
حسم العاهل الأردني عبد الله الثاني قصّة استقالة وزير العمل خالد البكّار، وانتصر لرئيس وزرائه جعفر حسّان الذي طلب من الوزير الخروج من الحكومة، على خلفية اتهامات بتضارب المصالح. شغلت هذه القضية الشارع الأردني، وتحوّلت من قضية ترتبط بتوجّه رئيس الوزراء لترسيخ ثقافة المساءلة إلى فرصة للطعن بالحكومة ووزرائها، وإلى السعي إلى تصفية الحسابات السياسية. فعلى مدى أيّام كانت منصّات التواصل الاجتماعي تروّج معلومات عن وزراء آخرين متورّطين في قضايا تضارب المصالح، واتهامات أوسع بالفساد، وانشغلت الصالونات السياسية بحديث عن تعديل الحكومة، وهو أمر شائع ومتكرّر، وذهبت الشائعات إلى إنّ جعفر حسّان تضرّرت صورته، ويواجه تحدّي الاستمرار والبقاء في كرسي رئاسة الحكومة.
ثمّة ثقافة شائعة في الأردن أنّ بعض الوزراء يأتون إلى الحكم ويشاركون في السلطة التنفيذية لأنّه أقصر طريق إلى الثراء
في الأردن، ثمّة ثقافة شائعة أنّ بعض الوزراء يأتون إلى الحكم ويشاركون في السلطة التنفيذية لأنّه أقصر طريق إلى الثراء. ورغم وجود قانون الكسب غير المشروع، وإلزامية إشهار الذمّة المالية للمسؤولين في السلطة، استمرّت الشائعات في اتهام وزراء حاليين وسابقين بالانتفاع والإثراء غير المشروعَين، والمشكلة لم تكن في شيوع الاتهامات، بل في ضعف المساءلة. وكان يكفي، للحدّ من هذا الهرج والمرج، أن يُسأل من تلاحقهم شبهات الفساد: من أين لكم هذا؟
يقول الفقيه الأميركي لويس برانديس: “أشعّة الشمس أفضل مُطهِّر”. فجوهر الحوكمة الشفافية، وكلّ تقارير المؤسّسات الاقتصادية الدولية تحدّثت عن الشفافية ورفع كفاءة القطاع العام. وتقول منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقاريرها عن الأردن: “إنّ النزاهة العامّة لا تقوم فقط على معاقبة الفساد، بل على وجود قواعد واضحة للإفصاح، وتجنّب تضارب المصالح، والمساءلة المؤسّسية”. لا جديد في القول إنّ رئيس الوزراء جعفر حسّان صاحب أجندة اقتصادية، ولكن حكومته كلما حاولت التقدّم اقتصادياً سحبتها الحالة السياسية خطوات إلى الوراء. ورغم حرصه الشديد على التجوّل بحذر في “حقول الألغام” السياسية، إلّا أنّه مضطر للاصطدام ببعضها، ودفع كلفة سياسية لمواجهات لم يخترها، كما حدث في ملفّ الوزير البكّار، ما قد يتكرّر مع وزراء آخرين لا انسجام ولا تجانس بينهم وبين الرئيس، ويثيرون، في تصرّفاتهم وإجراءاتهم، زوابع من النقد حولهم.
في التقييم الاقتصادي، تنجز الحكومة ما كان معلّقاً ومعطّلاً منذ سنوات، وهي تسّرع وتيرة العمل في المشاريع الاقتصادية الكُبرى، مثل الناقل الوطني للمياه، ومشروع سكك الحديد، وتعطي أولوية لتحديث منظومة الخدمات التعليمية والصحّية، وتمضي بخطوات ملموسة في عمليات التحوّل الرقمي في القطاع العام، بما يسهّل الأعمال، ويعزّز العدالة والإنصاف بصورة أكبر. هذا المنجز الاقتصادي لا تحجبه القنابل الدخانية التي تطلقها وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن السؤال الذي يتردّد: هل يمضي التحديث الاقتصادي على حساب مشروع التحديث والإصلاح السياسي؟
بكلّ حزم، أغلقت الدولة الأردنية ملفّ جماعة الإخوان المسلمين، واعتبرتها جماعةً محظورةً، وضيّقت الخناق على ذراعها السياسية، حزب جبهة العمل الإسلامي سابقاً، وحزب الأمّة لاحقاً. وكانت الرسالة واضحة: إمّا الانحناء للعاصفة، والتماهي مع أجندة الدولة، أو “بطاقة حمراء”، وطردٌ خارج اللعبة السياسية.
هل يمضي التحديث الاقتصادي على حساب مشروع التحديث والإصلاح السياسي؟
ولهذا، تؤشّر الخطوات الرامية إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي سياسياً إلى مراجعات يعتبرها بعض المراقبين مقلقةً، ويفسّرونها خطوات إلى الخلف. ففي الدورة البرلمانية الاستثنائية سيعرض قانون الإدارة المحلّية، الذي يتراجع عن فكرة اللامركزية لمصلحة تعزيز سلطة الحكومة في البلديات. كما يتواصل الحديث عن مراجعات تجريها مرجعيات الدولة لقانون الانتخاب، وفي مقدّمها ما يتعلّق بالقوائم الحزبية الوطنية، التي حصد التيّار الإسلامي الحصّة الوازنة منها. في ظلّ البيئة المضطربة سياسياً في الإقليم، والحروب، والنزاعات، ووجود الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، والتمدّد السرطاني لليمين الصهيوني في تلّ أبيب، الذي يهدّد الأردن، وبعد حرب الإبادة على غزّة، تبدو السلطة في الأردن غير متعجّلة في الإصلاح السياسي، ولا أحد يضغط عليها من الداعمين والمانحين لتقديم كشف حساب عمّا أنجزته. وحتّى حين لا تعجبهم بعض ممارساتها، كما حدث بعد موجة الإعدامات التي نُفذّت أخيراً، فإنّهم ينتقدون بخجل، وبصوت خافت، وفي الغالب داخل غرف مغلقة، وهذا لا يزعج الحُكم في عمّان.
لا تخفى أولوية الأجندة الاقتصادية لرئيس الحكومة. ومع هذا، يصغي إلى الشارع، ويريد عمراً أطول لحكومته. ولهذا فإنّه، “بميزان الذهب”، يتجنّب خوض المعارك التي لا مبرّر لها، ويعتمد نهج إدارة المخاطر، والدليل تأجيل معركة تعديل قانون الضمان الاجتماعي، فالاستقرار السياسي يتقدّم على الاستعجال التشريعي، حتّى في الأمور الملحّة. ومن يعرفونه يشيرون بوضوح إلى أنّه حاسم في المواجهات داخل البيت الحكومي، ودقيق في متابعة فريقه الوزاري، غير أنّه ليس من هواة المكاسرات السياسية، ولا من هواة الصدامات تحت قبّة البرلمان.
مضت قضية وزير العمل السابق خالد البكّار بسلام، فماذا ينتظر حكومة جعفر حسّان في هذا الصيف؟ فلننتظر ونرَ.
المصدر: العربي الجديد






