هندسة الانتخابات المغربية ورهان الحلول الترقيعية

   محمد طيفوري

شهدت الساحة السياسية المغربية، الأسبوع الماضي، حدثاً يعيد رسم ملامح الخريطة الانتخابية، إعلان التحاق الوزير المنتدب المكلّف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، بحزب الأصالة والمعاصرة، ونيله تزكية الترشّح باسمه لخوض استحقاقات 23 سبتمبر/ أيلول المقبلة. وهكذا، يخلع الرجل عباءة اللامنتمي بقصد الارتماء في أحضان العمل الحزبي المباشر، مسدلاً الستار على سنوات من نموذج التكنوقراطي الناجح.

يتجاوز انضمام لقجع إلى حزب الجرار حدود الانخراط التقليدي لعضو جديد في صفوف الحزب، فالرجل الذي خطف الأضواء من منصّة القادة، خلال الدورة الـ32 لأشغال المجلس الوطني، يحمل ثقلاً سياسياً وتسييرياً يسبقه. ونظراً إلى موقعه مديراً للميزانية منذ 2010، ثمّ وزيراً منتدباً للميزانية بدءاً من عام 2021، وفاعلاً محورياً في الشأن الكروي الوطني والقارّي والعالمي منذ 2014، يتّضح أنّ طموحه يتعدّى مجرّد الظفر بمقعد برلماني أو حتّى حقيبة وزارية، وهو القادم من مربّع صنع القرار الذي اشتغل فيه زهاء عقد ونصف العقد.

يطرح ما سبق أكثر من علامة استفهام بشأن هذه الطبخة السياسية التي جاءت في توقيت بالغ الحساسية، إذ لم تبقَ سوى أسابيع معدودة على الموعد الانتخابي. وتزداد التساؤلات مشروعيةً عن الخلفيات الحقيقية وراء الترويج المكثّف لصورة لقجع بوصفه الرجل المنقِذ الذي يلتحق بحزب سياسي قبيل انطلاق السباق الانتخابي، وما قد يترتّب على هذا الإخراج من تداعيات عميقة على العملية الانتخابية والمشهد السياسي والديمقراطية المغربية.

البداية مع فوزي لقجع، الذي أقحم نفسه في هذه الخطوة في قلب “ميركاتو” سياسي، شبيه بما ألفه في عالم كرة القدم الذي يتقن اللعب في كواليسه، حين قبل المقامرة بما راكمه من نجاح في إدارة ملفّات معقّدة بعيداً من التجاذبات الحزبية. ويدرك الرجل أنّ الهالة الإعلامية التي تسوّقه رجلَ المرحلة والمخلّصَ القادر على تكرار معجزات الرياضة في دهاليز السياسة تنطوي على مخاطرة جسيمة، فتجربة عزيز أخنوش، الذي هبط بالمظلّة ليرأس حزب التجمّع الوطني للأحرار عام 2016، شاخصة أمام عينيه، بعد أن اصطدمت خبرة الملياردير في عالم الأعمال بصخرة الواقع السياسي، لينتهي به المطاف بواحدة من أسوأ التجارب الحكومية في تاريخ المغرب المعاصر.

لم يعد النضال الداخلي شرطاً للترقّي داخل هياكل الحزب وأجهزته

حزبياً، يشكّل التحاق لقجع بـ”الجرار” مكسباً انتخابياً وإعلامياً ثقيلاً في معادلة الصراع على زعامة المشهد، لأنّه يعبّد الطريق أمام ماكينة الأعيان التي تتعاطى مع كلّ محطّة انتخابية بأسلوب المضاربة في البورصة، ما يعزّز حظوظ الحزب في النزال الانتخابي المُرتقَب. بيد أنّ هذا المكسب لن يكون مجّانياً، فهذا الخيار يهدّد الحزب، الذي يعاني أصلاً من أزمة الشرعية، بخطر فقدان ما بقي منها، بعدما أضحت شعبية لقجع بديلاً من المؤسّسة الحزبية ذاتها. فحتّى قادة الحزب يتسابقون إلى التقاط الصور مع العضو الجديد، في استنساخ لتجربة حزب التجمّع الوطني للأحرار، كما يرسّخ قناعة في صفوف المناضلين والقواعد، مفادها أنّ النضال الداخلي لم يعد شرطاً للترقّي داخل هياكل الحزب وأجهزته.

وفي السياق الحزبي دائماً، يكشف استقدام شخصية من خارج التنظيم لتعزيز صفوف القيادة مؤشّراً صريحاً على أزمة ضعف، لا دليل قوّة، فهو يعرّي عجز الأحزاب وفشلها في صناعة النُّخب السياسية. وما تنافس أكثر من تنظيم حزبي على استقطاب فوزي لقجع سوى تجسيد لخلل عميق يسيطر على المشهد الحزبي المغربي، فقد أضحت الكيانات السياسية تلهث وراء “بروفايلات” جاهزة تمنحها قوّة انتخابية، بدلاً من الاستثمار التنظيمي في مناضليها، وهذا ما ينذر بتحوّل الأحزاب من مؤسّسات للتأطير إلى مجرّد دكاكين انتخابية تنشط عند كلّ موسم انتخابي.

تتّسع رقعة التداعيات لتمسّ صناع القرار في الدولة، فإعطاء الضوء الأخضر لـ”بروفايل” من طينة فوزي لقجع (وثقله) لدخول المعترك السياسي قبل انطلاق الماراثون الانتخابي، قد يُفهم لدى كثيرين انحيازاً لمصلحة حزب الاصالة والمعاصرة على حساب بقية الأحزاب. وهذا ما يحوّل الدولة من حَكَم محايد يقف على مسافة واحدة من جميع الفاعلين، كما تقتضي مبادئ الديمقراطية، إلى طرف أصيل في اللعبة الانتخابية. وإذا نجح الرجل في تولّي رئاسة الحكومة المُقبلة، فقد يفتح هذا الباب أمام تأويلات سياسية ترى في الخطوة تدخّلاً من السلطة في هندسة المشهد السياسي وتشكيله خلف الكواليس.

هل يكمن الرهان في صناعة الأشخاص أم في البناء المؤسّساتي لأحزاب حقيقية ومستقلة؟

ارتبطت جاذبية اسم فوزي لقجع بما حقّقه من نجاح في قطاع كرة القدم، وما راكمه في هذا من حضور وازن في الرأي العام أكسبه شعبيةً واسعةً، وهو ما رأى فيه صنّاع القرار رأسمالاً سياسياً ينبغي استثماره لاستقطاب الناخبين وتنشيط الاستحقاقات المقبلة. ويضع هذا المشهد المغاربة اليوم أمام استنساخ تجربة عام 2007، حين جرى الدفع بفؤاد عالي الهمّة إلى صدارة المشهد السياسي، في محاولة لترميم جسور الثقة بين المواطن والأحزاب.

بيد أنّ هذه المقاربات الترقيعية تظلّ عاجزة عن تقديم إجابة حاسمة عن الأسئلة الجوهرية المتعلّقة بمستقبل السياسة في المغرب: هل يكمن الرهان في صناعة الأشخاص أم في البناء المؤسّساتي لأحزاب حقيقية ومستقلة؟ فالواقع التأصيلي للديمقراطية يثبت دائماً أنّ الديمقراطيات لا تُبنى بشرعنة النجومية السياسية، ولا بإعادة إنتاج أبطال جاهزين، وإنّما تترسّخ حين ترفع الدولة يدها عن الأحزاب، وتمكّنها من الاستقلالية والفاعلية الذاتية.

يضعنا هذا التطوّر السياسي أمام حقيقة غير قابلة للتجاهل، مفادها: أنّ الاستمرار في الاعتماد على الحلول الترقيعية واستيراد النُّخب الجاهزة لشغل الفراغ الحزبي كفيل بزيادة منسوب أزمة الثقة بين المواطن والمؤسّسات. إنّ استثمار الشعبية الرياضية أو الشعبية التكنوقراطية لتوجيه الخريطة الانتخابية، على غرار تجارب سابقة، قد يحقّق مكاسب انتخابية سريعة لحزب الأصالة والمعاصرة، لكنّ هذا سيكون على حساب إضعاف البناء المؤسّساتي للعمل الحزبي.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى