
انتهى الأسبوع الماضي “المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي”، في شنغهاي، إلى تأسيس “المنظّمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي”، بعضوية 29 دولة، منها إندونيسيا والبرازيل وماليزيا وجنوب أفريقيا والسنغال وباكستان وروسيا، في غياب الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية ودول أوروبا الكُبرى. وبينما قدّمت الصين المنظّمة الجديدة منصّةً مفتوحةً لا حلفاً مغلقاً، قائلةً إنّ أبوابها مشرّعة للجميع، ترى واشنطن بلا شكّ أنّ المنظّمة الناشئة التي تقودها بكين عملياً إطارٌ يخدم الرؤية الصينية للمستقبل، ومفادها بأنّ الصين قرّرت ألا تخوض سباق الذكاء الاصطناعي مع الولايات المتحدة على الأرض التي اختارتها واشنطن، أي أرض التفوّق التقني المحض في الرقائق والنماذج وقدرات الحوسبة، بل أن تنقل المعركة إلى أرض أخرى تملك فيها الصين أفضلية العدد والحجم، هي أرض وضع القواعد التي تساعد على انتشار الذكاء الاصطناعي في العالم. وهذا التحوّل في تعريف ساحة التنافس، لا في أدواته، هو الجديد الذي ابتدعته بكين في المؤتمر.
هنا، علينا أن نتفحّص اختلاف النظرتَين الأميركية والصينية إلى هذا التنافس. فالصين تنظر إلى الذكاء الاصطناعي لا بوصفه مُنتجاً تقنياً يُباع ويُشترى، كما تنظر إليه الشركات الأميركية، بل بوصفه بنية تحتية يمكن بناؤها ونشرها على غرار ما فعلته في مبادرة الحزام والطريق القائمة على إنشاء الموانئ ومدّ السكك والطرق. وحين تعلن الصين أنّها ستقدّم لدول العالم النامي خمسة آلاف فرصة تدريب في الذكاء الاصطناعي في السنوات الخمس المقبلة، وتطلق “خطّة عمل لبناء القدرات في الذكاء الاصطناعي للجميع”، وتنشئ مراكز للتعاون التطبيقي مع المنظّمات الإقليمية، تَعرض على تلك الدول بنيةً معرفيةً ورقميةً حقيقيةً، لكنّها في الوقت نفسه تنسج شبكة ارتباط طويلة الأمد بمعاييرها وأدواتها. وليست هذه المبادرات بالطبع عملاً خيرياً ولا مؤامرةً، بل هي استثمار استراتيجي مزدوج المنفعة: منفعة آنية للدولة المتلقّية تحصل فيها على ما يعزّ عليها بلوغه وحدها، ومنفعة بعيدة المدى للصين إذ تُراكم نفوذاً يصعب فكّه لاحقاً، تماماً كما فعلت حين ربطت اقتصادات نامية كثيرة بموانئها وبناها التحتية.
وهكذا يمكن القول إنّ ثمّةً مقاربتيَن متضادّتَين للذكاء الاصطناعي، لكلّ منهما منطقها الذي لا يخلو من وجاهة، فالمقاربة الأميركية تتعامل معه بوصفه تقنيةً استراتيجية مزدوجة الاستخدام، مدنية وعسكرية، تستوجب ضبط انتشارها عبر قيود التصدير على الرقائق المتقدّمة والتحكّم في النماذج والتصاميم، انطلاقاً من مخاوف أمنية من أن يغذّي انتشارها قدرات عسكرية معادية، وهي رؤية تقوم في جوهرها لإبطاء الصعود الصيني. أمّا المقاربة الصينية فتتعامل معه بوصفه أداة نفوذ لا تُكتسب إلا بتعميمها على أوسع نطاق، وترى في انتشار الذكاء الاصطناعي مصدر قوّة لا مصدر خطر. وليست إحدى المقاربتين أخلاقية والأخرى نفعية، بل كلتاهما نفعية في جوهرها؛ فواشنطن تحرس تفوّقها، وبكين تشتري نفوذها، وكلّ منهما يفعل ما تمليه عليه مصلحته وموقعه في موازين القوّة، لا ما تمليه عليه قيمة مجرّدة عن المصلحة.
ما جرى في شنغهاي كان أكبر من مؤتمر تقني وأعمق من إطلاق منظّمة دولية جديدة
السؤال، في ضوء انعقاد مؤتمر شنغهاي، هل تنجح الصين في مقاربتها؟ ربّما تراهن الصين على أنّ سياسة الاحتكار الأميركية سترتدّ على واشنطن، إذ تدفع الدول التي تجد الأبواب الأميركية موصدةً أو مشروطةً إلى قبول العرض الصيني المتاح، فتبني قدراتها على المعايير الصينية وتصير جزءاً من منظومة يصعب مغادرتها. لكن في المقابل ربّما تراهن الولايات المتحدة على أنّ تفوّقها في صناعة النماذج الأكثر تطوّراً يمنحها أفضليةً حاسمةً تمنع كثيراً من دول العالم من التقارب في مجال التكنولوجيا مع الصين، كذلك تراهن على اعتبارات الثقة والأمن التي تفترض هي مسبقاً أنّها تحوزها.
ولهذه الأسباب التي تفترضها واشنطن، يبدو أنّ الصين تسعى إلى إدارة التنافس مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي على أساس “معركة المعايير”؛ أي وضع قواعد تساعد على انتشار التقنيات الجديدة للجميع من خلال جمع أكبر عدد من الدول حولها. المشكلة الجوهرية التي تواجهها بكين، هنا، أنّ تحديد المعيار عبر منظّمة ناشئة من دون قدرة تقنية تسنده، قد يظلّ إطاراً شكلياً إذا بقيت النماذج الأكثر تقدّماً وتأثيراً غربية المنشأ، إذ لا تكفي كثرة الدول الملتزمة بمعيار ما لجعله معياراً عالميّاً فعليّاً ما دام جوهر التكنولوجيا يُصنع في مكان آخر. وهذا يعني أنّ الصين، لكي ينجح رهانها على نقل المعركة إلى مجال المعايير، تحتاج إلى ألّا تتخلّف كثيراً في مجال القدرة على تصميم وتطوير وتصنيع مستلزمات الذكاء الاصطناعي التي حاولت الابتعاد عن خوض المعركة فيها، وإلا وجدت نفسها صاحبةَ قواعد بلا مضمون.
تحرس واشنطن تفوّقها وبكين تشتري نفوذها، وكلّ منهما يفعل ما تمليه عليه مصلحته وموازين القوّة
في افتتاح مؤتمر شنغهاي، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي “للخير وللبشرية جمعاء” وليس “حكراً على دولة واحدة”، فيما بدا ردّاً على استعمال واشنطن خطاب “الأمن والقيم” لتبرير احتكارها الابتكارات الخاصّة بالرقائق الإلكترونية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. صحيح أنّ كلا الخطابين ينبغي أن يُقرأ بوصفه جزءاً في صراع نفوذ، إلا أنّ ما جرى في شنغهاي كان أكبر من مؤتمر تقني وأعمق من إطلاق منظّمة دولية جديدة، لأنّه محاولة لصياغة القواعد الناظمة للتكنولوجيا الأكثر تأثيراً في هذا القرن قبل أن تستقرّ موازينها، انطلاقاً من إدراك أنّ من يضع المعايير يشارك في تحديد شكل المرحلة المقبلة.
لكنّ إمكانية نجاح هذه المحاولة الصينية أو فشلها يظلّ رهاناً مفتوح النتيجة، تتقاطع فيه حسابات القوّة التقنية مع حسابات النفوذ العددي، ولا يملك أحد أن يجزم بعد أيّ الحسابَين سينجح. والأرجح أنّ العالم مقبل على مرحلة يتوزّع فيها الذكاء الاصطناعي بين منظومتَين متنافستَين لا منظومة واحدة، واحدة تقودها واشنطن وتراهن على القدرة، وأخرى تقودها بكين وتراهن على القاعدة، أمّا الدول الأصغر، فستجد نفسها مضطرّة إلى الموازنة بينهما بحذر، وهو تحدّ يستدعي وعياً مبكّراً بأنّ الحياد الكامل في سباق بهذا الحجم قد لا يكون متاحاً لوقت طويل.
المصدر: العربي الجديد






