
حين كانت شمس الصباح ترتفع فوق سهول حوران والجزيرة السورية، أو تتسلل بين كروم إدلب وحقول الزيتون في أرياف حلب والساحل، كانت المرأة الريفية قد أنجزت جانباً غير يسير من يومها قبل أن تستيقظ القرية؛ أعدت الطعام، وتفقدت المواشي، وحملت الماء، وأيقظت الأطفال، ثم اتجهت إلى الحقل في مواسم الزراعة والقطاف والحصاد، لتعود منه إلى أعباء البيت والأسرة. ولم تكن هذه الأعمال المتتابعة شأناً منزلياً عابراً، كما توحي بذلك بعض التصورات السائدة، وإنما شكلت جزءاً أصيلاً من اقتصاد الأسرة الزراعية ومن شروط بقاء المجتمع الريفي واستمراره. ومع ذلك، ظلت المرأة على هامش السرديات التي تناولت تاريخ الريف السوري؛ فقد انصرف التاريخ السياسي إلى الدولة والنخب والانقلابات والأحزاب، واهتم التاريخ الاقتصادي بالملكية والإصلاح الزراعي والأسواق، من غير أن يمنح العمل النسائي موقعه الفعلي في بنية الإنتاج والحياة الاجتماعية.
وبناء على ذلك، لا تقتصر دراسة المرأة الريفية على استدراك غيابها عن تاريخ الفلاحين، وإنما تستدعي قراءة طبيعة الأسرة الزراعية لأنها وحدة إنتاج وعلاقات تحكم في وقت واحد. وإن المرأة لم تكن عنصراً مساعداً داخل هذه البنية، وإنما كانت إحدى ركائزها الأساسية، وحلقة تصل البيت بالحقل، والعمل المادي باستمرار الأسرة، وذاكرة القرية بتحولاتها الاجتماعية والاقتصادية.
المرأة والأسرة الزراعية من منظور العمران الريفي
ينطلق ابن خلدون في تصوره للعمران من حاجة الإنسان إلى التعاون من أجل تحصيل قوته وتأمين حاجاته، كونه ضرورة حتمية يقوم عليها الاجتماع البشري. وفي ضوء هذا التصور، يمكن فهم الأسرة الزراعية في الريف السوري باعتبارها وحدة للإنتاج والاستهلاك والتكافل، تتوزع الوظائف داخلها تبعاً للعمر والجنس والموسم والحاجة، ضمن تداخل واضح بين العمل المنزلي والعمل الزراعي.
ولقد شاركت المرأة في الزراعة والحصاد وفرز المحصول وتجفيفه وتخزينه، وتولت رعاية المواشي وصناعة منتجات الألبان وإعداد المؤونة، إلى جانب تربية الأطفال والعناية بالمرضى والمسنين. وقد جمع هذا الدور بين إنتاج الغذاء والسلع وتجديد القوة البشرية والاجتماعية الضرورية لاستمرار الأسرة في العمل والإنتاج.
ويشير مفهوم إعادة الإنتاج الاجتماعي إلى جملة العمليات التي تنتقل بوساطتها المهارات والقيم والعادات وأنماط العيش بين الأجيال؛ فالمرأة التي تعلم ابنتها طرائق حفظ الطعام، وتنقل إلى أبنائها معرفة الأرض والمواسم وشبكات القرابة، تسهم في استمرار ثقافة ريفية تشكلت عبر تاريخ طويل من التفاعل مع المكان والطبيعة والموارد.
وعلى هذا الأساس، اعتبر البيت الريفي جزءاً من البنية الاقتصادية للمجتمع المحلي؛ ففيه تخزن الحبوب، وتصنع المؤونة، وتربى الحيوانات الصغيرة، وتتخذ قرارات الاستهلاك والادخار، ومنه تمتد شبكات التبادل والتعاون بين الأسر. ولذلك، يبدو وصف عمل المرأة بأنه “مساعدة” مقتصراً عن تفسير موقعه الحقيقي، حيث كان يمثل عنصراً بنيوياً في استمرار الأسرة الزراعية، خاصة في اقتصاد يعتمد بدرجة واسعة على العمل العائلي والأدوار المتكاملة بين أفراده.
من تاريخ الفلاحين إلى التاريخ المسكوت عنه للنساء
أسهم الدكتور عبد الله حنا في إعادة تدوين التاريخ الاجتماعي السوري من وجهة نظر الفلاحين والعمال والفئات الشعبية، فنقل مركز الاهتمام من مؤسسات السلطة إلى الحقول والقرى وأماكن العمل، ودرس علاقات الأرض والملكية والحركات الفلاحية والتفاوت الاجتماعي، مستفيداً من الوثائق والروايات الشفوية في استعادة حياة الفئات التي غابت تجاربها عن المدونات الرسمية.
وتتيح أعماله توسيع البحث ليشمل النساء بوصفهن بأنها فئة احتلت موقعاً أدنى داخل التراتب الريفي، رغم مشاركتهن الواسعة في الإنتاج الزراعي واستمرار الأسرة؛ فقد عملت المرأة في الأرض من دون أن يقترن عملها دائماً بامتلاكها أو بحقها في التصرف بعائدها، كما غاب جهدها غالباً عن سجلات الضرائب والعقود والأجور، فتحول حضورها الاقتصادي الفعلي إلى غياب تاريخي ووثائقي.
وقد تباينت خبرة النساء تبعاً لحجم الملكية ونوع الزراعة وخصوبة الأرض وتوافر المياه والقرب من الأسواق والعلاقة بملاك الأراضي والدولة؛ فالمرأة في الأسرة المالكة لقطعة صغيرة كانت تعمل للمحافظة على استقلال الأسرة الاقتصادي، في حين جمعت المرأة في الأسرة المعدمة بين أعباء المنزل والعمل الموسمي في أراضي الآخرين، في مقابل أجر أقل ومكانة اجتماعية أضعف. ومن ثم، يتطلب تحليل المرأة الريفية مراعاة تداخل النوع الاجتماعي مع الطبقة والملكية والموقع الجغرافي والبنية العائلية، والنظر إلى النساء باعتبارهن يشغلن مواقع اجتماعية متباينة داخل الريف السوري.
وأما حنا بطاطو، فقد أظهر أن الريف السوري كان قوة تاريخية فاعلة في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع في سوريا، بعدما انتقل أبناء الفلاحين وصغار الوجهاء الريفيين إلى التعليم والجيش والأحزاب والإدارة، وحملوا معهم إلى المجال السياسي آثار بيئاتهم الطبقية والثقافية. وقد استند هذا الصعود في جانب منه إلى عمل النساء اللواتي تولين إدارة البيت، وحفظ الصلة بالأرض، ورعاية الأطفال والمسنين عند انتقال الرجال إلى الجيش أو الوظيفة أو المدينة.
ووفق ذلك، يكشف تاريخ صعود أبناء الريف إلى مؤسسات الدولة عن مسارين متكاملين؛ مسار الذين غادروا القرية السورية بحثاً عن التعليم والعمل والنفوذ، ومسار النساء اللواتي حافظن على قواعدها المادية والاجتماعية. ومن شأن إدخال المرأة في قراءة بطاطو أن يوسع مجال التحليل ليشمل البنية الأسرية والعمل غير المسجل اللذين أسهما في تهيئة ذلك الصعود وضمان استمراره.
الاقتصاد المنغرس والعمل النسائي غير المحتسب
يتيح مفهوم “الاقتصاد المنغرس” عند عالم الاجتماع والأنثروبولجيا النمساوي كارل بولاني فهماً أعمق لطبيعة العمل في الريف، حيث تتداخل الأنشطة الاقتصادية مع علاقات القرابة والعرف والقيم الأخلاقية وشبكات التكافل، وتجري عمليات واسعة من الإنتاج والتبادل خارج السوق ومنظومة الأجور. وفي القرى السورية، تبادلت النساء الغذاء والبذور والخبرات والخدمات، وتعاونّ في مواسم الزراعة والولادة والمرض، فكانت الأسرة تؤمن جانباً من حاجاتها عبر شبكة اجتماعية تؤدي وظائف اقتصادية من دون عقود مكتوبة أو مقابل نقدي مباشر.
ويكشف هذا الواقع عن محدودية المقاييس التقليدية في تقدير العمل النسائي؛ فالمرأة التي تنتج الطعام، وتحفظ المؤونة، وترعى الأطفال، وتشارك في حصاد أرض الأسرة، تسهم في تكوين قيمة اقتصادية واجتماعية، رغم غياب نشاطها في كثير من الأحيان عن إحصاءات القوى العاملة والحسابات الرسمية للإنتاج.
ويعمق مفهوم “رأس المال الاجتماعي” عند المفكر الفرنسي بيير بورديو هذا التحليل، فهو يشير إلى الموارد التي تنتجها شبكات العلاقات والثقة والانتماء؛ فالأسرة تواجه الأزمات بما تملكه من أرض ومال، إلى جانب ما تستطيع تعبئته من روابط القرابة والجوار والمساندة. وقد أدت المرأة الريفية دوراً أساسياً في صيانة هذه الروابط، من خلال حفظ صلات الرحم، ومعرفة أحوال الأسر، وتنظيم المساعدة المتبادلة، ونقل المعلومات، والمشاركة في المناسبات، والوساطة في النزاعات، وبذلك أسهمت في إنتاج البيئة الاجتماعية التي تتيح للجماعة المحلية مواصلة حياتها.
فضلاً عن ذلك، يتقاطع هذا الدور مع تصور عالم الاجتماع الألماني فرديناند تونيز لـ “الجماعة” في كتابه “الجماعة والمجتمع المدني”، فهو رأى أن الجماعة قائمة على القرابة والعادة والانتماء المتبادل، في مقابل العلاقات التعاقدية والمصلحية التي تميز “المجتمع”. وقد احتفظت القرية السورية بكثير من خصائص هذا النمط الجماعي، وكانت النساء من أبرز الفاعلين في ترسيخ روابطه اليومية. وعلى الرغم من ذلك، اقترنت وظائف الحماية والتكافل بأشكال من السلطة والتراتب فرضت على المرأة أدواراً صارمة، وربطت مكانتها بالتضحية والطاعة والقدرة على الاحتمال؛ الأمر الذي يستدعي قراءة الجماعة الريفية ضمن تناقضاتها الاجتماعية، بعيداً عن التصورات الرومانسية التي تحجب ما تنطوي عليه من تفاوت وحرمان.
أخلاق الكفاف واستراتيجيات البقاء
يرى عالم السياسة الأميركي جيمس كابل سكوت أن سلوك الأسرة الفلاحية تحكمه أولوية الحفاظ على الحد الأدنى من الأمان المعيشي قبل السعي إلى تعظيم الربح؛ فالفلاح القريب من حافة الفقر يميل إلى المورد المحدود والمضمون، ويتجنب المغامرات التي تحمل إمكانية الربح ومخاطر فقدان شروط البقاء في الوقت نفسه. ويساعد هذا التصور على فهم تمسك الأسر الريفية السورية بقطعة الأرض الصغيرة والحيوان والحديقة المنزلية والمؤونة، رغم تواضع عائدها المالي، لأنها شكلت شبكة أمان في مواجهة البطالة وارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق وتقلب المواسم.
وشغلت المرأة موقعاً مركزياً في إدارة اقتصاد الكفاف؛ إذ تولت توزيع الغذاء على أشهر السنة، وتحديد حصص الاستهلاك والتخزين، وإعادة استخدام الموارد المتاحة، والعناية بالحيوانات المنزلية، وتحويل الفائض المحدود من المحصول إلى مؤونة تحفظ للأسرة أمنها الغذائي خلال الشتاء.
وقد أظهرت الحرب في سوريا القيمة الفعلية لهذه الخبرات، فعندما تعطلت الأسواق، وتراجعت فرص العمل، وارتفعت الأسعار، وتضررت شبكات الري والنقل، تحولت المهارات الموروثة إلى وسائل عملية للصمود. واكتسبت صناعة المكدوس والكشك واللبن المجفف وتخزين الحبوب وظيفة تتجاوز العادة الثقافية، لتصبح استراتيجية في مواجهة الندرة وعدم اليقين، كما غدت الدجاجات والأغنام القليلة أصولاً منتجة تمنح الأسرة قدراً من الاستقلال عن السوق.
المرأة الريفية والتحول القسري في سورية في الوقت الراهن
مثلت الثورة السورية وما تبعها، عملية اجتماعية واقتصادية عميقة أعادت تشكيل بنية الأسرة والاقتصاد المحلي وتوزيع الأدوار ومواقع السلطة؛ فقد غاب كثير من الرجال بسبب الموت أو الاعتقال أو الهجرة، وتعرضت الأسر للنزوح، وتضررت الأراضي والخدمات، فانتقلت نساء كثيرات من المشاركة في اقتصاد الأسرة إلى الإدارة المباشرة لمواردها وتحمل مسؤولية قراراتها اليومية.
وجاء هذا التحول محملاً بأعباء تفوق ما أتاحه من حقوق؛ إذ أدارت المرأة الدخل، وعملت ساعات أطول، وتحملت مسؤوليات الإعالة والرعاية، مع استمرار القيود المتعلقة بملكية الأرض وحرية التصرف والاعتراف القانوني والاجتماعي بدورها. ويكشف ذلك عن فارق جوهري بين “تأنيث المسؤولية”، الذي يعني انتقال مزيد من الأعباء إلى المرأة تحت ضغط الأزمة، و”التمكين”، الذي يقوم على اتساع قدرتها على الاختيار والوصول إلى الموارد والمشاركة في صنع القرار.
ويتقاطع هذا التمييز مع منظور الاقتصادي الهندي أمارتيا سن إلى التنمية بوصفها توسيعاً للقدرات والحريات؛ فالتمكين يرتبط بحق المرأة في الأرض، وإمكان حصولها على التمويل والتدريب والتكنولوجيا والوصول إلى السوق، إلى جانب قدرتها على التأثير في القرارات المرتبطة بالأسرة والمجتمع المحلي.
كما يستدعي الحديث عن صمود المرأة الريفية قدراً من الحذر؛ فتمجيد قدرتها على الاحتمال قد يحجب ما تتعرض له من استنزاف متواصل في ظروف الفقر والنزوح وتراجع الحماية والخدمات. ومن ثم، تقوم السياسة الريفية العادلة على تخفيف الأعباء غير المتكافئة، والاعتراف بالعمل النسائي، وتحويل الخبرات المحلية المتراكمة إلى حقوق وفرص ومؤسسات تعاونية مستدامة.
وفي المحصلة، يصعب فهم الريف السوري من دون المرأة التي بدأت يومها قبل أن تستيقظ القرية، ووزعت جهدها بين الأرض والبيت والأسرة، وحملت معها ذاكرة المكان وخبراته المتوارثة. فقد كان عملها ركناً في اقتصاد القرية، وكانت روابطها بالأقارب والجيران مصدراً للتكافل والأمان في أزمنة الشدة. وحين غاب الرجال، وتضررت الأرض، واضطربت الأسواق تحت وطأة الحرب، حافظت المرأة على الحد الأدنى من انتظام الحياة وتماسك الأسرة. ومن هنا، فإن تاريخ الريف الذي يغفل حضورها يبقى تاريخاً ناقصاً؛ لأن القرية السورية قامت على أكتاف من ظهروا في واجهتها، وعلى أيدي نساء حفظن في صمت الأرض والبيت وذاكرة الجماعة.
المصدر: تلفزيون سوريا






