هل يصطدم الزيدي مع المليشيات المسلحة؟

إياد الدليمي

بعد ساعات قليلة من عودة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي من طهران يوم الجمعة الماضي، في أوّل زيارة له منذ توليه رئاسة الحكومة، حاصرت قوّة أمنية، ترافقها قوّة من هيئة الحشد الشعبي، مقرّاً لإحدى المليشيات المسلّحة جنوب بغداد لتفتيشه. غير أنّها لم تتمكّن من تنفيذ المهمّة، بعدما رفضت المليشيا السماح لها بالدخول، وهدّدت بفتح النار إذا حاولت اقتحام المقرّ، لتنسحب القوّة لاحقاً بعد تلقّيها أوامر بذلك. وتكشف هذه الحادثة طبيعة المرحلة المقبلة في العراق؛ مرحلة تتقاطع فيها الضغوط الأميركية الرامية إلى تفكيك المليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، مع إصرار تلك المجموعات على الاحتفاظ بترسانتها جزءاً من ارتباطها العضوي بإيران التي تخوض اليوم واحدةً من أخطر المواجهات في تاريخها، الأمر الذي دفعها إلى استنفار جميع أوراق نفوذها في المنطقة.

النفوذ الإيراني في العراق ليس مجرّد مليشيات أو شبكات مالية أو علاقات سياسية، بل هو منظومة نفوذ متكاملة

وقبل هذه الحادثة بيوم (الخميس الماضي)، نشرت صحيفة عراقية عن أن لدى فصائل موالية لإيران مخطّطاً لاغتيال علي الزيدي إذا مضى في مشروعه الرامي إلى نزع سلاح المليشيات وتفكيكها. ويختصر هذا المشهد طبيعة المرحلة التي قد يقف العراق على أعتابها. فعلى الرغم من التعهّدات التي قدّمها الزيدي في زيارته واشنطن، حين أكّد أنّ العراق دخل مرحلةً جديدةً لا مكان فيها لسلاح خارج إطار الدولة، تبدو ترجمة هذه الوعود إلى واقع أكثر تعقيداً ممّا توحي به التصريحات الرسمية. فالمشكلة لا تقتصر على وجود جماعات مسلّحة، بل تتمثّل في تغلغل هذه الجماعات داخل مفاصل الدولة، إلى درجة تجعل أيَّ محاولة جادّة لمواجهتها محفوفةً بمخاطر سياسية وأمنية كبيرة. ويأتي هذا في وقت تشهد فيه إيران تصعيداً أميركياً متواصلاً، سواء عبر الضربات العسكرية التي باتت شبه يومية، أو من خلال التصريحات المتكرّرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي يلوّح فيها بحرب واسعة وضربات تختلف في حجمها وتأثيرها عمّا سبق.
ولا تُخفي المليشيات العراقية ولاءها لطهران، كما لا تستبعد الانخراط المباشر في أيّ مواجهة عسكرية إذا تعرّضت إيران لهجوم جديد. وليس سرّاً أنّ فصائل من تلك نشرت مراراً تسجيلات مصوّرة لعمليات إطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ باتجاه دول خليجية والأردن، فضلاً عن الهجمات التي استهدفت مقارّ الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة في شمالي العراق، وكذلك القنصلية الأميركية في أربيل وقاعدة حرير العسكرية.
ويحاول الزيدي، بحسب ما يتردّد في الأوساط السياسية العراقية، أن يستبدل بالمواجهة المباشرة سياسة الاحتواء والإغراءات، فالرجل القادم من خلفية اقتصادية وتجارية يبدو مقتنعاً بإمكانية إقناع بعض قادة الفصائل بتسليم أسلحتهم مقابل ضمانات بعدم ملاحقتهم، ولا سيّما في ملفّات الفساد والتمويل، إضافة إلى منحهم مواقع حكومية أو أدواراً سياسية في المرحلة المقبلة.
غير أنّ هذه المقاربة تبدو أقرب إلى الرهان الصعب منها إلى الخطّة القابلة للتنفيذ، فكثير من هذه الفصائل لا يخضع قراره لقيادات عراقية خالصة، بل يرتبط، وفق ما تؤكّد مصادر وتقارير عراقية عديدة، بقيادات في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. كما أنّ هذه الجماعات ليست مجرّد تشكيلات مسلّحة، بل تنظيمات عقائدية مؤدلجة، تمتلك من الدافع الأيديولوجي ما يجعلها مستعدّةً لمواجهة الدولة نفسها إذا شعرت بأنّ وجودها أو مشروعها بات مهدّداً.
ويعزّز هذا الواقع موقف إيران التي باتت تنظر إلى هذه المليشيات بوصفها إحدى أهمّ أدواتها لفرض النفوذ وإيصال رسائل القوّة في المنطقة. وقد أثبتت تجربة الحوثيين في اليمن، بالنسبة إلى طهران، أنّ الاعتماد على الوكلاء أقلّ كلفةً من الانخراط المباشر في الحروب، وأكثر قدرةً على استنزاف الخصوم سياسياً وعسكرياً، وهو ما يجعل الفصائل العراقية جزءاً أساسياً من هذه الاستراتيجية.
وجاءت زيارة علي الزيدي طهران بعد أيّام من زيارة وُصفت بالتاريخية إلى واشنطن، استمرّت عدّة أيّام وجرى فيها توقيع اتفاقات ومذكّرات تفاهم قُدّرت قيمتها بنحو 60 مليار دولار. وسمع الزيدي هناك الرسالة نفسها التي تدركها بغداد جيّداً: لا استثمارات كُبرى، ولا شراكةَ استراتيجيةً حقيقيةً، ما لم ينجح العراق في الحدّ من النفوذ الإيراني واستعادة قرار الدولة.
يدرك المبعوث الأميركي إلى سورية والعراق، والسفير في أنقرة توم برّاك، وهو أحد أبرز مهندسي السياسة الأميركية الجديدة في المنطقة، أنّ معالجة الملفّ العراقي لا يمكن أن تتم عبر شعارات أو قرارات سريعة. فهو يعلم أنّ النفوذ الإيراني في العراق ليس مجرّد مليشيات أو شبكات مالية أو علاقات سياسية، بل هو منظومة نفوذ متكاملة بنتها طهران على مدى أكثر من عقدَين، مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الأميركي عام 2011، ومن تراجع الحضور العربي في العراق خلال تلك المرحلة.
ولعلّ التراجع الذي أصاب حملة مكافحة الفساد التي أطلقها الزيدي، مع بداية توليه رئاسة الحكومة، يقدّم مثالاً واضحاً على حجم التعقيدات. فما إن شعرت شخصيات نافذة داخل “الإطار التنسيقي” بأنّ الحملة قد تقترب منها، حتّى بدأت الضغوط تتصاعد، وتراجع زخم الإجراءات. وإذا كانت ملفّات الفساد قد واجهت هذه المقاومة كلّها، فكيف سيكون الحال مع ملفّ السلاح الذي يمثّل بالنسبة إلى تلك الفصائل ضمانةَ وجودها ونفوذها؟

استمرار تمدّد المليشيات يجعل أيّ مشروع لبناء دولة أمراً بالغ الصعوبة

لذلك، قد لا يكون أمام الزيدي في نهاية المطاف سوى اتخاذ قرار المواجهة، مهما بلغت كلفتها. نعم، ستكون مواجهةً باهظةَ الثمن، لكنّ البديل هو استمرار تمدّد المليشيات وتعاظم نفوذها داخل مؤسّسات الدولة، بما يجعل أيّ مشروع لبناء دولة أمراً بالغ الصعوبة.
يجد العراق نفسه اليوم أمام خيارَين، يكادان يكونان متناقضَين: الانخراط في شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وما يفرضه هذا من إعادة ترتيب الداخل العراقي، أو الاستمرار في الارتهان للمحور الإيراني، مع ما يحمله هذا من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية قد تطاول مستقبل الدولة نفسها. وتبدو واشنطن، وفق الرؤية التي يعمل عليها توم برّاك، غير مستعدّة للقبول باستمرار العراق بوصفه امتداداً للنفوذ الإيراني، فالتصوّر الأميركي الجديد يقوم على دمج العراق ضمن فضاء إقليمي يضمّ تركيا وسورية ودول الخليج، بما يفتح الباب أمام مشاريع النقل والطاقة والتجارة، ويعيد رسم التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة.
من هنا، تبدو المواجهة بين الدولة والمليشيات احتمالاً يصعب تجنّبه، وإن كان توقيتها وحجمها سيبقيان مرتبطين بمسار العلاقة الأميركية الإيرانية. فإذا انهارت الهدنة الحالية وعادت الحرب، فإنّ العراق سيكون أحد أبرز ميادينها. أمّا إذا نجحت المفاوضات في الوصول إلى اتفاق شامل، فقد تمنح بغداد فرصةً لالتقاط الأنفاس والشروع في معالجة هذا الملفّ الشائك بأقلّ قدر ممكن من الكلفة. أمّا استمرار الوضع الحالي، فسيُبقي العراق معلّقاً بين دولتَين، وسلطتَين، ومشروعَين متناقضَين.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى