
تشاء الأسطورة أن تكون سبتة المغربية (على ضفاف المتوسّط) ابنة الطوفان، إذ تقول كتب الأنساب الجغرافية القديمة إنّ أوّل من سكن المنطقة وبنى فيها بيتاً كان سبت بن يافث بن نوح، في حين تعني لغوياً انقطاعها عن البحر. وعرق الأسطورة دسّاس، فقد شاهدنا جميعاً طوفاناً بشرياً، في أكبر عملية هجرة علنية، قادت قرابة 60 ألف مغامر، بحسب مصادر إسبانية، إلى سبتة المحتلّة. وكان هذا العبور غير المسبوق مباشراً وبالتفصيل السمعي والبصري الشامل. وبالرغم من ذلك، يندهش المتابع من تعدّد القراءات وتموّجاتها، حتّى بتنا أمام سرديات متناقضة، تتعدّد بتعدّد زوايا الرهانات التي يحملها كلّ خطاب. ولعلّها سرديات متقاطعة تترجم، في العمق، تعقّد وتشابك ما حدث. وتترجم، إلى حدّ ما، ما قاله ابن عذاري المراكشي من أنّ سبتة “مجمع البحرَين، وقاعدة البرّ والبحر، واللؤلؤة الحالّة من الدنيا بين السحر والنحر”. ويستوجب تتبّع أحداثها الجمع بين البرّي والبحري، وبين الداخلي والخارجي، وبين الرمزي والمادّي، وبين الحاضر والمستقبل، وبين السياسة والسياحة… إلخ.
انتقد بعضهم تأخّر صدور البيان المغربي، وفسّر آخرون تأخّره بأنّه موقف مقصود، وطريقة في تدبير الملفّ من طريق الغياب
بالنسبة إلى الأطراف المعنية مباشرة بالقضية، إسبانيا والمغرب والاتحاد الأوروبي، اختلفت المواقف. قال البيان المغربي المتأخّر (صدر عن وزارة الداخلية يوم الأحد الماضي) إنّ القرارات الإسبانية المتعلّقة بتقييد إمكانية تطبيق إجراء الإعادة الفورية على بعض المهاجرين غير النظاميين الذين يُعترض سبيلهم في عرض البحر، أفضت، في ظلّ ما رافقها من تأويلات مغلوطة وتداول مضلّل، إلى ترسيخ قناعة لدى بعض الراغبين في العبور بإمكانية تفادي الإعادة الفورية، وهو ما ساهم في بروز نمط واحد من محاولات الهجرة غير النظامية، قوامه العبور سباحة، باعتباره الوسيلة التي اعتقد بعضهم أنّها توفّر فرصاً أكبر للإفلات من الإعادة الفورية.
انتقد بعضهم تأخّر صدور البيان المغربي، وفسّر آخرون تأخّره بأنّه موقف مقصود، وطريقة في تدبير الملفّ من طريق الغياب، فيما يشبه تحميل مدريد مسؤولية ما حدث، أو ترك المجال مفتوحاً أمام الإسبان لتدبير وضع كانوا السبب الأهمّ في حصوله. هذا الموقف جعل مدريد في الأيّام الأولى المصدر الوحيد للخبر والتفسير والتعليق.
وقد تعدّدت مواقف الجانب الإسباني، إذ كانت سلطات سبتة المحتلة أوّل من قدّم روايته للخبر وتحدّث إلى العالم، ثمّ جاء الدور على الحكومة المركزية ممثّلة في بيدرو سانشيز الذي انتقل إلى جيب سبتة المحتلّة ليقف إلى جانب سلطاتها. وقد أعلن سانشيز قراءته للحدث، معتبراً أنّ “إشاعة” تتعلّق بحكم قضائي غير مسبوق تقول إنّ العبور إلى سبتة عبر البحر لا يُجبر الحكومة على إخضاع المهاجرين لـ”العودة الفورية أو الساخنة”. وبالتالي، فإنّ ذلك يمنح فرصة واسعة للمهاجرين لتسوية أوضاعهم. وهذه الإشاعة، بحسب سانشيز، استغلّتها مافيا الهجرة، فحرّكت شبكاتها الواقعية والافتراضية من أجل تعبئة غير مسبوقة في التنقيل والعبور الجماعي.
وفي مرحلة ثالثة، اعتبر الإسبان أنّ ما حدث يهدّد السيادة، وتتابعت، في هذا الاتجاه، مواقف الفاعلين السياسيين، سواء محلّياً أو وطنياً، ومن جهات حكومية أو مدنية، وصولاً إلى خروج المؤسّسة الملكية، في شخص فيليب السادس، للدفاع عن “وحدة الصفّ” في مواجهة الوضع الجديد، والمواقف الأوروبية بالأساس.
وفيما يتعلّق بسردية الفاعل الأوروبي، كان لافتاً أنّ المواقف المُعبّر عنها أثبتت أنّ الاتحاد الأوروبي ليس التكتّل الوحدوي الذي نعتقده، وأنّ الخلاف كان حادّاً في التعامل مع الحدث. ولعلّ أوّل ردّة فعل جاءت من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التي اعتبرت أنّ إسبانيا تقدّم نموذجاً سيئاً في تدبير الملفّ، وذهبت إلى حدّ تعليق العمل باتفاقية شنغن من جانبها. وسارت عواصم أوروبية أخرى، في الدنمارك والتشيك وبولندا، في اتجاه الدعوة لتعليق شنغن، ولم تعبّر عن تضامن كانت مدريد تنتظره، بل دافعت كلّ دولة عن مصلحتها، كما فعلت فرنسا التي شدّدت حماية الحدود، وعزّزت المراقبة عبر رفع عدد قوّات حرس الحدود.
وفي المقابل، أشاد المسؤولون في الاتحاد الأوروبي، ومنهم مسؤولون إسبان بتعاون المغرب، على عكس ما حدث في عام 2021، على الرغم من أنّ النزوح قاد عدداً يفوق أعداد تلك السنة بخمس مرّات. وقتها، كانت مدريد قد عبّأت بروكسل ضدّ المغرب، واعتبرت الأزمة بين الطرفَين من أقسى الأزمات. أمّا اليوم، فقد تطوّرت الأمور كثيراً مقارنة بتلك الفترة، حتّى بالنسبة إلى القضايا الجوهرية، مثل قضية الصحراء الوجودية بالنسبة إلى المغرب.
وفي وقت تثمّن فيه مدريد التعاون المغربي، لا سيّما عودة قرابة 48 ألفاً من المهاجرين بعد 48 ساعة فقط من العبور الكبير، تبنّت أطراف خارجية، ومنها بعض أطراف الإسلام السياسي وإيران، سردية مؤامراتية تعتبر أنّ ما وقع يستهدف الزعيم الإسباني بيدرو سانشيز بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية، وبلغت الرعونة حدّ القول إنّ ما وقع تخطيط مشترك مغربي–إسرائيلي–أميركي ضدّه، لأنّه ضدّ أميركا ومع فلسطين. وهي سردية وجدت، للأسف الشديد، بعض الصدى لدى رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكذلك لدى بعض أوساط الإسلام السياسي في تونس، كما هي حال وزير الخارجية السابق في حكومة حركة النهضة. وذهبت إليها أيضاً بعض الأوساط الداخلية ذات النظرة المشكّكة في العلاقات المغربية مع الخارج، خلافاً لمعنى رمزي وعقدي قديم في المغرب، جعل أبا الحكم مالك بن المرحّل يربط في مطلع قصيدة مشهورة له بين سبتة والحرمَين: “سلام على سبتة المغرب/ أُخيّة مكّة أو يثرب”. كما غيّبت هذه السردية الطابع الاستعماري للوجود الإسباني في المدينة.
ولعلّ هذه السردية المهزوزة كان لها وجه آخر، مثل العملة ذات الوجهَين، إذ فضّل بعضهم الادّعاء بأنّ الحدث كان من تخطيط مغربي لاستعمال الورقة البشرية ضدّ إسبانيا. وكانت هذه القراءة تستند إلى أنّ إسبانيا اتّخذت مواقف عديدة أربكت الرأي العام المغربي أو المزاج العام، ومنها زيارة بيدرو سانشيز الجزائر، وتجنيس الأطفال الصحراويين… إلخ. وهذه السردية لم تجد صداها المُغري إلّا في وسائل إعلام خارجية مثل قناة “إل سي أي” الفرنسية، وبعض الصحف اليمينية والامتدادات اليمينية الإسبانية داخل الحقل الإعلامي.
وفي المقابل، استبعد المحلّلون المغاربة الرصينون أن يرسل المغرب إشارات متناقضة في اللحظة نفسها؛ فمن جهة، يعبّر باعتزاز عمّا تحقّق، وما جاء في خطاب العرش بالتفصيل، سواء في التصنيع والبنى التحتية أو في الطاقات المتجدّدة. ومن جهة ثانية، يرسل إشارات سالبة بترحيل الآلاف من أبنائه، وأغلبهم قاصرون. ولا يمكن للعقل أن يستسيغ أن يفسد المغرب إحدى أفضل مناسباته في التقويم التاريخي الوطني، وليس فقط في الراهن السياسي، أي عيد العرش.
لا بدّ من تكثيف الجهود لاستغلال طاقات الشباب المغربي ومؤهّلاتهم على نحو إيجابي ومنتج قبل إهدار فرص التاريخ
ولم تغب سردية المؤامرة عن التفاعل الداخلي المغربي، إذ مالت بعض التحليلات المغربية إلى البحث في تزامن حدث العبور الكبير مع عيد العرش في 30 يوليو/تمّوز، وطرح بعضهم سؤال التزامن من باب التشكيك في دوافع هذه الحركة الجماعية غير المسبوقة.
داخلياً، كانت السردية الوطنية، في بعض جوانبها، مغايرة تماماً، إذ جرى التركيز على المفارقة المغربية بين نمو كبير ومنجزات وردت في الخطاب الملكي، كما سبقت الإشارة، وبين الهشاشات الاجتماعية الكُبرى التي صدرت حتّى عن المؤسّسات الرسمية، ووردت في وقت سابق في خطابات الملك نفسه. ومن ذلك تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الصادر عام 2024، الذي يتحدّث عن أنّ “الحقيقة الصعبة التي تهدّد مستقبل المغرب هي أنّ 1.5 مليون شابّة وشابّ مغربي بين 15 و24 سنة، لا ينتمون إلى فئة التلاميذ أو الطلبة أو المتدرّبين في التكوين المهني، ويوجدون في وضعية بطالة أو خارج السكّان النشطين، أي لا يبحثون عن الشغل لسبب من الأسباب. شباب لا يشتغلون، وليسوا في المدرسة، ولا يتابعون أي تكوين (NEET): أي آفاق للإدماج الاقتصادي والاجتماعي؟”.
وللخروج من هذا الوضع، لا بدّ من تكثيف الجهود لاستغلال طاقات الشباب ومؤهّلاتهم على نحو إيجابي ومُنتِج قبل إهدار فرص التاريخ. وقد كانت هذه السردية أقرب إلى المحاكمة السياسية لـ”مغرب السرعتَين”، كما سمّاه الملك محمّد السادس، وللحكومة القائمة التي اشتهرت بقوّة أصحاب المال والنفوذ. والغالب في هذه السردية البحث في الوازع السوسيولوجي والطبقي، وحالات الانحباس والفشل في السياسة الاجتماعية للحكومة، على الرغم من دخول المغرب في الزمن الاجتماعي بمشروع الدولة الاجتماعية.
المصدر: العربي الجديد






