
ربما يتذكّر رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، حكاية لقائه الأول بنوري المالكي التي رواها الأخير في إحدى مقابلاته التلفزيونية، وكيف طرح الزيدي ما يراها من حلول للمشكلات التي تعاني منها البلاد، وبخاصة في المجال الاقتصادي، بحكم أنه من رجال الأعمال المعروفين، وكيف عرض عليه المالكي الترشح لمنصب رئيس الحكومة لتطبيق أفكاره في هذا المجال، خصوصاً أن البلاد كانت تمر في أزمة البحث عن رئيس للحكومة، بعد أن رفضت الولايات المتحدة ترشيح المالكي أو أي مرشح آخر من وكلاء إيران. وظهر الزيدي شخصيةً مقبولةً لكونه لم يعمل في السياسة من قبل، وليس له هوى إيراني مكشوف، ويتذكر أنه اعتذر عن عدم قبول المهمة، لكن الظروف جاءت به رئيساً، بعد حين، وبتوافق كامل من قبل المهيمنين على إدارة شؤون الدولة، بمن فيهم قادة الإطار التنسيقي وزعماء المليشيات.
استطاع الزيدي أن يحصل على نوع من التفويض الشعبي المساند لإجراءاته التي شرع فيها منذ اليوم الأول لتسنّمه السلطة
وعلى أية حال، فقد قبل الزيدي بعد لأي، وفي ذهنه برنامج إصلاحي لحل المعضلات الشائكة التي عانت منها البلاد أزيد من 20 عاماً، معضلة السلاح الذي في حوزة المليشيات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ووجود مناطق مغلقة بيد هذه المليشيات التي تعتبر قوة فاعلة اتخذت من مؤسسة “الحشد الشعبي” غطاءً شكلياً لها، ومعضلة تغلغل الفساد في كل مفاصل الدولة، وسيطرة الأحزاب على المال العام من طريق إنشاء “مكاتب اقتصادية” سرية تضمن توزيع العمولات والرشى فيما بينها، وإخضاع مناصب الوزارات والدرجات الوظيفية العليا لمزاد معلوم يرسو على من أن يدفع أكثر، وثالثة الأثافي وأخطرها المحاصصة الطائفية التي شكلت عنوان الدولة، وقد بلغت مدى شمل جميع المناصب والدرجات الوظيفية المتقدمة، ومع هذه الأثافي الثلاثة تبرز معضلة إدارة العلاقات الخارجية على نحو يضمن قدراً من تحقيق سيادة الدولة واستقلالها، خصوصاً أن العراق لا يزال يعاني من بقايا الاحتلال الأميركي، وكذا من الهيمنة الإيرانية التي دخلت كل مفاصل المجتمع العراقي، وأكلت من جرف هويته الوطنية، ووضعته في خدمة المشروع الفارسي الإقليمي الشرير.
كل هذه الأجندة وضعت أمام الزيدي في لحظة فارقة مليئة بالتعقيدات، إلا أنه بدا متفائلاً بما يمكنه أن ينجزه، وواثقاً من قدرته على تجاوز ما قد يعترض طريقه من عقبات، لكن قادة الإطار التنسيقي وزعماء المليشيات كانوا يفكرون على نحو مختلف، ويضمرون نيتهم الالتفاف على ما هو مطروح عند أول فرصة تتيح لهم قلب الطاولة، خصوصاً أنهم يحظون بدعم حكومة طهران ومساندتها، وهي التي لم تكن راضية عن اختيار الزيدي رئيساً للحكومة، وفي أسوأ الظروف انتظار انتهاء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمراهنة على مجيء الديمقراطيين، وعند ذاك سيكشفون عن نياتهم الشريرة، ويجهضون أية خطوات إصلاحية قد تقود إلى تغيير شامل، سواء التي جاء بها الزيدي، أو قد يجيء بها غيره.
وقد يكون مفيداً التذكير بما كان الزيدي قد حصل عليه من دعم كامل لخططه من قبل الولايات المتحدة، وبخاصة من قبل الرئيس دونالد ترامب الذي استقبله في البيت الأبيض على نحو استثنائي، ووصفه بأنه شخصية قوية وقادرة على حل مشكلات العراق، كذلك استطاع أن يحصل على نوع من التفويض الشعبي المساند لإجراءاته التي شرع فيها منذ اليوم الأول لتسنّمه السلطة.
أمام الزيدي اليوم امتحان صعب، وليس معروفاً ما إذا كان سيكون في إمكانه اجتيازه بسهولة، ومن دون تراجع
ولكن ما فاجأ القادة والزعماء من “الحيتان الكبار”، إطلاق الزيدي “صولة الفجر” في مواجهة الفساد والفاسدين، التي لم تكن في حسبانهم، وقد خلقت لديهم موجة رعب وقلق، وجعلتهم يستعجلون تنفيذ خططهم المناوئة، خوفاً من أن تصل إليهم تلك الموجة، وشرعوا في اختبار سلسلة ضغوط، وحملة افتراءات بظنهم أنها قد تدفع الزيدي الى التراجع، وربما الاستقالة، ووصل الأمر الى تهديده من زعماء مليشيات معروفة، وقيل إن اسمه وضع على قائمة الاغتيالات المحتملة، إلا أنه ظل، كما كشفت تصريحاته وتغريداته الأخيرة، على قدر من الصلابة، والإصرار على إكمال المشوار الذي أتيح له.
أياً ما كان الأمر، فإن أمام الزيدي اليوم امتحاناً صعباً، وليس معروفاً ما إذا كان سيكون في إمكانه اجتيازه بسهولة، ومن دون تراجع، وهذا ما نأمله منه، وإلا فإن “الأخوة الأعداء” مستعدون، كما أظهرت تداعيات الأيام الماضية، للكيد له وإطاحته، وفي تلك الحال قد يحدث ما لا يمكن التكهن به.
المصدر: العربي الجديد






