
علي أنوزلا
سيذكر العالم كأس العالم 2026 باعتبارها “مونديال ترامب”، وليس في هذا الوصف أي مدح للبطولة أو للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي بات اسمه، في نظر كثيرين، مقترناً بالعقوبات والحروب والأزمات السياسية والاقتصادية التي لا تنتهي. وبقدر ما سوف يتذكّر العالم هذه الدورة بالأهداف الجميلة التي سُجلت فيها، وبأسماء اللاعبين الذيم برزوا فيها، وبالمنتخب الذي أحرز اللقب، سيتذكّرها أيضاً بالرئيس ترامب، فلم يسبق لرئيس دولة أن طبع بطولة كأس العالم بهذا القدر من الحضور السياسي، رغم أنه لم يحضر سوى مباراتها النهائية، فقد كان حاضراً في كل شيء تقريباً؛ في قرارات التأشيرات، وفي الجدل الدبلوماسي، وفي علاقة غير مسبوقة برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وصولاً إلى المشهد الختامي الذي اختزل كل ما سبق. فقد ظل اسم ترامب يخيّم على البطولة كغيمة سوداء حتى قبل انطلاقها في 11 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، حيث كان واضحا منذ البداية أن هذه النسخة لن تشبه سابقاتها، وأول من أدرك هذا رئيس “فيفا” جياتي إنفانتينو الذي أراد أن يجعل من ترامب شريكاً سياسيّاً أكثر منه رئيساً للدولة المضيفة، ولم يخف رئيس “فيفا” هذا التقارب، بل سعى إلى ترسيخه من خلال مبادرات اعتبرها كثيرون أقرب إلى المجاملة السياسية منها إلى العمل الرياضي، منها استحداث ما سمّيت “جائزة الفيفا للسلام”، في خطوة فُهمِت على نطاق واسع محاولة لاسترضاء رئيس أميركي طالما عبّر عن رغبته في الحصول على جائزة نوبل للسلام. ولنتصوّر، على سبيل المقارنة، لو أن الأكاديمية السويدية اعتمدت المنطق نفسه، ومنحت جائزتها للسلام لرئيس يساند حرب الإبادة المستمرّة في غزّة ويموّلها ويشن حربًا عدوانية على إيران؛ كيف كانت ستبدو مصداقيتها اليوم؟
كان إنفانتينو يعتقد أن هذه المجاملة ستفتح له أبواب البيت الأبيض، وأنه أبرم صفقة عنوانها؛ الجائزة مقابل رضا ترامب. لكن ثمن هذه الصفقة الفاشلة كان باهظاً، ولم يقتصر الأمر على المساس باستقلالية الاتحاد الدولي لكرة القدم، بل امتد إلى الإضرار بمصداقية “فيفا” وبسمعة اللعبة الأكثر شعبية، وتحوّلت العلاقة الشخصية بين إنفانتينو وترامب إلى أحد أبرز عناوين البطولة، وبدأت الصحافة الدولية تتحدث عن تراجع استقلالية “فيفا”، وعن تسييس غير مسبوق لكرة القدم. ولم تعد الانتقادات موجهة إلى الإدارة الأميركية وحدها، بل إلى الاتحاد الدولي أيضاً، لأنه اختار الصمت في كل مرّة كانت القرارات السياسية تمس البطولة.
كان هذا أول مؤشّر على أن الاتحاد الدولي لكرة القدم لم يعد يحافظ على المسافة نفسها من السلطة السياسية، وهي المسافة التي ظل يطالب بها الجميع عندما كان يتعلق الأمر بالدول الأخرى. وتتالت المؤشرات الواحد تلو الآخر، بدأت بسياسة التأشيرات، فقد وجد مشجّعون ورياضيون أنفسهم أمام عراقيل لم تعرفها بطولات سابقة، وبلغ الجدل ذروته عندما مُنع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، الذي اختارته “فيفا” رسميًا لإدارة مبارياتٍ في كأس العالم، من دخول الولايات المتحدة. لم يكن الأمر مجرد مشكلة إدارية، بل تحوّل إلى رمز للتناقض بين الخطاب الذي يرفع شعار عالمية كرة القدم وواقع تفرض فيه السياسة حدوداً على من يحق له المشاركة في أكبر حدث رياضي في العالم.
بطولة اختلطت فيها السياسة بالرياضة، واختلطت فيها مصالح الدولة المضيفة باستقلالية الاتحاد الدولي
ثم جاءت قضية المنتخب الإيراني، ففي أوج التوتر العسكري بين واشنطن وطهران، أثيرت تساؤلات بشأن مشاركة إيران في البطولة، بعد تصريحات للرئيس الأميركي لمّح فيها إلى أنه كان يفضل مشاركة المنتخب الإيطالي بدلًا منه. ورغم مشاركة المنتخب الإيراني في النهاية، كشف الجدل الذي أحاط بشروط هذه المشاركة حجم التأثير الذي أصبحت السياسة تمارسه على بطولة يفترض أنها تقوم على مبدأ المساواة بين الاتحادات الرياضية.
أكثر الوقائع إثارة للجدل كانت التدخل السياسي في قرارات رياضية، بعدما تدخّل ترامب لدى إنفانتينو بشأن عقوبة انضباطية على لاعب في المنتخب الأميركي، لتنتهي القضية بتأجيل تنفيذها. وبغض النظر عن التفاصيل القانونية للقضية، كان مجرد تداول هذه الرواية كافيًا لإلحاق ضرر بالغ بصورة “فيفا”، لأنها أوحت بأن قراراتها قد تصبح قابلة للتغيير عندما يتعلق الأمر برغبة رئيس الدولة المضيفة، وفتحت الباب مستقبلاً أمام تأثير السياسيين في شؤون يفترض أن تبقى في منأى عن الضغوط السياسية.
صورة مونديال 2026، رئيس أقوى دولة يقف على منصّة التتويج رافضاً مغادرتها
وجاءت مراسم الاختتام لتختزل كل هذا الجدل، فقد تحولت لحظة كان يفترض أن تكون احتفالاً عالميّاً بكرة القدم إلى مشهد سياسي أثار انتقاداتٍ كثيرة، عندما عُزف النشيد الوطني الأميركي وحده، رغم أن البطولة استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وبلغ الانتقاد أوجه في أثناء لحظة التتويج، ففي الوقت الذي كان يفترض أن يكون فيه المنتخب الإسباني بطل المشهد، استحوذ ترامب على الأضواء، استُقبل بصافرات استهجان من قطاع من الجمهور، ثم بقي على منصة التتويج في أثناء احتفال اللاعبين برفع الكأس، في مشهد غير مألوف في تاريخ كأس العالم. والتقطت عدسات الكاميرات لحظة بدا فيها إنفانتينو وهو يحاول إقناعه بمغادرة المنصّة وتركها للاعبين، في صورة أصبحت من أكثر الصور تداولاً بعد النهائي، لا تليق برئيس دولة عظمى، أراد أن يجعل لحظة تتويج الأبطال تدور حول شخصه أكثر مما تدور حول أبطال المستطيل الأخضر في مشهد معبّر لم يكن مجرد لقطة بروتوكولية مرتبكة بل خاتمة منطقية لبطولة اختلطت فيها السياسة بالرياضة، واختلطت فيها مصالح الدولة المضيفة باستقلالية الاتحاد الدولي.
غاب ترامب عن معظم مباريات البطولة، لكنه ظل حاضراً في خلفية المشهد بقراراته السياسية والأمنية والحربية، وعبر العلاقة الملتبسة التي نسجها مع رئيس “فيفا”. ولهذا، لم يكن حضوره في المباراة النهائية مجرّد ظهور بروتوكولي، بل كان تتويجاً لحضور سياسي رافق البطولة منذ يومها الأول، وبينما احتفل العالم بتتويج إسبانيا، بقي المشهد الذي سيظلّ في الذاكرة هو الذي امتزجت فيه كرة القدم بالسياسة، وتحول فيه حفل الختام إلى واحد من أكثر المشاهد إثارة للجدل في تاريخ كأس العالم.
ربما حقّقت بطولة 2026 نجاحاً تنظيميّاً وجماهيريّاً، وربما شهدت مستويات فنية رفيعة، لكن التاريخ لا يحتفظ دائماً بالأرقام والإحصاءات وحدها؛ ففي بعض الأحيان، يختزل بطولة كاملة في صورة واحدة. وصورة مونديال 2026 قد لا تكون هدفاً رائعاً أو احتفالاً إسبانيًا بالكأس، بل رئيس أقوى دولة يقف على منصّة التتويج رافضاً مغادرتها، بينما يحاول رئيس الاتحاد الدولي إفساح المجال للأبطال الحقيقيين، صورة تختزل واقعنا الذي يعجّ بأبطال حقيقيين، ولكن من يفسح لهم المجال ليحتلوا الأماكن التي يستحقونها؟
المصدر: العربي الجديد






