قلعة دمشق: بين محطات التاريخ الموجعة وموجة الاستثمار المعاصر

 د. أمين صعب

​تُعد قلعة دمشق واحدة من أهم الأوابد التاريخية والعسكرية التي شهدت على امتداد قرون طويلة تحولات كبرى ومحطات قاسية أثّرت على بنيانها وهويتها. فمنذ أن شُيدت في العصر السلجوقي عام 1076 ميلادية، تكبدت القلعة أضراراً بالغة نتيجة عوامل شتى، برز منها:

​1. التخريب والغزو

​تعرضت للدمار والخراب على يد هولاكو وقائد جيوشه كتبغا عام 1260 ميلادي.

​2. الكوارث الطبيعية

​ضربتها هزات أرضية عنيفة ألحقت أضراراً جسيمة بتحصيناتها، لاسيما زلزالي عامي 1200 و1201 ميلادي.

​3. الصراعات السياسية

​طالتها أضرار جسيمة جراء الصراعات المتكررة بين الأمراء والسلاطين في العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية.

​الواقع الجديد: الاستثمار على حساب الذاكرة الأثرية

​في العهد الجديد، تتسارع وتيرة التحولات لتطال المكتسبات التاريخية والحضارية تحت غطاء “الاستثمار”؛ حيث أُفتتح مؤخراً مطعم “أبو دانيال” على رأس القلعة وفي محيط أجرائها وتفاصيلها، في مشهد يثير الاستفزاز والقلق على مصير هذه الآثار التي يُفترض أن تُعامل بحصانة تليق

بقيمتها التاريخية، لا كسلع استهلاكية قابلة للتطويع.

​وقد ظهر في فيديو نشرته صفحة “أبو دانيال” على فيسبوك ثم عَمَدت إلى حذفه لاحقاً، تفاصيل توثق جانبًا من هذا العمل، حيث ظهر السيد عامر شيخاني موجهًا الكاميرا والمصور لما يجب إبرازه وتصويره.

​إن التعامل مع الحجر الأثري للقلعة بهذه الطريقة – وخاصة مدى سلامته من أي تثبيتات معدنية أو براغي أو دروج منصوبة على الجدران التاريخية دون ضمانات كافية لعدم إلحاق الضرر بالنسيج الأصلي – يستدعي الوقوف بحزم لمنع الاستسهال في التعامل مع التراث الدمشقي.

​الآمال الدلالية لفتح القلعة: بين إحياء التراث وطموس الذاكرة

​لقد كان يُنتظر من أي خطوة تهدف إلى إعادة فتح أبواب قلعة دمشق وتفعيل فضاءاتها أن تكون منسجمة مع قيمتها الحضارية العريقة؛ إذ كانت الآمال المعقودة تتوجه نحو تحويل باحاتها إلى منارات ثقافية وحاضنات حية تنبض بالتراث، مثل إقامة معارض للمهن اليدوية والحرف الدمشقية الأصيلة التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة غير المادية للمدينة.

​إن استثمار هذه الأوابد يجب أن يصب في خدمة الهوية وتفعيل دورها التعليمي والمجتمعي، لا أن يتحول إلى مشاريع تجارية واستهلاكية تفرغ المكان من محتواه التاريخي وتسيء إلى حصانته العمرانية.

​إلى أين يتجه قطار الاستثمار؟

​وسط هذا التوجه المقلق في التعامل مع الذاكرة العمرانية والحضارية لدمشق – بدءاً بما جرى في محيط جبل قاسيون وصولاً إلى قلب قلعة دمشق التاريخية – يتساءل المرء بحرقة:

​هل سيكون الدور القادم على الجامع الأموي؟

​أم أن التناوب سيطال المكتبة الظاهرية والمدرسة النورية؟

​إن حماية التراث الإنساني والتاريخي لدمشق لا يتحقق بتحويله إلى منصات استثمارية، بل بالحفاظ عليه بوصفه شاهداً حيًا على الهوية والعراقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى