان دوماً عمّا سمّاها الملكية الإقليمية في سياق التنظير للإطار الرباعي وأهدافه، بينما بدا النظام المصري المُستنزَف والغارق في مشكلاته الداخلية حذِراً ومتردِّداً، فبات عاجزاً عن المبادرة وتبنّي سياسة خارجية واضحة ومتماسكة، كما عجز عن التدخّل الجدّي في قضايا تمسّ أمنه القومي مباشرةً (إبادة غزّة وتدميرها، والتمرّد الانفصالي في السودان، ومشروع خليفة حفتر التقسيمي شرقي ليبيا). ومن هنا يمكن فهم توصيف بدر عبد العاطي الإطار الرباعي بأنّه مجرّد منصّة إقليمية للتشاور.
تسارعت التطوّرات إثر الحرب الإسرائيلية الأميركية ضدّ إيران، وتحريض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عليها من دون اكتراث بمصالح الدول الخليجية والعربية، وأمن المنطقة واستقرارها عامّةً، ومواصلة تلّ أبيب السياسات الحربجية والعدوانية في فلسطين ولبنان وسورية، وردّ إيران المنفلت على الدول الخليجية والعربية، وتحريض مليشياتها (الميّتة سريرياً التي تجاوزتها رياح التغيير) الساعية بيأس إلى إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وظهور احتمالات التوصّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، بما في ذلك الوضع في مضيق هرمز، من دون أخذ مصالح دول المنطقة العربية والإسلامية بالاعتبار.
هنا يجب التوقّف عند انفلات النظام الإيراني إثر تدمير مقدّرات الدولة وتصرّفه بذهنية انتحارية على طريقة المليشيات وحرب العصابات، والعدوان غير المبرّر أو المنطقي ضدّ الجيران في دول الخليج العربي والأردن (وحتّى دمياط في مصر ربما؟)، من دون امتلاك الشجاعة لاستهداف سفن الأسطول الأميركي مباشرة أو لاستهداف القاعدة الفعلية التي تُستخدَم لضرب إيران، وهي إسرائيل، التي يتبجّح قادتها بعجز إيران عن استهدافها، على الرغم من انفلاتهم ضدّ الدول العربية (كما قال وزير الحرب يسرائيل كاتس علناً)، علماً أنّها كانت ولا تزال حاملة طائرات “برّية” أميركية، بحسب تعبير رئيس الوزراء السابق آرييل شارون. أمام هذا المشهد، وصلت الدول الثلاث إلى القناعة بضرورة رفع مستوى التعاون أكثر عبر توسيع اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية لتصبح ثلاثيةً بانضمام تركيا، مع امتلاك الدول الثلاث إمكانات كبيرة جدّاً ومتكاملة تشمل القدرات السياسية والاقتصادية والبشرية والعسكرية المتطوّرة والمتقدّمة.
اتفاقية مكّة ليست إطاراً نظرياً، ولا منصّةً للخطابة، ويجري العمل لمأسستها عبر تشكيل أمانة عامّة
إلى هذا، يجب الانتباه إلى الجوهر الدفاعي للاتفاقية الثلاثية والاستنفار في مواجهة أيّ هجوم يستهدف أعضاءها، واستحضار البند الخامس من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي لم يُستخدم عملياً سوى مرّتَين طوال سبعة عقود تقريباً من عمر الحلف. وتلحظ الاتفاقية الجديدة أساساً الدفاع عن أيّ دولة تتعرّض للهجوم، وهي ليست إطاراً نظرياً، ولا منصّةً للخطابة والبلاغة، ويجري العمل لمأسستها عبر تشكيل أمانة عامّة (مقرّها الرياض)، ولجنة سياسية على مستوى رفيع تضمّ وزراء الخارجية والدفاع وقادة الجيوش، تجتمع بانتظام لرسم السياسات والخطوط العريضة للتحالف الجديد. وفي جدول أعمال الاتفاقية، وبحسب مصادر مطّلعة، يجري الاستعداد لمناورات عسكرية مشتركة متعدّدة الأذرع، والتعاون في برامج طموحة للإنتاج المشترك في قطاع الصناعات الدفاعية.
مبدئياً، ثمّة توافق على وضع قدرات التحالف بتصرّف السعودية التي تتعرّض للهجوم من المليشيات الإيرانية، مع وجود قوات باكستانية مؤهّلة على الأرض، وتوفير مزيد من المنتجات الدفاعية التركية كذلك (ربّما مع خبراء)، ما يخلق عاملاً للردع إضافة إلى الجانب الدفاعي. ويجب الانتباه إلى الآفاق المفتوحة أمام انضمام دول الخليج العربية، المنفتحة أصلاً على التعاون والتنسيق، وربّما الانخراط الفعلي في الاتفاقية الثلاثية، مع امتلاكها مجتمعةً قدرات كبيرة (باستثناء الإمارات التي ذهبت باتجاهات واستنتاجات مغايرة) بموازاة خطط طموحة لرفع وتيرة التعاون والتنسيق مع الأردن وسورية والسودان والصومال واليمن، وربّما لبنان والعراق (بعد تفكيك المليشيات المُشغَّلة إيرانياً) والانفتاح على التعاون مع الدول الإسلامية في شرقي آسيا (ماليزيا وإندونيسيا) التي تملك قدرات كبيرة كذلك. وعلى الرغم من الحذر المصري، فإنّ الباب سيبقى مفتوحاً دوماً أمام القاهرة، إذ تعتقد أنقرة أنّ انضمامها إلى الاتفاقية الدفاعية مسألة وقت فقط، وسؤال متى، لا هل؟
باختصار وتركيز، ومن الزاوية التاريخية، نحن أمام خطوة كبيرة ونوعية للدفاع عن أمن واستقرار ومصالح المنطقة وشعوبها من دون إسرائيل الحربجية والعدوانية، وإيران الانتحارية والمنفلتة التي ستبقى جارةً دوماً، مع الانتباه إلى أنّ قضية فلسطين ليست غائبة من الاتفاقية، مع حضور أركانها ضمن الإطار الثماني العربي الإسلامي الموسَّع، وبذل جهود منسّقة لتنفيذ وقف إطلاق النار في غزّة، وفتح المسار السياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير، مع الإشارة إلى ارتفاع نبرة المواقف، تحديداً التركية والباكستانية، تجاه إسرائيل، وضرورة الاصطفاف الجدّي لمواجهة سياساتها العدوانية والتوسّعية في فلسطين والمنطقة.
المصدر: العربي الجديد






