سبتة في عين العاصفة الجيوسياسية

  المهدي مبروك

زحف ما يناهز خمسين ألف مهاجر مغربي وغيرهم من المهاجرين إلى مدينة سبتة التي لا يتجاوز عدد سكّانها 80 ألف نسمة، قادمين إليها من البرّ والبحر. هم لا يدخلون مدينتهم ولا ترابهم الذي غدا إسبانياً منذ أكثر من خمسة قرون تقريباً، بل يجتازون حدوداً استقرّت في القانون الدولي تفصل بين عالمَين متقابلَين: عالم الرخاء والحقوق والرفاه، وعالم الشقاء والاستغلال والفقر. وقد لا تكون هذه الصورة متطابقة مع الواقع، لكنّها تُرسم في خيال الناس على هذا النحو، ولذلك تهون عليهم تلك المجازفة، وقد يصل الأمر إلى حدّ المقامرة بالحياة. وتنقل شهادات العديد ممَّن تحدّثوا إلى مختلف وسائل الإعلام الأجنبية تلك الحقيقة.
ومع ذلك، فإنّ التفسير الكلاسيكي المعتمِد على أسباب الدفع والجذب يظلّ قاصراً عن فهم ديناميات تدفّقات الهجرة غير الشرعية وسياقاتها المعقّدة والمتحرّكة. لذلك، يبدو أنّ حسابات جيوسياسية لمّح إليها وزير الداخلية الإسباني هي التي دفعت إلى إنتاج هذه الموجة الاستثنائية في تاريخ الهجرة بين البلدَين. دامت الأزمة أقلّ من يومَين، فعاد جلُّ الذين زحفوا إلى المدينة، وهو ما عمّق الأسئلة التي لم تجب عنها سلطات البلدَين بكلّ وضوح.

انتقل سانشيز في ولايته الثانية إلى طور جريء في سياسات إسبانيا الخارجية، أهمّها الموقف المناهض للحرب الأميركية على إيران

ظاهرياً، لا شيء يوحي بأنّ نزاعاً أو شجاراً نشب بين الرباط ومدريد أخيراً، حتّى نقرأ الزحف إلى مدينة سبتة بوصفه ردّة فعل من السلطات المغربية لمعاقبة مدريد أو الضغط عليها حتّى تتنازل وتستجيب لمطالبها، خصوصاً أنّ جلّ التسويات التي قامت بها الحكومات الإسبانية المتعاقبة لأوضاع ملايين المهاجرين استفاد منها المغاربة بشكل بارز، لاعتبارات عديدة. ولذلك، علينا أن نبحث عمّا بدا أحداثاً ووقائعَ متناثرةً في البحر الأبيض المتوسّط، وحتّى خارجه، لعلّها تساعدنا في فهم ما حدث، خصوصاً إذا ما جُمعت لتدلنا على خيط ناظم ورفيع رتّب هذه الموجة العاتية من تدفّقات الهجرة.
خلال العقود الماضية، كانت إسبانيا من أكثر البلدان التي سوّت أوضاع ملايين المهاجرين. ولم يكن ذلك مجرّد مبادرة عاطفية وأخلاقية تجاه هؤلاء الذين وصلوا إليها هرباً من الجوع والفقر، وهم في جلّهم قادمون من بلدان أفريقية. فهي بلد هرم سكّانياً، فضلاً عن تسجيله نسب نمو اقتصادي جيّدة ضاعفت حاجته إلى يد عاملة تسهم في التجديد الجيلي ديموغرافياً.
في سنة 2000، سوّت إسبانيا أوضاع ما يناهز 165 ألف مهاجر، وكان ذلك مع حكومة خوسيه ماريا أثنار، من الحزب الشعبي (يمين). وبعد سنة، ومع رئيس الحكومة نفسه، سوّت إسبانيا أيضاً أوضاع ما يناهز 240 ألف مهاجر. وتذهب بعض التقديرات إلى القول إنّه، في أقلّ من سنة، جرت تسوية أوضاع ما يناهز نصف مليون مهاجر. وبعد ما يناهز أربع سنوات، سوّت حكومة خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، من الحزب الاشتراكي العمّالي، أوضاع ما يناهز 550 ألف مهاجر، أي أنّه، في أقلّ من خمس سنوات، سوّيت أوضاع ما يناهز مليون مهاجر تقريباً. أمّا في سنة 2026، فقد أطلقت حكومة رئيس الوزراء الحالي مبادرةً مواطنيةً لتسوية أوضاع مئات آلاف المهاجرين، بشرط أن يكون المهاجر قد وصل إلى إسبانيا قبل يوم 1 يناير/كانون الثاني 2026، وأن يكون قادراً على إثبات إقامته بصورة مستمرّة على التراب الإسباني مدّة خمسة أشهر. فضلاً عن تكثيف التبادلات الطاقية بين البلدَين. وهذه المبادرة التشريعية المواطنية، التي احتضنها ما يناهز ألف منظّمة من منظّمات حقوقية ومهنية ونقابية ودينية، فضلاً عن الأحزاب، يتهمها بعضهم بأنّها مبادرة واسعة وفضفاضة، لم تحدّد مقاييس القبول أو الرفض بكلّ دقّة، ما يجعلها قابلةً لأن تسوّي أوضاع الملايين. وبرهنت هذه المبادرة مرّة أخرى على الديمقراطية التشاركية، فالقانون الذي أمضاه الملك لم يُعرَض على البرلمان، لما حظي به من قبول شعبي واسع.
وعموماً، فقد بلغت حصيلة التسويات المتتالية، خلال عقدَين من الزمن، حدود مليوني مهاجر من جملة سبعة ملايين، في حين يبلغ عدّد سكّان إسبانيا نحو 48 مليون نسمة. لقد ذكرنا في البداية أنّ لا شيء يبرّر هذه الموجة، فجلّ عوامل الدفع المحتملة ظلّت ثابتة سنواتٍ، خصوصاً عوامل الدفع: مغرب منقسم إلى مغرب محظوظ ومغرب منبوذ، يتكدّس فيه ملايين الفقراء والعاطلين والمهمّشين، ما يجعل خزّان الراغبين في الهجرة جاهزاً وقابلاً للانفجار في اللحظة المواتية.
يبدو أنّ بيدرو سانشيز، الذي يقود الحكومة منذ ثماني سنوات، قد انتقل في ولايته الثانية إلى طور جريء في سياسات إسبانيا الخارجية، لعلّ أهمّها الموقف المناهض للحرب الأميركية على إيران، إذ رفضت الحكومة الإسبانية منح التسهيلات العسكرية للولايات المتحدة، وهما عضوان في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومنها عدم السماح باستعمال قواعدها العسكرية في ضرب إيران، ما جعل ترامب يردّ بتصريحات مسيئة، كما عبّر عن ذلك بيدرو سانشيز نفسه. كما أنّ إدانة إسبانيا الشديدة للحرب على غزّة وعدّها إبادةً ضاعفا من “جرأة” سانشيز وإزعاجه لحلفائه القدامى. وعدّه بعض العرب زعيماً لهم، نطق بلسانهم حينما سكت جلّ الحكام العرب.

اقتنصت الولايات المتحدة وإسرائيل الفرصة لتصفية حسابهما مع سانشيز، وتباهى ترامب بسداد خياراته المتعلّقة بالسياسات الهجرية التي تتبعها بلاده في عهده

هذه العوامل جعلت من رئيس الحكومة الإسبانية خصماً لدوداً، خصوصاً بالنسبة إلى اليمين الأوروبي، بما فيه اليمين الإسباني. ولذلك، صدرت ردّات فعل فورية من عدّة بلدان تعتقد أنّ ما جرى يشكّل فشلاً إسبانياً في إدارة ملفّ الهجرة. بل إنّ إيطاليا جمّدت العمل باتفاقات شنغن مع إسبانيا. أمّا الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد اقتنصتا الفرصة لتصفية حسابهما مع سانشيز، إذ تباهى الرئيس الأميركي ترامب بسداد خياراته المتعلّقة بالسياسات الهجرية التي تتبعها بلاده في عهده، في حين تكفّل رئيس حكومة الكيان بالتذكير بخطر المقاربة الإسبانية (ومواقفها) على السلام الإقليمي والدولي.
قد توحي هذه العوامل كلّها بأنّ المغرب غضّ الطرف عن “بروفة” تؤشّر إلى أنّ إسبانيا على مرمى حجر، وأنّ حكومتها رهينة أزمة بهذا الحجم. وفي أقلّ من يومَين، أُحرج سانشيز أمام نظرائه من ساسة الاتحاد الأوروبي، وأُضعف داخلياً من خلال تأليب الرأي العام الداخلي، وقد تكون آلة إسقاطه قد بدأت في الاشتغال.
كان ردّ سانشيز حاسماً وسريعاً، فقام بزيارة خاطفة إلى المدينة، بعدما عادت الأمور إلى نصابها بعد اندلاع الموجة، وأدلى بتصريحات لاذعة ردّ فيها على نظرائه الأوروبيين بالأرقام، حتّى يبرهن أنّ المعبر الإسباني للمهاجرين يسجّل أقلّ الأعداد مقارنةً بالمعابر الإيطالية واليونانية والفرنسية، وغيرها. هذه المعطيات لا تجيب تماماً عن لحظة اندلاع الموجة: كيف سمح الطرف المغربي بانطلاق القدحة الأولى؟ وهل تكفي التبريرات التي قُدّمت، من قبيل أنّ تجّار البشر والشائعات التي رُوّجت حول أحكام ملتبسة صدرت عن المحكمة العليا الإسبانية، تتساهل مع وصول المهاجرين بحراً، قد أفقدت السلطات السيطرة على الأوضاع؟

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى