
لا تقدّم السلطة الحالية في تونس أداءً استثنائياً، ولا تكشف مهارةً سياسيةً، ولا تملك إنجازات يمكن اعتبارها ذات شأن، غير أنّها تستفيد فعلياً من حالة المعارضة المشتّتة والغائبة عن الواقع التي تعيش في أحلام اليقظة وأوهام استعادة السلطة، من دون أن تملك مقوّمات الفعل والتأثير في المشهد، سواء في تعبئة الجمهور أو حتّى في تقديم قراءة سليمة للواقع، بما يمنع انزلاقها نحو منطق التمنّيات.
غالباً ما يكشف تعامل رموز المعارضة مع الواقع حالةً من القصور السياسي الفادح. وعلى سبيل المثال، عندما تصاعدت أخيراً أزمات الماء والكهرباء وحالات الضيق الاجتماعي، انحرفت أنظار المعارضة، وكان الموضوع المركزي لديها هو الغياب الإعلامي للرئيس بضعة أيّام، ثمّ راحت تضع سيناريوهات متعدّدة لما يحدث. ويكفي أن يصدر مقال في صحيفة غربية يتحدّث عن تونس حتّى تسارع المعارضة إلى بناء رؤاها السياسية المستقبلية عليه، بما يكشف عن حالة من الخواء السياسي والهشاشة التنظيمية التي تجعلها رهينة انتظار المصادفات السعيدة، سواء انتظار القدر وما يقرّره، أو انتظار حراك شعبي قد لا يأتي ليعيد سياسيي الأحزاب اللاجئين إلى الخارج لتسلّم الحكم.
كلّ متابع لتاريخ الحراك الشعبي التونسي في نهاية 2010 وبداية 2011، يدرك أنّ الأحزاب والنقابات لم تلعب دوراً محورياً فيه، ومن بين جميع ضحايا الاحتجاجات لن تجد واحداً منهم كان منتمياً إلى حزب سياسي أو تنظيم نقابي أو مدني، وهو ما يفسّر سرّ عدم الاحتفاء بهم كثيراً. كان التحرّك الشعبي تعبيراً عن غضب المهمَّشين، ممَّن لا يملكون برنامجاً للحكم، ولا يسعون إلى السلطة، ولكنّهم يملكون قلوباً شجاعة.
تدفع المعارضة ثمن أخطاء ماضيها ونزاعاتها وفصائليتها المفرطة وتنازعها على الغنيمة
اليوم، تحاول المعارضة استثارة ذلك الماضي، من دون أن تقدّم شيئاً للناس. والرهان على أنّ فشل الحكم سيفتح الباب لثورة جديدة تعيد المعارضة إلى الحكم مجرّد وهم؛ لأنّ قادة المرحلة الحالية من السياسيين والناشطين المدنيين فاقدون المصداقية في نظر الشارع، ولا أحد يرغب في تبنّي أفكارهم أو الدفاع عنهم.
رغم تعرّض رموز المعارضة، بمختلف توجّهاتهم السياسية ومشاربهم الفكرية، إلى المنع والمحاكمات والسجون، ما يثير الانتباه تجاهل رجل الشارع العادي ما يجري للشخصيات السياسية المعارضة. وبعيداً من منطق الشماتة والتحريض الذي يمارسه أنصار السلطة الحالية، فلا يمكن نفي حالة التجاهل، بل اللامبالاة، التي يبديها المواطن العادي. وكان من المحزن ظهور ابنة أحمد نجيب الشابي، الشخصية السياسية المعروفة، في فيديو قصير وهي تبكي والدها وكلّ السياسيين الذين يعانون أوضاعاً صعبة في السجون، ولم تُخفِ أنّ أكثر ما يؤلمها حالة التجاهل والصمت الشعبي إزاء هذه المعاناة.
من الإجحاف القول إنّ المعارضة تدفع ثمن أخطاء ماضيها ونزاعاتها وفصائليتها المفرطة وتنازعها على الغنيمة، أكثر من حرصها على تعزيز النظام الديمقراطي فحسب، لكنّ المؤكّد أنّ أداء من بقي من سياسيي المعارضة يكشف أنّها لم تتّعظ من أخطاء ماضيها، ولم تتعلّم الدرس، ولا تزال تجترّ المفردات نفسها حول إفشالها المتعمَّد، ومنعها من الإنجاز، وعدم منحها فرصةً لتثبيت التحوّل الديمقراطي، مع أنّ تجربة عشر سنوات كاملة كشفت اختلالاتٍ في الممارسة وسوءاً في التقدير، بما أدّى إلى ما تشهده البلاد اليوم.
لم تعد الأحزاب السياسية، إن كانت كذلك يوماً، الجهة الوحيدة التي تُعتبر “الممثّل الشرعي” لمعارضي الحكومة وسياساتها
أزمة المعارضة التونسية جزء من أزمة النظام السياسي برمّته، سواء لعجزه عن استيعاب كلّ القوى المتنازعة أو لعقمه فلم يولِّد جيلاً جديداً من السياسيين ممَّن تحرّروا من أسر الماضي والنزاعات الأيديولوجية المدمِّرة التي لا يزال سياسيو اليوم يقتاتون على نزاعاتها أيّام نشاطهم الفصائلي في الجامعة التونسية في سبعينيّات القرن الماضي وثمانينياته. تحتاج إعادة هيكلة النظام السياسي، قبل كلّ شيء، إلى عناصر جديدة وأذهان خلّاقة غير متكلّسة، فلا يمكن بناء شيء جديد بحجارة قديمة متهالكة.
ومع أزمة التمثيل والمشاركة، لم تعد الأحزاب السياسية، إن كانت كذلك يوماً، الجهة الوحيدة التي تُعتبر “الممثّل الشرعي” لمعارضي الحكومة وسياساتها. ويمكن بالفعل تحديد جهات معارضة متعدّدة، لا سيّما بين ناشطي مواقع التواصل ومنظّمات المجتمع المدني، غير أنّ هذه القوى كلّها لا تزال تفتقر إلى الهيكلة والحدّ الأدنى من التنسيق الذي يمنحها صفة قوى الضغط، كما هو حاصل في البلدان الديمقراطية. وإجمالاً، تقتات السلطة على أزمة المعارضة، بل وتُصرّف أزماتها السلطوية وفشلها في الإدارة على حساب هذه المعارضة التي فشلت في التواصل مع الشارع، وعجزت عن تقديم بدائل منها، والأهمّ أنها لم تعلن مراجعاتها أخطاءً ارتكبتها في ماضيها السياسي.
المصدر: العربي الجديد






