
كان سرطان الاستيطان يأكل الأراضي الفلسطينية أمام أعيننا. كلّ المتابعين للصراع أدركوا أبعاد الاستيطان التي لم تُخفِها إسرائيل، لأنّها كانت استراتيجيةً واضحةً ومعلنةً. على الرغم من هذا، لم تمتلك السلطة الفلسطينية أو الفصائل الفلسطينية أيّ استراتيجية أو سياسة واضحة في مقاومة الاستيطان الذي التهم أجزاءً واسعة من الضفّة الغربية.
الهجمة الاستيطانية أخيراً حلقة من التهام مزيد من الأراضي، لم تولد اليوم. بدأ قضم الاستيطان للأراضي الفلسطينية منذ اليوم الأوّل للاحتلال الإسرائيلي، وظهر حجم الكارثة لمن كان غافلاً عنها مع انطلاقة مفاوضات الحلّ النهائي في منتصف التسعينيّات، إذ ظهر حجم الكارثة التي أرساها الاستيطان على مدى سنوات الاحتلال. ولم تتوقّف الكارثة مع بدء “عملية السلام” التي انطلقت من مدريد، أو مع توقيع الاتفاقات الفلسطينية – الإسرائيلية. بل على العكس، شهدت الأراضي الفلسطينية في التسعينيّات أوسع حملة استيطانية، فازداد حجم الاستيطان أكثر من ضعفَين، في ظلّ كلّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فالاستيطان قضية إجماع إسرائيلي. ومع كلّ اتفاق فلسطيني إسرائيلي، كانت موجة جديدة من الاستيطان تضرب الأراضي الفلسطينية، واستمرّ في النمو وقضم الأراضي الفلسطينية بعد فشل كلّ المفاوضات التالية، بوصف هذا ثابتاً إسرائيلياً لا يتغيّر.
لم تتعامل السياسة الإسرائيلية مع الاستيطان أمراً واقعاً فحسب، بل سلوك مشروع مهم خالف القانون الدولي، ومهما ارتُكبت جرائم في حقّ الفلسطينيين مع تكريسه في الأراضي الفلسطينية أيضاً. من هنا، حاولت إسرائيل تمرير تصنيف للمستوطنات: شرعية وغير شرعية. معنى الشرعية أن يحصل الاستيطان على موافقة الحكومة الإسرائيلية، فيكون الاستيطان شأناً داخلياً إسرائيلياً. ويدعم هذا التصنيف الجديد التصنيف القديم للمستوطنات، ويقوم على أساس أنّ هناك مستوطنات أمنية وأخرى سياسية، وسرعان ما يُتجاوَز هذا التصنيف بتشريع المستوطنات التي عُدّت سابقاً غير شرعية. إنّه تلاعب إسرائيلي مكشوف لقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وتكريسها، فلا يمكن إزالتها.
الأمن الذي يوفّره الاستيطان الإسرائيلي في جوهره مفهوم وجودي أكثر ممّا هو ضرورة أمنية
لا يمكن فهم الموقف الإسرائيلي الحالي من موضوع الاستيطان من دون العودة إلى موقع الاستيطان في الاستراتيجية الإسرائيلية، وما سعت إلى تحقيقه من خلال الهجمة الاستيطانية المستمرّة منذ 1967، وتكثيف الحملة مع مفاوضات السلام وبعد توقيع الاتفاقات، وبعد فشل كلّ المفاوضات، ومع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كلّها.
منذ عام 1967، تعاملت إسرائيل مع الأراضي الفلسطينية بشكل مختلف عن التعامل مع الأراضي العربية المحتلّة، فنفَّذت مبكّراً برنامجاً استيطانياً مكثّفاً، كانت أولوياته القدس، ومن ثمّ الضفّة الغربية. والاستيطان يعني نقل جزء من السكّان الإسرائيليين للعيش في الأراضي المحتلّة على حساب الفلسطينيين الذين تتجاهلهم العملية الاستيطانية، على اعتبار الأراضي الفلسطينية المحتلّة جزءاً من “أرض إسرائيل”، وصيغت هذه العملية أصلاً في مواجهتهم. فمثّل الاستيطان المكثّف التعبير العملي عن المجهود الصهيوني الذي يرمي إلى الحؤول دون تقرير المصير للفلسطينيين في الأراضي المحتلّة. والمستوطنات هي التعبير الحقيقي عن السياسة الإسرائيلية، والدليل الأساس على نيّات إسرائيل بشأن مستقبل الأراضي الفلسطينية. فمن منظور إسرائيل، الأمن والسيادة والاستيطان أمور مترابطة لا انفصام بينها. وبموجب هذا التفكير، الأمن الذي يوفّره الاستيطان الإسرائيلي، في جوهره، مفهوم وجودي أكثر ممّا هو ضرورة أمنية.
من منظور إسرائيل، الأمن والسيادة والاستيطان أمور مترابطة لا انفصام بينها
وهذا لا يتعارض مع الوظيفة الأمنية للمستوطنات. فبعد حرب 1967، كان البعد الأمني الاستراتيجي أهمّ العوامل التي حكمت السياسة الاستيطانية بين عامي 1967 و1969، من خلال مشروع آلون، الذي كان يهدف إلى إنشاء شبكة من المستوطنات في المناطق قليلة الكثافة السكانية، والمناطق الواقعة بين بحيرة طبريا والبحر الميت وغور الأردن، لعزلها عن الدول العربية. ففي العقد الأوّل للاحتلال الإسرائيلي، أسّس حزب العمل البنية التحتية المادّية للاستيطان، وأقام المؤسّسات السياسية الضرورية لإقامة الوجود الاستيطاني وتطويره في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلّة. وهو ما أسّس لحملة الليكود الواسعة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية مع صعود الليكود إلى السلطة في إسرائيل عام 1977. ومع عودة حزب العمل في 1992، حافظ رابين على مستوى عالٍ من البناء في المستوطنات، ولكن بصخب أقلّ، وكان معدّل البناء في ظلّ حكومة رابين أعلى من المعدّل التاريخي البالغ 1200 وحدة سكنية جديدة في العام. وسريعاً اتّضح أنّ فوز حزب العمل في عام 1992 كان يمثّل تغييراً في الأسلوب أكثر ممّا هو تغيير في السياسة الإسرائيلية الاستيطانية.
ولتعزيز الوجود الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية، وظّفت حكومة رابين عشرات الملايين من الدولارات لشقّ الطرق الالتفافية بين المستوطنات، والاحتفاظ بالسيطرة على المرتفعات الاستراتيجية على طول العمود الفقري الأوسط للضفّة الغربية، ما أحدث تفتيتاً إضافياً للأراضي الفلسطينية.
للاستيطان وظيفة أمنية ووجودية لا يمكن لإسرائيل أن تتنازل عنها من دون إدارتنا المعركة معها بطريقة صحيحة
البعد الأمني ليس البعد الوحيد للاستيطان، فهو، أيضاً، يقوم من أجل السيطرة على التجمّعات السكّانية الفلسطينية وقضم الأرض لمنع أي تواصل سكّاني. وكانت هذه الاستراتيجية فعّالةً في تحويل المناطق الفلسطينية إلى معازل بشرية، بتطويق كلّ تجمّع سكّاني فلسطيني بالمستوطنات من الجهات الأربع. فأصبحت المستوطنات والطرق الالتفافية التي تصل بينها العقبة الأساسية أمام التواصل بين الأراضي الفلسطينية. وقد رأى محلّلون عديدون أنّ المستوطنات إعادة إنتاج للمعازل العنصرية التي كانت في جنوب أفريقيا. وللاستيطان، خلال العقود التي تلت اتفاقات أوسلو، وظيفته الاستراتيجية، وهي الوظيفة التي قام من أجلها أصلاً: إقامة العوائق في وجه السيادة الفلسطينية، وجعلها بلا معنى في أسوأ الأحوال، ومن ثمّ منع أيّ حلّ سياسي للقضية الفلسطينية على أساس الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلّة.
من هنا، وضوح الرؤية الإسرائيلية لوظيفة الاستيطان جعله مشروعاً عدوانياً شرساً ضدّ الفلسطينيين الذين يسكنون في “أرض إسرائيل” التي يجب أن يُطردوا منها، وهو ما تنفّذه اليوم قطعان المستوطنين بحماية الجيش الإسرائيلي، الذي قرّر توسيع عملية عسكرية في الضفّة الغربية تسعى إلى تهجير السكّان من بعض المناطق، كما جرى في مخيّمات جنين وطولكرم، وكما قال وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، ما يعني نقل جرائم الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزّة إلى الضفّة الغربية. فللاستيطان وظيفة أمنية ووجودية لا يمكن لإسرائيل أن تتنازل عنها من دون إدارتنا المعركة معها بطريقة صحيحة، وإدراك الأبعاد العملية والاستراتيجية للاستيطان. ومن عليه خوض هذه المعركة فلسطينياً غائب للأسف. فالوضع الفلسطيني البائس لا يصلح لمواجهة هذا الخطر الداهم الذي يكبر كلّ يوم، مهدّداً الوجود الفلسطيني في الضفّة الغربية.
المصدر: العربي الجديد






