انقسام يتحوّل إلى أمر واقع في ليبيا

محمد خليل برعومي

تتسارع الأحداث في ليبيا بطريقةٍ تعيد فتح ملفّ بلد غادر الحرب الكُبرى من دون أن يصل إلى الدولة. اغتيل مدير الاستخبارات العسكرية التابعة للقوات المسيطرة على شرق البلاد، اللواء فوزي المنصوري، في بنغازي، وتعرّضت منشآت النفط والكهرباء في مدينة الزاوية (غرب العاصمة طرابلس) لهجمات متكرّرة بطائرات مسيّرة، بينما يتصاعد الاحتقان الشعبي في مناطق من الغرب بسبب الكهرباء وتردّي الخدمات. وفي خضمّ هذه التطوّرات، تحرّك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بين طرابلس وبنغازي، والتقى قيادات المعسكرَين بالتزامن مع محاولات أميركية ودولية جديدة لإعادة توحيد المؤسّسات.
تضع هذه الأحداث ليبيا أمام صورة تبدو مألوفةً بعد 15 عاماً من سقوط نظام معمّر القذّافي، لكنّها تخفي تحوّلاً أكثرَ خطورةً. فقد تراجعت احتمالات الحرب الشاملة التي قسّمت البلاد في مراحل سابقة، واستقرّت خطوط النفوذ نسبياً، وارتفع إنتاج النفط، وعادت السفارات والشركات الأجنبية إلى الحركة. غير أنّ هذا الهدوء لم يقرّب ليبيا بالضرورة من الوحدة، بل سمح للانقسام بأن ينضج بعيداً من ضجيج الحرب، ويتحوّل تدريجياً من أزمة تنتظر الحلّ إلى واقع تتكيّف معه الأطراف الداخلية والخارجية.

لا يحتاج التقسيم دائماً إلى اتفاق سياسي يعلنه، ولا إلى حدود جديدة أو علمَين. يمكن أن تصنعه السنوات حين يعتاد الشرق على مؤسّساته والغرب على مؤسّساته

ويكشف اغتيال المنصوري جانباً من هشاشة هذا الاستقرار، فقد بنى المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر معسكره على معظم شرق ليبيا وأجزاء واسعة من الجنوب، جزءاً مهماً من سلطته على فرض الأمن بعد سنوات الفوضى. لذلك يضرب اغتيال مسؤول استخباري بهذا المستوى في بنغازي صورةَ القبضة المحكمة في الشرق، تماماً كما تكشف الهجمات على الزاوية حدود قدرة حكومة عبد الحميد الدبيبة على ضبط الغرب، فالمدينة الواقعة غرب طرابلس تضمّ منشآت نفطية وطاقية استراتيجية، واستهدافها بالمسيّرات يعني أنّ مراكز القوّة المسلّحة ما زالت قادرةً على الوصول إلى الشريان الاقتصادي للدولة حتّى من دون خوض حرب مفتوحة.
ويتحرّك الشارع داخل هذه المعادلة، فقد بدأت الاحتجاجات أخيراً في الغرب على الكهرباء والخدمات، لكنّها سرعان ما وضعت حكومة الدبيبة أمام حصيلة سنوات الحكم. تشكّلت هذه الحكومة في عام 2021 ضمن تسويةٍ كان يُفترض أن تقود إلى انتخابات عامّة في نهاية العام نفسه. تعطّلت الانتخابات، وبقيت الحكومة، ثمّ تحوّل المؤقّت إلى سلطة لها تحالفاتها وشبكاتها الاقتصادية والأمنية. وفي المقابل، فعل معسكر حفتر شيئاً مشابهاً بطريقة مختلفة، إذ تحوّل من قوّة عسكرية تنازع على حكم ليبيا إلى منظومة حكم مستقرّة نسبياً في الشرق، ويتقدّم داخلها أبناء حفتر، خصوصاً صدّام حفتر، بما يوحي بأنّ ترتيب مستقبل السلطة أصبح جزءاً من حسابات المعسكر.
وتتجاوز المأساة الليبية مجرّد وجود حكومتَين. فقد فشل الانتقال السياسي، لكنّ القوى التي أنتجها هذا الفشل نجحت في بناء مصالح تجعل استمرار المرحلة الانتقالية مفيداً لها. ومع كلّ سنة إضافية، تتشكّل إدارات وشبكات اقتصادية وأجهزة أمنية ونُخب محلّية مرتبطة بهذا الواقع، فيصبح توحيد الدولة أكثرَ صعوبةً لأنّ الوحدة نفسها تعني إعادة توزيع القوّة والثروة والنفوذ.
وتساعد طبيعة الاقتصاد الليبي على إطالة عمر هذه الصيغة، فالنفط، الذي يشكّل المصدر الرئيس لتمويل الدولة، يُنتَج جزءٌ مهمّ منه في مناطق يسيطر عليها معسكر الشرق، بينما تمرّ عائداته عبر المؤسّسات المالية الموجودة في طرابلس. وبذلك يحتاج كل طرف منهما إلى الآخر من دون أن يضطرّا إلى الاتفاق على دولة واحدة فعلياً. يحتاج الشرق إلى استمرار تدفّق الأموال، ويحتاج الغرب إلى استمرار إنتاج النفط، فتتشكّل وحدة مالية بالحدّ الأدنى تسمح في الوقت نفسه ببقاء الانقسام السياسي والأمني.
ومن داخل هذه المعادلة تحديداً، تأتي أهمّية الأزمة أخيراً في مصرف ليبيا المركزي، وليس بوصفها ملفّاً مالياً منفصلاً. فقد قدّم المحافظ ناجي عيسى استقالته بعد أقلّ من عامَين على تعيينه إثر أزمة سابقة حول قيادة المصرف كادت تعصف بإنتاج النفط. ويشكّل المصرف الحلقة التي تربط المناطق المتنافسة بالثروة المشتركة، ولذلك يتحوّل كلّ خلاف حوله بسرعة إلى خلاف حول توزيع المال والنفوذ. وما حافظ على قدر من وحدة ليبيا في السنوات الماضية كان، إلى جانب النفط، استمرار وجود هذه القناة المالية التي يحتاجها الجميع. لكنّ المفارقة أنّ الآلية نفسها التي تمنع الانفصال الكامل تساعد على جعل الانقسام قابلاً للحياة. فالشرق لا يحتاج إعلان دولة مستقلّة ما دام يحصل على الموارد ويحتفظ بسلطته، والغرب لا يحتاج إلى حسم الصراع ما دام يسيطر على المؤسّسات المركزية ويواصل إدارة مناطق نفوذه. وهكذا يمكن لليبيا أن تبقى موحَّدةً في الخرائط وفي حسابات النفط، ومنقسمة في السياسة والسلاح ومراكز القرار.
ويفسّر هذا الواقع أيضاً التحوّل الذي طرأ على سلوك القوى الخارجية. فقد تدخّلت تركيا عسكرياً في عام 2020 إلى جانب حكومة طرابلس وساهمت في منع قوات حفتر من السيطرة على العاصمة، لكنّها تتعامل اليوم مباشرةً مع معسكر الشرق. وزار وزير خارجيتها هاكان فيدان طرابلس وبنغازي والتقى الدبيبة وقيادات الشرق، وبينهم خليفة وصدّام حفتر، في تحوّل يعكس قراءةً جديدةً للواقع: لا يستطيع أيّ طرف خارجي حماية مصالحه في ليبيا من خلال نصف البلاد فقط.

فشل الانتقال السياسي في ليبيا، لكنّ القوى التي أنتجها هذا الفشل بنت مصالحَ تجعل استمرار المرحلة الانتقالية مفيداً لها

وتتحرّك الولايات المتحدة وقوى إقليمية في الاتجاه نفسه، بينما تحاول الأمم المتحدة إعادة فتح طريق الانتخابات وتوحيد المؤسّسات. لكنّ هذا الانفتاح على الجميع يحمل مفارقةً أخرى، فكلّما تعامل الخارج مع السلطتَين باعتبارهما واقعَين يجب التفاهم معهما، أسهم، من حيث يريد التسوية أو لا يريد، في منح الانقسام مزيداً من القدرة على الاستمرار. وقد يصبح الانتقال من محاولة توحيد المؤسّسات إلى إدارة العلاقة بينها مسافةً قصيرةً إذا استمرّ الجمود سنوات أخرى.
لذلك، يصبح غياب الحرب الواسعة خادعاً. فالتقسيم لا يحتاج دائماً إلى اتفاق سياسي يعلنه، ولا إلى حدود جديدة أو علمَين. يمكن أن تصنعه السنوات حين يعتاد الشرق على مؤسّساته والغرب على مؤسّساته، وتتكوّن في الجانبَين شبكات مصالح وأجهزة أمنية واقتصادات سياسية مختلفة، ثمّ يبدأ الخارج نفسه في التعامل مع كلّ مساحة بعدّها مركز قرار مستقلّاً.
تتدحرج ليبيا، بهذا المعنى، نحو انقسام مسكوت عنه أكثر ممّا تتّجه نحو تقسيم مُعلن. ويمنح النفط الجميع سبباً لتجنّب الانفصال الرسمي، لكنّه يمنحهم أيضاً الموارد التي تسمح بإدامة سلطاتهم، بينما تحوّلت المرحلة الانتقالية من طريق يُفترض أن يقود إلى الدولة إلى نظام تعيش داخله القوى المسيطرة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى