
لا يبدو أن القوانين المنظّمة للعملية الانتخابية، في ما يتعلق بالحملة الانتخابية، تجيز للفاعل السياسي، أياً كان حزبه وتوجهه والاختيار الأيديولوجي الذي يرسو عليه، أن يمارس علانية، قبل الأوان، وفي فضاءات عمومية ذات طابع جماهيري وبأساليب خطابية ذات توجّه انتقادي، أو غير انتقادي، أياً من أشكال الدعاية الانتخابية بالطرق المعتادة المُجَرَّمة قانونياً، أو بغيرها المحسوبة على الفضاء التكنولوجي الذي أصبح فضاء شعبياً بامتياز لا حدود للإمكانات المتاحة فيه على جميع المستويات وبمختلف الأساليب واللغات. وإذا عرفنا أن هذا الفضاء الشعبي أصبح، منذ سنوات قليلة، بفضل أهم التطورات التكنولوجية التي غيرت ملامحه وطورت أساليب الأداء فيه، بمثابة مجال خاص لكل مهتم أو فاعل أو راغب، فضلاً عن المستفيدين من تطبيقاته للأغراض التي يفترضونها للسيطرة أو للاغتناء أو لهما معاً، فضلاً عن أساليب الاحتيال والمناورة والنقد والإشهار والتسول والقذف في الأعراض… يستطيعون التصرّف فيه بالطريقة، أو بالكيفية، التي يختارونها لأسلوبهم في التعامل، أو في الطلب، أو في صياغة المقول والمُصوّر و”المُفَبْرَك” بدون حدود قصد استمالة الآخرين، أو إخبارهم، أو دغدغة عواطفهم، أو جذب اهتماماتهم إلى أفعال ومشاهد معينة تحقق، في معظم الأحيان، نسباً متفاوتة من المشاهدة والمتابعة والتفاعل.
لا أركز على الفضاء الشعبي هذا إلا لسببين: الأول له علاقة بمفهوم الحرية الشخصية غير المقيدة، إلا في حالات محدودة، التي تُمَكِّن مستخدم الإنترنت من التصرّف، تلقائياً كان أم على ضوء تخطيط معين، من القول والتعبير بالطريقة المناسبة التي يختارها، أو يسيطر عليها، وهو في هذا لا يقيم أي وزن للقانون المسنون ولا للأخلاق والقيم السائدة بين فئات من المجتمع أو فيه كله، ولا للنتائج المترتبة عن أفعاله، وإذا ما فطن وتحسّب لذلك يكون على أتم استعداد لتبريره والدفاع عنه، أو محوه والاعتذار عنه بحسب المنطق الخاص الذي يفترضه لذلك وهكذا. والمفهوم من الحرية الشخصية في هذا السبب أنها أشمل وأوسع من الحرية المقيدة التي يمكن أن تكون حِجْراً على التصرف في المجتمع، أو في علاقة بالمؤسّسات والسلطة الحاكمة، أو كذلك في النظر إلى القانون والتقيد به، رغم العلم المسبق بأن القانون نفسه قد يكون ظالماً أو مجحفاً، أي ضد حرية الفرد نفسه بين أفراد الجماعة وفي ظل الأبنية الضامنة التعايش.
أصبح الفضاء التكنولوجي الشعبي، لاتساعه وتعدد المجالات والشبكات والمعطيات اللانهائية تقريباً التي تملؤه، مرتعاً لجميع الأهواء والتصورات والأفعال
السبب الثاني هو المتأتي من أن الفضاء التكنولوجي الشعبي، لاتساعه وتعدد المجالات والشبكات والمعطيات اللانهائية تقريباً التي تملؤه أصبح أيضاً مرتعاً لجميع الأهواء والتصورات والأفعال المكتوبة أو المرئية أو المسموعة، وهو ما يمكن أن يعكس، عند تحليل المحتوى، المستوى الفكري والمقدار العاطفي وطبيعة القيم التي يتصرّف بها مستخدم الإنترنت في التعامل معه، بصرف النظر عن المدّة أو القدرة المعرفية اللتين يسخرهما لذلك. فنحن في الواقع أمام ما يمكن الاصطلاح على تسميتها الفوضى الرقمية (Digital Chaos) إلى جانب فوضى المعلومات والثلوث الرقمي، والأبرز ما فيه أن الأنظمة والقوى البشرية التي تتحكّم في الميتا Meta، وSilicon Valley أصلاً، تعمل من أجل هذا، وتشجّعه بحكم التحكم المطلق في كل ما يتصل به من توجيه، أو تأطير، أو تأثير فعّال… إلخ.
يمكن النظر إلى الحملة الانتخابية في المغرب، بناء على هذه المعطيات والأخرى المرتبطة بالممارسة السياسية في ساحة الصراع الاجتماعي، بأنها سابقة للأوان وتنتشر على مستويات متنوعة مكتسحة مختلف العوالم التي تتوجّه إليها وتستقبلها، حتى وإن كان الاستقبال بالمصادفة، أما إذا كان بناء على طلب حزبي- سياسي فذلك هو المقصود والمرتجى. ولا يمكن اعتبار طبيعة الحملة ونوعية الاستقبال من أساليب التعامل الحر مع المجال التكنولوجي وفضاء الإنترنت، كما لا يمكن التغاضي عن طبيعة الخطاب الذي يتحوّل فيهما، المجال والفضاء، إلى تحريض مباشر على أمور قد تكون لها علاقة بالصراع السياسي من ناحية، وقد تكون أيضاً لإعداد الأجواء وترتيب الأوضاع التي سوف تمكّن من الكسب المراد، أي تعبئة الرأي الحزبي وغير الحزبي لفائدة حملته الانتخابية، قصد جني ما يُراد جنْيه منها، أي الصوت الانتخابي تحديداً. أما الغاية في الأخير فكامنة في التبشير مسبقاً بالأحقية التي للحزب، أو للاختيار الأيديولوجي، من أهمية في علاقة بالسلطة.
محاولة لاستغفال المواطن المتتبع، وتجاوز القانون المسنون الخاص بالمجال الذي ترتبط به الدعاية الانتخابية
يرمي ذلك كله إلى استغفال المواطن المتتبع، وتجاوز القانون المسنون الخاص بالمجال الذي ترتبط به الدعاية الانتخابية، كما أنه يسعى إلى جني مغانم وقتية بحسب تخطيط مسبق ووعي سلبي حادّ، اعتماداً على ما في الفرصة السياسية المتاحة من “زمن لا قانوني” يبيح تجريب كل المحاولات المخطّط لها، علماً أن الأنشطة والعمليات الترويجية لعرض البرامج الحزبية وكسب أصوات الناخبين خاضعة لضوابط قانونية هدفها، من الناحية المبدئية، تكافؤ الفرص وضمان الشفافية ونزاهة العملية. أضف إلى هذا أن القانون المغربي المتعلق بالحملة الانتخابية، السابقة لأوانها، ينصّ على مجموعة من المقتضيات تتعلق بالإطار الزمني للحملة الانتخابية (اليوم الثالث عشر الذي يسبق تاريخ الاقتراع)، ووسائل الدعاية والإعلام (المساواة في الولوج إلى الإعلام، أماكن الإعلانات المخصّصة…)، وطبيعة الممارسات المحظورة والمخالفات (استغلال النفوذ، شراء الأصوات، خطاب الكراهية)… إلخ.
المعروف أن مجموعة القوانين والمراسيم الأساسية الصادرة بهذا الخصوص هي من “اقتراح” وزارة الداخلية، وتؤطّرها القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس النواب ومجلس المستشارين ومجلس الجماعات الترابية، إلى جانب القانون رقم 11.57 المتعلق باللوائح الانتخابية الذي تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 55.25. وسوف أضيف إلى هذا جملة الاتفاقات المضمونة مع كثير من الفاعلين السياسيين الخاضعين، موضوعياً وذاتياً، لإكراهات المجال الشرعي المعتمد لممارسة العمل السياسي، من دون أن يكون ذلك قائماً على أي تعاقد ولا يشمله أي توثيق، ولأن القاعدة التي ينبني عليها هي الموالاة الطوعية والولاء التام.
والذي نراه في المشهد السياسي المغربي حالياً أن “الزعيم” السياسي، وهو يحاول الانتفاض، فيما تبقى من زمن الحكومة القائمة وقبل الانتخابات المقررة، أصبح يجوب الجغرافية المغربية قصد المشاركة، من موقع المعارض الإسلاموي (حزب العدالة والتنمية، جمعية العدل والإحسان)، أو الاشتراكي (حزب التقدم والاشتراكية، الاتحاد الاشتراكي)، أو اليساري (اليسار الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي..)، في التجمعات الحزبية الإقليمية، وإلقاء الخطابات المبثوثة بمختلف وسائل البث، بما في ذلك تلك التي “تتشخص” على مستوى الإدراك من خلال الفيديوهات اللاّغطة بمختلف الشعارات الشعبوية.
تبدو الحملة الانتخابية في المغرب سابقة للأوان وتنتشر على مستويات متنوعة مكتسحة مختلف العوالم التي تتوجّه إليها وتستقبلها
هناك حركة محمومة تتقاذف بسرعة واضحة، من أهدافها استغلال المجال الجغرافي والسياسي والإثني واللساني (الأمازيغية والدّوارج المحكية)، وتوسيع مدار الحركة ضمن خريطة مرسومة للتواصل مع عموم الناس، والزيادة في قوة الصوت ومداه، من أجل الغاية المبرمجة في الوعي الحزبي التي سوف يرتجل الزعيم السياسي فحواها بالصيغ الأيديولوجية المناسبة للمقام وللقول. ولهذا الغرض ينتقل “الزعيم”، الذي هو كبير قومه في الحزب، إلى مختلف الربوع التي لحزبه فيها فروع، لا يحمل معه إلا صوته وخطابه ورداءه المُميّز. ومن المرجّح، في بعض الحالات، أن يعقد هذا الزعيم لقاءات شعبية سوف يراعي منظموها أن تكون مضمونة سلفاً، لن تثير في وجهه أي نقد، بل لن تغضبه ألبتة. غير أنه لن يكون من المؤكّد، بالنظر إلى حساسية موضوعٍ ما يتعلق بالصراع الإقليمي، خصوصاً إذا كان صحراوياً، أن يتهم كل مُنْتَقِدٍ بالتفاهة، ومن الناحية السياسية بالانفصال، وقد يسير المعنى في اتجاهات مختلفة إذا اقتضى خيال الزعيم أن يتهم أياً من فصائل اليسار، القديم أو الجديد، بالعدمية.
لا أشير إلى هذا إلا للقول إن “الزعيم” السياسي صار يهتبل، في مغرب اليوم، كل فرصة سانحة للكلام وللتجوال، مدفوعاً بغريزة الفوز بالسلطة، ولكنه لا يملك إلا الشعار والتحريض اللّذيْن ينفذ بهما إلى عقول المتتبعين له والمستمعين إليه وهو يُرْغِي وَيُزْبِد. ومعضلة هذا الزعيم أنه يدرك إدراكاً أيضاً أن جزءاً كبيراً، وربما أساسياً، من الجمهور الذي يتجاوب معه يوجد أساساً في الشبكات الاجتماعية، ولا يمكن الوصول إليه، مبرّراً إياه بالأهمية والنفعية، إلا بالوسائط المنتشرة في الإنترنت التي تمكنه من اختصار مسافة التنقل بين المناطق والأقاليم، ومن التأثير السريع الذي قياسه الوحيد عدد اللّايكات والمشاهدة. أما السؤال الذي يراود الملاحظ، ويمكن أن يطرح عليه بحدّة، وعلى الجهة الراعية للاستحقاق التشريعي: ألا يعتبر سلوكه السياسي هذا اختراقاً للتوافق المشروط في المجال الشرعي الذي ترعاه السلطة القائمة، وأنه خرق للقوانين المنظمة للحملة الانتخابية التي، فيما يقول مَن يجلدون الديمقراطية المُدّعاة بطريقة استبدادية، إنها لضمان تكافؤ الفرص والشفافية والنزاهة؟
المصدر: العربي الجديد






