
منذ بداية العام الحالي يتكرر الحديث عن قانون جديد للإعلام في سوريا. بدأ الأمر بنقاشات مهنية وحقوقية، ثم تحول إلى مشروع تتولى صياغته لجان مشتركة بين وزارتي الإعلام والعدل، بحسب ما أعلنه المعنيون. ولاحقا، نقلت وزارة الإعلام الملف إلى طاولة المشاورات والجلسات مع الصحفيين والعاملين في القطاع الإعلامي في عدد من المحافظات، ومع جهات عدة تعمل في المجال. وهذا فعل حميد.
المسار، من حيث المبدأ، ضروري ومطلوب. سوريا الجديدة لا تستطيع إدارة فضائها الإعلامي بقوانين ورثتها عن مرحلة كان الإعلام فيها جزءا من أجهزة السلطة والقمع وتشويه الحقائق، وأحيانا مساهما مباشرا في القمع والإيذاء. وكانت وظيفة الصحفي تبرير الرواية الرسمية ودعمها، لا المساءلة والرقابة. لكن كثافة الحديث عن القانون لا تعني أننا أصبحنا أمام قانون جديد بالفعل. فحتى الآن، لم تنشر أي مسودة رسمية، ولم يعرف الصحفيون المواد التي تتضمنها، كما بقي الالتباس قائما بين من يتحدث عن قانون جديد كليا، ومن يصف المشروع بأنه تعديل للقانون رقم 108 لعام 2011. ويضاف إلى ذلك غياب الوضوح حول ما إذا كان القانون سيجمع بين الحقوق والواجبات المهنية، وبين الأحكام الإجرائية الناظمة لعمل المؤسسات الإعلامية وترخيصها.
وهنا يجدر القول إن الفرق كبير بين تعديل بعض مواد القانون السابق، وبين إعادة بناء البيئة القانونية للعمل في حقل الإعلام انطلاقا من التحولات التي شهدتها البلاد ومن حق السوريين في المعرفة والتعبير والوصول إلى المعلومات.
المناقشات التي دارت خلال الأشهر الماضية أظهرت، بحسب ما ينشر وما يقال، توافقا واسعا على مبادئ عامة تتعلق بحماية الصحفيين ومصادرهم، ومنع توقيفهم بسبب عملهم، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وتنظيم الإعلام الرقمي، وضمان الحق في الوصول إلى المعلومات، واستقلال المؤسسات، والسلامة الرقمية، وإنشاء قضاء متخصص في قضايا الإعلام، وغير ذلك من المسائل التي تشغل بال العاملين في مهنة المتاعب.
لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في إدراج هذه العناوين داخل القانون، بل في طريقة تعريفها وضمان تطبيقها. فتجارب السوريين مع التشريعات السابقة لم تكن ناجمة دائما عن غياب النصوص، بل عن زيادتها أحيانا، وعن الفضفاض منها أيضا، إذ كان يمكن تحميل بعضها أي معنى، مثل الأمن الوطني، والمصلحة العامة، والأخبار الكاذبة، والإساءة إلى هيبة الدولة، والآداب العامة.. وغيرها. وحين لا تضبط هذه المصطلحات بتعريفات دقيقة، تتحول من أدوات لحماية المجتمع إلى أبواب لتقييد الصحافة.
قبل أسبوع، زرت رئيس مجلس الشعب السوري، الدكتور عبد الحميد العواك، في مكتبه، برفقة زملائي مديري المؤسسات الإعلامية في مؤسسة فضاءات، وكان قانون الإعلام الموعود من بين القضايا التي ناقشناها. قال الدكتور العواك إن مجلس الشعب ينتظر القانون، ويتطلع لنقاشه، وإنه يريد شخصيا لهذا القانون أن يمنح الصحفيين والإعلاميين سقفا عاليا من الحرية، لكنه عبر في الوقت نفسه، عن خشيته من أن يقيد بعض الصحفيين عملهم، وأن تكون سقوفهم أقل مما يتيحه لهم القانون.
هذه الملاحظة تستحق التوقف عندها. فالرقابة لا تأتي دائما في صورة قرار رسمي أو منع مباشر، بل قد تتحول إلى سلوك داخلي يمارسه الصحفي أو المؤسسة على نفسه، فيحذف السؤال قبل أن يطرحه، ويتجنب الملف قبل أن يمنعه أحد من الاقتراب منه. لذلك، لا يكفي أن يمنح القانون الصحفي سقفا عاليا إذا بقي هو يخفض هذا السقف بنفسه.
ما نأمله من القانون الجديد ليس تنظيم حرية الصحافة، بل تنظيم العمل تحت سقفها، وتنظيم ممارسة الدولة سلطتها تجاه الإعلام. القانون هو الذي يضع حدودا واضحة يلتزم بها الإعلام ويستطيع العمل في إطارها، ويضع، في المقابل، حدودا للسلطة التنفيذية والأجهزة الرقابية، ويضمن ألا تكون أي جهة هي الخصم والحكم.
ما نأمله من القانون الجديد ليس تنظيم حرية الصحافة، فالحرية ليست منحة إدارية، بل تنظيم العمل تحت سقفها، وتنظيم ممارسة الدولة سلطتها تجاه الإعلام. القانون هو الذي يضع حدودا واضحة يلتزم بها الإعلام ويستطيع العمل في إطارها، ويضع، في المقابل، حدودا للسلطة التنفيذية والأجهزة الرقابية، ويضمن ألا تكون أي جهة هي الخصم والحكم، وهي التي تمنح وتمنع في الوقت نفسه.
ونأمل أن يميز القانون بين الخطأ المهني والجريمة، وبين الخطأ العابر والنهج المتعمد، وبين النقد والتحريض، وبين كشف الفساد والإساءة إلى المؤسسات. فالمؤسسة الإعلامية قد تخطئ، والصحفي قد يخطئ، ومن يخطئ يحاسب وفق قواعد المهنة والقانون، لكنه لا يعامل كمجرم لمجرد خطأ مهني.
ونأمل، ونحن ننتظر القانون الجديد، أن نرى فيه ضمانا لاستقلال الإعلام وعمله، ولمراقبة ومحاسبة أدائه، وهذا لا يتحقق بالشعارات، ولا بمجرد الانتقال من خطاب إلى آخر. فالاستقلال يحتاج إلى قانون يحمي المؤسسات والصحفيين، ويمنع التدخل والإملاء، ويضمن تعددية في طرح الرؤى، تتيح للسوريين رؤية أنفسهم واختلافاتهم وأسئلتهم على الشاشات والمنصات، وعلى الصفحات.
ربما من الضروري أن تنشر المسودة قبل إحالتها إلى مجلس الشعب، وأن يتاح وقت كاف لمناقشتها، وأن تؤخذ الملاحظات المهنية والحقوقية بجدية. فالقانون الذي يصاغ لتنظيم عمل الصحفيين لا يمكن أن يبقى نصه بعيدا عنهم.
سوريا تحتاج إلى إعلام حقيقي، وأكيد أنها لا تحتاج إلى إعلام بلا مسؤولية أو انضباط، لكنها بالتأكيد أيضا لا تحتاج إلى إعلام يخاف ممارسة عمله الحقيقي، أو يخشى الحرية حين تتاح له. تحتاج إلى إعلام حر ومهني ومتعدد، وقادر على أداء دوره كسلطة رابعة. وعندما يحمي القانون السؤال قبل أن يحمي المسؤول، يمكننا القول إننا نبني إعلاما جديدا يليق بسوريا الجديدة.
المصدر: تلفزيون سوريا






