استراتيجية ما بعد الحرب

عمر العمر

 بغض النظر عن خلاصة نهاية الحرب الراهنة وتوقيتها فإن خريطةً جيو استراتيجية سيعاد رسمُها حتماً في المنطقة. هذه خلاصة حتميةٌ تتضافر على صوغها الأطراف المتورطة في الحرب والمتأثرة بتداعياتها، فالحرب كشفت نظرياتٍ سياسية تستوجب المراجعةَ وتطبيقاتٍ عسكرية تستدعي التقويمَ وعملياتٍ حربية تتطلب التحديث. كما أنها أفرزت تداعياتٍ على المنطقة والعالم من العسير إن لم يكن مستحيلًا القفز عليها، فمن دون الغوص في تأصيل أستراتيجية الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، الثابت أنها انطلقت من الفكر الاستراتيجي المنبثق عن نظرية الحرب ضد الإرهاب. هناك انتقاداتٌ مكثفة لغياب خط استراتيجي أو حتى تكتيكي لحرب ترامب -نتنياهو ضد إيران، إلا أن هذا لا ينفي ارتكازها على فكر المحافظين الجدد بقيادة دونالد رامسفيلد وديك تشيني من حيث الانتشار العسكري والتمركز والعمليات الحربية الاستباقية الوقائية. من أبرز دواعي التحولات لجهة إعادة رسم الخريطة الجيواستراتيجية ما هبّت من رياح على المناخ الشعبي في المنطقة وأميركا وجبهات متفرقة في العالم غشيت تيارات منها الإعلام الرسمي هنا وهناك.

لن تبقى المنطقة طويلًا في حالة سيولة رمادية بل ستخرج لا محالة في إطار جيو استراتيجي مغاير

***
جسّدت الحرب الأميركية على العراق في 2003 أولَ تطبيق عملياتي لذلك الفكر الاستراتيجي المبني على إعادة الانتشار الواسع لخدمة مفهومِ العمل العسكري الوقائي. كلاهما؛ المرتكزُ الفكري والتطبيقُ العملياتي يجريان تحت مظلة عقيدة محاربةِ الإرهاب. فمع سقوط نظامِ صدام بدأت أميركا إعادةَ نشر قواتها في المنطقة من منطلق تحويل العراق نفسِه قاعدةَ انطلاقٍ لتنفيذ شرق أوسط جديد، (من منظور أمني على الأقل) بغية احتواء (قوى الشر) أو هزيمتها. ذلك المشروع  يتضمن حسب صحيفة نيو يورك تايمز إقامةَ أربع قواعد طويلة الأمد في العراق. كما تضمن نقلَ القوات الجوية من قاعدة الأمير سلطان في المملكة السعوديه إلى قاعدة العديد في دولة قطر. في الوقت نفسه سحبت واشنطن 30 من مجموع مقاتلاتها الجوية الـ80 من قاعدة أنجرليك التركية. كما سحبت أكثر من ألفين من جنودها هناك.
***
ذلك التخطيط الاستراتيجي استبدل إقامة قواعد محدودة بديلًا من تقليد القواعد الضخمة المتبع منذ نهاية الحرب العالمية الأخيرة. رغبةً في تعزيز علاقاتها مع أميركا أو طمعاً في عائدات مادية أو الاثنتين معاً، أبدت دولٌ عدة استعدادها لاستضافة قواعدَ من ذلك الطراز. هذه الرغبة لم تنحصر في دول المنطقة إذ طاولت شرق آسيا ووسطها وشرق أوروبا. تقريرٌ لوزارة الدفاع الأميركية أحصى 63 قاعدة صغيرة في 11 دولة في الشرق الأدنى والقرن الأفريقي بإلإضافة إلى تسهيلات متفاوتة في شمال أفريقيا. التقرير الصادر في 2004 يشير إلى وجود عسكري أميركي في 25 دولة من أفغانستان إلى المغرب. هذا الانتشار الواسع  يؤطّر استراتيجية الحرب الوقائية ومكافحة الإرهاب وتخليق شرق أوسط جديد.
***
كما سقط نظام صدام بغتةً سقط مشروع النظام الإقليمي الأميركي المستهدف، غير أن أستراتيجية الضربات الوقائية ظلت صامدة بما فيها ارتكازها على القواعد الصغيرة. الفكرة المحورية لهذه القواعد تحويلها من مقار جنود إلى مستودعات عتاد، معدّات وذخائر مع تزويدها بأنظمة اتصالات وسيطرة متطورة. من العناصر المؤثرة في إعادة التمركز الأميركي في المنطقة وفق هذا النسق الجديد جرى استحداث منهج الانتشار السريع. كذلك استهداف خفض الأعباء المالية الباهظة بالإضافة إلى امتصاص تبرّم العائلات الأميركية من غياب الجنود من الأبناء والآباء الطويل في الخارج. بالطبع، لا يغيب عن بال الأطراف المعنية تصاعد نبرة الاستياء الشعبي في المنطقة تجاه الوجود الأميركي العسكري. هذه مسألة تفرض حضورها على الأنظمة حالياً أكثر من أي وقت مضى في عواصم المنطقة على نحوٍ لا تستطيع حتى  واشنطن إغفالها.

أسئلةٌ عالقة تسهم الإجابات عنها في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في المنطقة

***
متى ما سكن القصف يُرافقُ الاستياءَ الشعبي الإحباطُ بما هو أحد أوسع مظاهر مرحلة ما بعد هذه الحرب. ذلك عنصرٌ يفرض كذلك حضورَه عند إعادة تشكيل المشهد داخل كل الدول بما فيها أميركا نفسها. كما يعيد حتماً رسم العلاقات داخل محيط الإقليم  وبين دول المنطقة وأميركا لا محالة. صحيحٌ تظل العلاقات الخليجية الأميركية تحتفظ بقدرٍ من ملامحها التاريخية، لكن من الصعب الجزم بثبات قسماتها. لحسابات نتائج الربح والخسارة من الحرب رصيدٌ هائل في إعادة تأطير علاقات دول الخليج وأميركا. ولكن هذه الحسابات لا تنطوي فقط على حجم الخراب والدمار في البنى التحتية، فهناك خسائر ومكاسب سياسية وإنسانية تقاس بموازين الذهب إذ ثقلها السيادة والكرامة الوطنيتان. مع ذلك، يساهم هذا الاستياء على اتساع مداه ولا ينفرد باعادة رسم التحالفات الإقليمية والعابرة.
***
هناك أسئلةٌ عالقة تسهم الإجابات عنها كذلك في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في المنطقة. صحيح لم تنجح حملات القصف المكثفة على إيران في تغيير النظام. لكن هل يخرج من تحت الركام جيلٌ يغيّر من توجهات طهران الإقليمية بغض النظر عما إذا كان الجيل الجديد وريثاً للقديم أم انقطاعاً عنه؟ هل تشكل مغامرة ترامب مرحلةً عابرةً أم بدايةَ انعطافٍ جديد داخل إدارات البيت الأبيض؟ بالتالي هل تعيد العواصم في المنطقة التفكير في محاور العلاقات مع واشنطن؟ ثم إلى أي مدىً يمكن تفكيك البعد الأمني أو تعزيزه داخل هذه الرؤى الجديدة؟ هذا السؤال يطرح أسئلةً أكثر إلحاحاً في شأن مصير القواعد الأميركية وجدوى بقائها قواعدَ للجنود أو مستودعاتٍ للعتاد ومرابط للمقاتلات أو حاملاتها؟ حتماً لن تبقى المنطقة طويلًا في حالة سيولة رمادية بل ستخرج لا محالة في إطار جيو استراتيجي مغاير لما كانت عليه عقوداً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى