
قرار المحكمة العليا الإسرائيلية في ملف شطب ترشيح سامي أبو شحادة رئيس حزب التجمع، وإبطال قرار شطب القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة الذي اتخدته اللجنة المركزية للانتخابات، يضعنا أمام طبقتين مختلفتين من التعامل مع التمثيل السياسي العربي في إسرائيل. الأولى تخص المرشح بوصفه فرداً يحمل اسمه وسيرته وتصريحاته ومسؤوليته الشخصية، والثانية تخص القائمة الانتخابية بوصفها وعاءً انتخابياً لجمهور واسع وبرنامجاً سياسياً كاملاً.
لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل تعاملت مع المستويين داخل موجة شطب واحدة، بينما أعادت المراجعة القضائية الفصل بينهما. وفي ملف أبو شحادة ارتبطت القضية أساساً بمقال نشره في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في حين وجدت المحكمة أمامها قوائم تضم أحزاباً واتجاهات سياسية متعددة. وهذا الفارق يفسر جانباً من التباين في التعامل مع الملفات، ويعيد التذكير بأن إقصاء مرشح يحتاج إلى بناء قانوني مختلف عن إلغاء حق تيار كامل في خوض الانتخابات.
بين الترشح والإقصاء
قضية أبو شحادة نفسها تحمل مفارقة إجرائية لافتة. المحكمة لم تصدر في جلسة الأول من أكتوبر حكماً مكتوباً بشطبه؛ رئيسها أبلغ المرشح بأن أغلبية الهيئة تتجه إلى تأييد الشطب، داعياً أبو شحادة إلى سحب ترشحه قبل صدور الحكم. وفي اليوم التالي اختار التجمع سحب ترشح رئيسه، مع بقاء أبو شحادة رئيساً للحزب. هكذا خرج المرشح من ورقة الاقتراع عبر قرار سياسي حزبي تم اتخاذه تحت ضغط اتجاه قضائي معلن، فيما بقيت حيثيات الحكم المكتوب غائبة عن السجل القانوني للقضية. وهذه التفصيلة تمنح الواقعة ثقلاً يتجاوز النتيجة الانتخابية، لأنها تحرم الملف برمّته من لحظة قضائية نهائية تشرح بصورة مفصلة وزن الكلام المكتوب، والسياق، والسجل السياسي، ومعيار الإثبات.
المادة التي دارت حولها القضية تمنح المحكمة اختباراً بالغ الحساسية لمعيار الشطب. المقال صدر في اليوم التالي لهجوم السابع من أكتوبر، ووصف أبو شحادة فيه الحدث باعتبارات عسكرية وسياسية واستراتيجية أثارت اعتراضات شديدة، بينما قدم أمام المحكمة تفسيراً مختلفاً لمقصده وأعلن معارضته للعنف والكفاح المسلح، مع إقراره بأن صياغة إحدى الفقرات وتوقيتها لم يكونا موفقين. المستشارة القضائية للحكومة دعمت شطبه على أساس دعم الكفاح المسلح، في حين اتجه دفاعه إلى التشديد على غياب دعوة صريحة إلى العنف وعلى محدودية المادة التي يستند إليها الطلب. بذلك أصبحت الكلمة السياسية نفسها موضوعاً للفحص: معناها، ولحظتها، والقصد المنسوب إليها، وموقعها داخل السجل العام لصاحبها.
معيار الشطب في إسرائيل
هذه النقطة تعيدنا إلى تطور معيار الشطب في إسرائيل. أول قائمة أُقصيت من انتخابات الكنيست كانت القائمة الاشتراكية عام 1965 في قضية يريدور، في مرحلة سبقت إدخال المادة 7 إلى قانون أساس الكنيست. ثم جاء حكم عام 1984 في قضية نيومان ليعيد رسم الحدود القانونية، بعد أن ألغت المحكمة شطب حركة كاخ لغياب سند تشريعي صريح يكفي للإقصاء. أعقب ذلك تحديد أسباب الشطب السياسي. ومنذ ذلك المسار تشكلت أمام المحكمة قاعدة أكثر تضييقاً لاستخدام الشطب، تقوم على ما تقول إنها أدلة واضحة ومقنعة لا تترك مجالاً كبيراً للالتباس، وعلى إثبات أن الغرض المحظور يمثل عنصراً مركزياً ومستقراً في هوية القائمة أو المرشح. في هذا السياق تكتسب قضية أبو شحادة معناها داخل سلسلة قضائية طويلة، حيث بقيت عتبة الإقصاء مرتفعة حتى عندما كانت التصريحات والمواقف موضع خلاف سياسي حاد.
إن إبقاء أكثر من قائمة عربية في السباق يعني إبقاء مساحة تنافس داخل المجتمع العربي نفسه. بالإضافة إلى مساحة تفاوض مع المجتمع السياسي الإسرائيلي الأوسع. ليتحول التمثيل العربي من كتلة انتخابية صامتة إلى تعدد سياسي كامل
أما قرار إبقاء القائمتين العربيتين داخل المنافسة فيعيد إنتاج قاعدة أخرى أكثر عمقاً يحاول العقل الإسرائيلي الأمني والسياسي بيعها للجمهور بأن المسؤولية السياسية لا تنتقل آلياً من الفرد إلى التنظيم. هذا المبدأ ظهر سابقاً في مواقف المستشارية القانونية للحكومة في قضايا شطب القوائم العربية، حين فُصل بين تصريحات أعضاء محددين وبين إثبات أن القائمة نفسها تتبنى هدفاً محظوراً وتعمل بصورة مستمرة لتحقيقه. وهنا تظهر أهمية القائمتين بوصفهما تمثلان مسارين مختلفين بشكل أو بآخر في تعريف وظيفة القوة البرلمانية العربية في الكنيست الإسرائيلي. واحدة تحاول مواجهة الصهيونية الدينية، والثاني يقوم على بناء القوة التفاوضية والدخول إلى لعبة تشكيل الحكومات. وهذه التعددية داخل السياسة العربية في إسرائيل تحمل قيمة تحليلية كبيرة. فالثابت أن المجتمع العربي في إسرائيل لم ينتج حزباً واحداً يمثل موقفاً واحداً من الدولة والمواطنة والفلسطينيين. لقد تشكلت عبر العقود تيارات شيوعية، وقومية، وإسلامية، ومدنية، وقوائم تجمع بين أكثر من اتجاه. حتى داخل القائمة المشتركة نفسها بقيت الفوارق الفكرية والتنظيمية حاضرة. لذلك فإن إبقاء أكثر من قائمة عربية في السباق يعني إبقاء مساحة تنافس داخل المجتمع العربي نفسه. بالإضافة إلى مساحة تفاوض مع المجتمع السياسي الإسرائيلي الأوسع. ليتحول التمثيل العربي من كتلة انتخابية صامتة إلى تعدد سياسي كامل له خلافاته وتوافقاته، وخرائطه الداخلية، وتحالفاته الحزبية الداخلية والخارجية. من هذه الزاوية يمكن القول إن التجمع الوطني الديمقراطي يمثل حالة مختلفة داخل هذا التاريخ. فقد نشأ في التسعينيات مع تصور سياسي يضع مسألة تعريف الدولة في مركز النقاش، وطرح مفهوم دولة لجميع مواطنيها باعتباره جزءاً من رؤيته للمواطنة. ولهذا التصور علاقة مباشرة بتاريخ الشطب، لأن المادة 7أ من قانون أساس الكنيست، تجعل تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية أحد الأسس التي يمكن أن يقوم عليها الإقصاء. لذلك وجد التجمع نفسه في المنطقة الأكثر حساسية بين حق الحزب في تقديم تصور بديل للدولة وبين الحدود الدستورية والقانونية التي يضعها النظام لتعريفها.
تلويح بحظر التجمع
الدعوات الحالية التي نسمعها من اليمين الإسرائيلي وأحزاب الصهيونية الدينية إلى حظر حزب التجمع تنقل المعركة إلى مستوى مختلف. فالشطب الانتخابي يتعلق بدخول قائمة أو مرشح إلى انتخابات محددة؛ أما الحظر فيتناول مصير واستمرار التنظيم نفسه داخل المجال السياسي. لهذا يحمل الحديث عن حظر التجمع ومنعه من العمل السياسي معنى يتجاوز الانتخابات الحالية، لأنه يضع شرعية المشروع السياسي للحزب ذاته أمام اختبار. في المقابل، تكشف الحملة الانتخابية لبنيامين نتنياهو عن طريقة أخرى في التعامل مع التمثيل العربي، ترتكز على تحويله إلى رمز داخل الصراع الصهيوني على هوية الحكومة التي ستنتج عن الانتخابات المقبلة في السابع والعشرين من أكتوبر. لقد نشر بنيامين نتنياهو عقب انسحاب سامي أبو شحادة ما معناه أن حزب الليكود وحده القادر على مواجهة المرشحين العرب. ووفق هذا المنطق العدائي يصبح التمثيل العربي في إسرائيل بالتعبير اللغوي جزءاً من تعريف المعسكرات السياسية، لا مجرد مسألة تخص المواطنين العرب أنفسهم. وهنا تتقاطع الانتخابات مع سؤال أوسع حول طبيعة الائتلافات الممكنة وحول المكان الذي يُسمح للصوت العربي بأن يحتله داخل النظام السياسي.
بين سيناريو التواجد في الحكومة أو لعب دور بيضة القبان في تشكيل الائتلاف المقبل، لابد من الإطلالة على البنية السياسية للمجتمع العربي في إسرائيل، وهذا له جذور أقدم من الكتل السياسية العربية الحالية. تعود إلى السنوات اللاحقة لقيام إسرائيل. فقد شارك المواطنون العرب في انتخابات الكنيست، عبر أحزاب إسرائيلية تقليدية مرتبطة بشكل أو بآخر بالسلطة السياسية الحاكمة في تل أبيب. تلك المرحلة ارتبطت بما يعرف بالحكم العسكري الذي استمر على المواطنين العرب حتى 1966، ليتراجع بعد ذلك ما يمكن تسميته نموذج القوائم التابعة، ولتبرز أطر عربية وشيوعية أكثر استقلالاً، ثم تطورت الخارطة إلى أحزاب عربية قومية وإسلامية ويسارية أممية. وهذه المسيرة تعطي المشاركة العربية في المشهد السياسي الإسرائيلي تاريخاً مؤسسياً طويلاً ومتراكماً داخل الدولة، مع الانتباه طبعاً إلى التحول المستمر في شكلها السياسي.
تعريف الصراع السياسي
ربما لكل ما سبق تحمل الانتخابات المقبلة أبعاداً إضافية لأنها عملياً تبدأ بعد المحكمة، وهي تحمل معها من هذه المواجهة القضائية أثراً يتجاوز أسماء القوائم والمرشحين: المحكمة أعادت إلى الصندوق مساحة من التمثيل العربي، لكنها أبقت في الوقت نفسه جرحاً سياسياً مفتوحاً حول حدود هذا التمثيل. ومعنى التفاوت هذا سيعيد صياغة الحملة الانتخابية نفسها؛ إذ يستطيع اليمين الإسرائيلي تقديم قرار سامي أبو شحادة بالانسحاب بوصفه دليلاً على أن النظام يملك أدوات لاستبعاد ما يعتبره تجاوزاً للحدود، فيما تستطيع القوى العربية تقديم بقاء القوائم بوصفه استمراراً لمساحة سياسية لم تُغلق أمام جمهورها. وبين القراءتين تنشأ نتيجة سياسية مهمة تقول إن القضية لم تعد مجرد معركة قانونية انتهت في المحكمة، وإنما أصبحت جزءاً من الذاكرة الانتخابية التي سيحملها الناخب إلى يوم التصويت. وقد يكون أثرها الأعمق في درجة التعبئة السياسية، وفي الطريقة التي سيُعاد بها تعريف العلاقة بين التصويت العربي والمؤسسات التي تحدد مسبقاً شروط المشاركة فيه. لذلك ينتقل الصراع السياسي من سؤال التمثيل إلى مستوى آخر يتصل بشكل مباشر بهندسة الائتلاف المقبل. فعودة القوائم العربية إلى المنافسة تعيد إليها وظيفة سياسية تتجاوز عدد المقاعد التي يمكن أن تحصل عليها. بخاصة أن استطلاعات الرأي الحالية لا تمنح أياً من المعسكرات الكبرى طريقاً سهلاً إلى تشكيل حكومة مستقرة، وهو ما يجعل وجود الكتل العربية جزءاً من هندسة ما بعد الانتخابات، حتى مع بقاء الخلافات العميقة حول إمكان التعاون معها. وهنا تظهر المفارقة السياسية: نتنياهو يستخدم التمثيل العربي في خطابه الانتخابي بوصفه فاصلاً بين معسكره وبين البديل أي بين حكومة يمينية وفلسطين كما قال، بينما تحتاج خريطة الكنيست المجزأة إلى التعامل مع كل كتلة قادرة على تغيير مسار تشكيل الحكومة. وبذلك تتحول المشاركة العربية من قضية تخص جمهوراً محدداً إلى متغير داخل المعادلة السياسية كلها. لذلك تدخل الأحزاب العربية – على اختلافها- المرحلة الأخيرة من الحملة الانتخابية وهي تحمل تجربتين مختلفتين في معنى القوة البرلمانية. قوة تُقاس بالقدرة على التفاوض مع النظام، وقوة تُقاس بالقدرة على الحفاظ على استقلال القرار السياسي العربي. وهذه المسافة بين التجربتين ستجعل مرحلة ما بعد الاقتراع أكثر تعقيداً من مجرد حساب معسكرين متقابلين.
أمام هذا تدفع أصوات اليمين الإسرائيلي المشهد إلى مساحة أكثر تعقيداً. دلالة تصريحات ايتمار بن غفير في المشهد الراهن توضح أن الصهيونية الدينية لا تتعامل مع قضية الشطب باعتبارها ملفاً انتخابياً انتهى بانسحاب المرشح؛ لقد طالب الوزير الإسرائيلي أمام المحكمة نفسها بحظر سامي أبو شحادة رسمياً، زاعماً أن منحَه فرصة الانسحاب تسويةً لا تكفي. وهذه اللغة تكشف اتجاهاً سياسياً يتجاوز المنافسة على المقاعد نحو إعادة تعريف من يمكن أن يكون جزءاً من المجال السياسي وفق المنطق اليميني الإسرائيلي.
هذا يعيدني إلى المسار السياسي لسامي أبو شحادة الذي يبدو اليوم امتداداً لمسار أعمق من الانتخابات الحالية. المشاركة العربية انتقلت من قوائم مرتبطة بما يمكن وضعه في خانة مراكز القوة السياسية التاريخية في إسرائيل إلى كيانات وأحزاب مستقلة، ومن التمثيل الاحتجاجي إلى تجربة المشاركة في ائتلاف حكومي، ومن المطالبة بالمساواة داخل الدولة إلى طرح تصورات مختلفة لتعريف الدولة نفسها. وفي كل مرحلة ظهرت مؤسسة إسرائيلية تختبر حدود هذا التحول: لجنة انتخابات، كنيست، محكمة، حزب حاكم، أو ائتلاف سياسي. قضية أبو شحادة تضيف مشهداً جديداً إلى هذا التاريخ والمسار عبر مرشح يخرج من السباق بعد أن أعلنت المحكمة اتجاه أغلبية أعضائها، بينما تستمر القوائم التي تمثل التيارات العربية في المنافسة. بذلك تنتقل القضية من مصير اسم واحد إلى مسألة أعمق تتعلق بالشكل الذي يستطيع به المواطن العربي تحويل هويته السياسية إلى تمثيل داخل دولة تحدد مسبقاً الإطار الدستوري الذي يتحرك داخله هذا التمثيل.
المصدر: تلفزيون سوريا






