معطيات جديدة كشفت عنها الحرب الإيرانية

معقل زهور عدي

في كتابه الذي يتناول فيه فلسفة الحرب يذكر كارل فون كلاويتزفيتز أن الحرب بعد أن تبدأ تنحو بالتدريج نحو أن يكون لها مسارها الخاص المستقل عن المعطيات الأولى التي رافقت نشوء الحرب .

ضمن مسار حرب ايران فقد تكشفت حقائق وتبدلت معطيات غيرت تقريبا وجه الحرب حتى الآن .

من تلك الحقائق :

أولا : صحيح أن الولايات المتحدة تتمتع بتفوق عسكري ساحق على ايران لكن عوامل اقتصادية تتصل بالاقتصاد العالمي وعوامل داخلية تتعلق بالرأي العام الأمريكي , أيضا بموقف الرأي العام العالمي وموقف الحلفاء, إضافة للحرص على عدم التورط بحروب برية وعدم الاستعداد للتضحية بخسائر بشرية تفوق درجة معينة, كل ذلك يخلق حدودا لاستعمال القوة , بالتالي تكون القوة المتاحة جزءا من القوة الكلية قد لايكفي لاحراز انتصار كامل .

لاينطبق ذلك فقط على الحرب الايرانية لكنه يشمل بيئة الحرب الجديدة في المرحلة التاريخية الراهنة . فأي حرب يمكن أن تخوضها الولايات المتحدة ستكون معرضة للتأثيرات السابقة بنسب متفاوتة , لكن النتيجة غالبا ستكون ذاتها أي عدم التمكن من استخدام كامل القوة العسكرية ووجود مجال زمني محدود للحرب .

هذا الفرق في بيئة الحرب في المرحلة الراهنة ينطبق بصورة خاصة على الدول الغربية الكبرى ” الولايات المتحدة والدول الأوربية ) وينطبق بدرجة أقل على روسيا التي تجاوزت الخطوط الحمر في حربها مع أوكرانيا سواء مايتعلق منها بالخسائر البشرية أو مدة الحرب وسوف يكون لذلك عواقبه السيئة للغاية لمستقبل روسيا .

أما الصين فهي تبدو حتى الآن خارج تلك المعادلات , خاصة أنه لم يتم اختبارها في حروب كبيرة بعد أن تحولت إلى دولة كبرى تنافس الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي .

ثانيا : أن الحروب الاقليمية التي كانت تعتبر حروبا محلية يمكن ضبط انتشارها المكاني وإطارها الزمني قد أصبحت بحاجة لتقييم مختلف عن التقييم السابق المعتاد وأصبحت تهدد بالفعل بالانتشار خارج جغرافيا الصراع وخارج الزمن المتوقع أيضا .

ثالثا : بالنسبة لايران فقد اكتشفت أن السيطرة على مضيق هرمز يمنحها من القوة – ربما – أكثر مما تمنحها إياه القنبلة النووية , فالقنبلة النووية لاتمنح ايران سوى قوة ردع عسكرية استراتيجية أما السيطرة على مضيق هرمز فهي تشبه الامساك بخناق اقتصاد العالم الذي أصبح متداخل الاعتمادية إلى أقصى حد .

رابعا : اكتشف العرب من جهتهم أن استراتيجية تأمين حمايتهم من قبل الولايات المتحدة عن طريق وجود قواعد عسكرية لم تكن استراتيجية واقعية بل أقرب إلى الوهم منها للحقيقة , وأن عليهم البحث عن استراتيجية بديلة وذلك لأول مرة منذ عقود طويلة .

خامسا : اكتشفت الولايات المتحدة أن تغيير الانظمة في منطقة مثل الشرق الأوسط ليس بالسهولة كما هو الحال في أماكن أخرى مثل فنزويلا مثلا , وأنها حتى لو نجحت في إسقاط النظام الايراني فإن عواقب ذلك لايمكن توقعها أو السيطرة عليها .

سادسا : أظهرت الحرب الايرانية حدود فعالية القصف الجوي في حسم الحروب , وفعالية الطائرات المسيرة رخيصة الثمن , وخطورة تطور دقة الصواريخ البالستية وقدرتها على تفادي الرصد والاسقاط , والامكانية التدميرية الكبيرة التي تمتلكها , وبهذا الصدد تبدو الحرب الاوكرانية شاهدا أكثر وضوحا على استنزاف الخصم إلى درجة مؤلمة ومكلفة عبر الطائرات المسيرة .

سابعا : تفكك وحدة حلف الناتو الذي لم يظهر له أثر واضح في الحرب الايرانية حتى الآن على الأقل , وخروج السياسة الأوربية عن الطاعة للولايات المتحدة .

ثامنا : إن فشل الولايات المتحدة في حسم الصراع لصالحها وفشلها في فرض ارادتها على ايران سوف يترك صدعا ليس من السهل ترميميه في مكانة الولايات المتحدة العالمية والنظام العالمي الذي كان قد آل إلى أن يصبح نظام القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م .

تاسعا – بقاء الحرب في ايران وتحولها لحرب استنزاف يهدد بانتشارها في المنطقة , وهذا يفرض وضع حدود زمنية للحرب قد لاتتسع سوى لأشهر قليلة .

ومع ما سبق فإن المعطيات والدروس التي انتجتها أو كشفت عنها الحرب الايرانية مازال من المبكر حصرها واعتبارها منجزة بقدر ما أن الحرب مازالت مستعرة حتى الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى