في التسارع الأميركي لمكافحة “الإخوان المسلمين”

    خيري عمر

بعد إصدار البيت الأبيض ورقته لمكافحة الإرهاب في مايو/ أيّار الماضي، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية، في 23 يوليو/ تمّوز الجاري، أفراداً، وكيانات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، في قوائم العقوبات والإرهاب، لتعكس نمطاً متسارعاً في تطلّع دونالد ترامب إلى إحداث قطيعة مع عقود من التعايش امتدّت نحو 50 سنة، ما يثير النقاش عن سياقات المراجعة الأميركية تجاه تصنيف الجماعة ضمن مصادر التهديد المباشر.

ومع سرعة تتابع القرارات، يمكن اعتبار التحرّك الأميركي غير تقليدي، إذ يمكن قراءة قرار وزارة الخزانة بوصفه خطوةً نوعيةً ستفرض قيوداً على الجماعة. فقد جمع بين العاملَين التنظيمي والجغرافي. فمن جهة، يتيح إدراج الأمين العام للتنظيم الدولي، محمود الإبياري، إمكانية الوصول إلى فروع “الإخوان”، لما يمثّله من دور محوري في تحريك الجماعة منذ عام 2015. ومن جهة أخرى، وبغضّ النظر عن الحماية القانونية وعبء الإثبات، يفرض إدراج كيانات يقع مقرّها في بريطانيا وتركيا قيوداً على نشاط الجماعة ووجودها في أهم مركزين دوليين.

على أيّ حال، تعكس الإجراءات الراهنة جانباً من مراكمة إدارة ترامب لإعادة تعريف “الإخوان المسلمين”. فمن وجهة أوّلية، يُعدّ قرار وزارة الخزانة تطبيقاً سريعاً لوضع الوثيقة الأميركية “الإخوان” تحت تصنيف “منظّمة إرهابية أجنبية – FTO”، وهو ما يمهّد الطريق لسلسلة من إجراءات الحظر، تشمل الأصول المالية، ومنعها من التعامل مع النظام المالي الأميركي، ومنع أنشطتها في الأراضي الأميركية، بالإضافة إلى المنع من السفر أو الإقامة في الولايات المتحدة.

في حقيقة الأمر، يترجم تتابع القرارات وتقاربها الزمني مساعي إدارتي دونالد ترامب، السابقة بين 2016 و2020، والحالية منذ العام الماضي، فصاغتا رؤية تراكمية في تعريف المنظّمات الإرهابية. وهنا تبدو أهمّية قراءة “استراتيجية مكافحة الإرهاب” باعتبارها مرتكز القرارات اللاحقة.

من وجهة أولى، عُرّف “الإخوان المسلمين” بوصفهم جذراً لجماعات العنف، إذ كانت نظرة السياسة الأميركية إلى “الإخوان” على مستويَين: فمن الناحية الفكرية، اتُّخذت أدبيات الجماعة مؤشّراً على تشابهها في المرجعية، حيث مركزية الخلافة شكل للدولة الإسلامية، وتبرير قتل أو سحق غير المسلمين في أيّ مكان في العالم. ومن الناحية التنظيمية، تشير الوثائق الأميركية إلى وجود تداخل مع جماعات “القاعدة” و”داعش” و”داعش– خراسان”، وهي منظّمات تولّدت تطوّرياً من سياقات الحرب الأفغانية.

بدأت مراحل هذا التداخل الأولى بمساهمة “المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي”، بوصفه جسراً بين مكوّنات “الإسلام السياسي”، فشكّل نواة العمل المشترك على مدى الفترة 1991–2000، تحت رعاية مشروع حسن الترابي و”الإخوان المسلمين” لتجسيد أيديولوجيا “الجهاد العالمي”، على أرضية استدعاء مؤتمر فبراير/ شباط 1992 خطاب السخط لدى سيّد قطب ضدّ الحكومات العربية، بوصفه مرجعيةً لتأهيل الأجيال، وفتح الطريق نحو إعلان “الجبهة العالمية للجهاد ضدّ اليهود والصليبيين” في فبراير 1998، لتنتشر فروعها في الجزيرة العربية ووسط آسيا والصومال والعراق وإقليم الساحل والصحراء.

يمثّل العقد الأول من القرن الحالي ذروة ميل واشنطن إلى دمج “الإخوان المسلمين” في السياسية العربية تحت برامج نشر الديمقراطية

وقد ارتكزت الوجهة الثانية للاستراتيجية على تصنيف تحالف الإسلاميين واليسار المتطرّف تهديداً مباشراً، من زاويتَين: تقارب سمات العنف ضدّ الأمركة، وقدرة شبكات العلمانية المتطرّفة والجريمة على الوصول، عبر الجمعيات المدنية، إلى الأراضي الأميركية. وهو ما يعكس منظوراً جديداً يراعي تغيّرات “الإخوان المسلمين” واليسار. فمنذ عام 2004، أسهم التحاق أعضاء “الإخوان” ببرامج المجتمع المدني وحقوق الإنسان في جامعة القاهرة في تبنّي الإسلاميين أفكار غرامشي عن ثنائية المجتمع في مواجهة السلطة، ليكون مسار الحراك المشترك تحت مظلّة “الجبهة العالمية لمكافحة الصهيونية” وحركة كفاية، متجاوزاً التباين حول مرجعية التمكين الثقافي للماركسية أو للأيديولوجية الدينية. وكانت الوجهة الثالثة هي التداخل بين أشكال مختلفة من التهديد للمصالح الأميركية، جمعت بين تجارة المخدّرات وإيران و”الإخوان”، لتشكّل شبكة تهديد هجينة يمتدّ نشاطها بين أميركا اللاتينية والشرق الأوسط. وهنا تقوم السياسة الخارجية على مسارَين: استعادة الهيمنة على المجال الحيوي الجنوبي، وتفكيك تحالف شبكات تجارة المخدّرات والعنف، في سياق يفسّر محاكمة رئيس فنزويلا السابق والحرب ضدّ إيران باعتبارهما تقويضاً لمصادر التهديد المتكاملة والدائرية بين فنزويلا وحزب الله في تجارة المخدّرات، وتحالف الجماعات المتطرّفة، مثل حركة الشباب والحوثيين.

وبشكل عام، وكما في قرارات التصنيف السابقة، وضعت السياسة الأميركية قائمةً شملت كلّ ما يمثّل مصادر للقوّة أو التأثير: التمويل والتنظيم والدول الحاضنة. وعلى المستوى النظري، تتبنّى الولايات المتحدة نسقاً شمولياً ووقائياً لمنع وصول الإرهابيين إلى السلاح النووي أو السيطرة على مصادر الطاقة، وسدّ الطريق أمام وصولهم إلى السلطة، سواء بالاستيلاء عليها أو عبر الانتخابات. وفي هذا السياق، تُرى الحرب ضدّ إيران في إطار حرمان الاعتماد المتبادل بين الثورة الإيرانية و”الإخوان” من التحوّل إلى آلية هيمنة على دول الخليج.

وفي سياق تراكمي، يمكن قراءة ما يقدّمه ترامب منذ دورته الأولى بوصفه قطيعةً مع السياسة الأميركية تجاه “الإخوان”، إذ ينقل العلاقة من التعايش إلى مساحة المخاطر والتهديد. وقد صاغت الإدارة الحالية توجّهات مخالفة لمرحلة ما بعد حرب أفغانستان، إذ تلقي اللوم على تساهل الإدارات السابقة، ومنها فترة بايدن، مع مخاطر تهدّد أمن الولايات المتحدة، وهنا قبول وصول المنظّمات الجهادية إلى السلطة.

تؤسّس استراتيجية الأمن القومي الأميركي لعام 2025 لمرحلة مختلفة في التعامل مع الإسلاميين

فقد كانت فترة ما بعد عام 1979 مرحلة تعايش مع وجود الجماعة في الغرب، والقبول بدمجها سياسياً في الشرق الأوسط، وحُوِّلت فيها حركة الإخوان المسلمين إلى منظّمة عابرة للحدود، من مرحلة القتال إلى الانخراط في الحركات الجهادية ومرافقة التمدّد الإيراني في البلدان الإسلامية. ويمثّل العقد الأول من القرن الحالي ذروة ميل السياسة الأميركية إلى دمج “الإخوان المسلمين” في النظم السياسية العربية، تحت برامج نشر الديمقراطية المدعومة من مبادرة كولن باول عام 2003، وتصور كونداليزا رايس عام 2005 عن الديمقراطية و”الفوضى الخلّاقة”، بالإضافة إلى تفاهمات هيلاري كلينتون مع المعارضة في الدول العربية، ليبلغ الاحتجاج ضدّ الحكومات ذروته في عام 2011، ويضع “الإخوان” والجهاديين في صدارة المشهد السياسي ثمرةً للتداخل مع المصالح الأميركية.

وعلى الرغم من هذه المسارات الممتدّة، تعبّر الوثيقة الأميركية عن تغيّر في الموقف الأميركي من “الإخوان المسلمين”، فهي تؤسّس لمراجعة سياسية وأمنية، هي محصّلة تضافر وثائق عديدة في صياغة التوجّه العام للسياسة الأميركية، بهدف إبقاء الجماعات في وضع لا يسمح لها بشنّ هجمات ضدّ الولايات المتحدة، وعدم الإخلال بحماية المسيحيين من الإرهاب. وبهذا المعنى، تتكامل مع استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 في إرساء ثلاثة مرتكزات أمنية: تقويض الأصولية، وحماية النظام الأميركي، والمحاسبة على الانتهاكات، ما يمكن أن يؤّسّس لمرحلة مختلفة في التعامل مع الإسلاميين.

على أيّ حال، من خلال دلالة التطوّرات المتسارعة، وعلى الرغم من اتّساع مساحة المواجهة مع الشبكات التنظيمية، يعكس الإدراج الأميركي للقياديين والكيانات المؤثّرة نوعاً من الجدّية في انتقاء الأهداف والتعامل مع المراكز المؤثّرة في الجماعة وشبكة علاقاتها مع الجماعات المتطرّفة، بما يمثّل ضغطاً سياسياً على دول الإقامة ومقارّ الشركات المُستهدَفة. وفي ظلّ الظروف الراهنة، تتزايد احتمالات أن تجد السياسة الأميركية مناخاً مواتياً لبناء تحالف دولي لمواجهة الإرهاب، جرّاء اتّساع مشكلات “الإخوان” مع حكومات عديدة في الشرق الأوسط وبعض دول أوروبا.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى