هل استسلمت حماس؟

     لميس أندوني

واجهت حركة حماس صعوبة في قرارها تسليم سلطاتها في قطاع غزّة للجنة التي تعمل تحت إدارة ما يُسمّى “مجلس السلام”، لكن القرار يُعَدّ قبولاً بشروط أميركا وإسرائيل، إن لم نقل استسلاماً، ليس بمعنى التخلي عن الالتزام بالقضية الفلسطينية، بل استسلام لوصاية أميركية إسرائيلية على غزّة.

تُناقَش الخطوة في سياقين مترابطين: حقيقة أن “حماس” رفضت أن تساوم على سيطرتها على غزّة في جميع مراحل الحوار الفلسطيني منذ استولت على السلطة بالقوة في عام 2007. وسياق حرب الإبادة الإسرائيلية التي دمّرت الحياة في القطاع، وتخلي العرب عن المقاومة الفلسطينية وتخلي العالم عن أهل غزّة بخاصة، والفلسطينيين بعامة.

من الضروري توضيح أن المقال لا يتهم الحركة بالجبن ولا يشمت بها، وأن مقدار الألم والخسارة الذي تحمّله ويتحمّله وسيتحمّله أهل غزّة يجعل من الصعب الطلب من “حماس الرفض”، وقد خلا السند أو النصير، ولا يمكن المزايدة على وجع أهل غزّة. لكن ما يُخشى منه، بل يمكن تأكيده، أن القرار لن يجلب الأمان لأهل غزّة؛ لأن “مجلس السلام” الكاذب معنيٌّ بتنفيذ المخططات الإسرائيلية والأميركية، وليس معنيّاً بسلامة أهل غزّة ومستقبلهم.

بشأن السياق الأول للخطوة، قبلت حركة حماس مرغمة بتسليم سلطتها اللجنة التي وإن كان أعضاؤها فلسطينيين، لكنها لا تملك القرار. وقد تكون الإمارات الطرف صاحب النفوذ الأهم فيها، بناءً على علاقتها التحالفية مع إسرائيل، ومن خلال المفصول من حركة فتح، محمد دحلان، فهو الجهة الأقوى في الوسط الفلسطيني في غزّة وداخل اللجنة.

مجلس السلام” الكاذب معنيٌّ بتنفيذ المخططات الإسرائيلية والأميركية، وليس معنيّاً بسلامة أهل غزّة ومستقبلهم

عودة أخرى إلى الوراء وأبعد: يجب الإقرار بأنّ تمسُّك “حماس” بالسلطة بعد الاستيلاء عليها في عام 2007 كان أحد أسباب فشل حوار المصالحة الفلسطينية، وإن كانت السلطة الفلسطينية تتحمّل الذنب الأكبر، فسياستها الإقصائية وحرصها على رضى الغرب وعدم إغضاب إسرائيل إحدى الكوارث التي عمّقت الشرخ الفلسطيني. ولكن أن تقبل “حماس” أخيراً بتسليم مصيرها ومصير غزّة لمجلسٍ يمثل الاحتلال الإسرائيلي عملياً، حتى لو كان هذا قسراً، فهذه مفارقةٌ مبكية، ولا مجال هنا لأقول مضحكة، فالكارثة لا تحتمل السخرية. قد تكون بقرارها هذا جنّبت أهل غزّة مزيداً من المعاناة. لكن هذا لن يغير أي شي من مخططات التهجير وتحويل غزّة إلى عقارات ومنتجعات يملكها الأثرياء من أصدقاء أميركا وإسرائيل.

صحيح أنّ “حماس” قد تكون مرغمة على التسليم بالواقع الجديد في غزّة، لكن ما حدث ويحدُث يبرهن حجم الانقسامات الفصائلية والفلسطينية المناطقية، وهذه حقيقة مؤسفة، والمنافسة على سلطة منقوصة الصلاحيات والسيادة، هي التي أوصلت إلى هذا الحال.

نعلم أن اتفاق أوسلو أساس المشكلة؛ إذ لا سلطة وطنية ممكنة تحت احتلال، لكن المصيبة الأكبر أن كل الأطراف، سواء التي أخذت طريق المفاوضات مع إسرائيل أو المهادنة أو المقاومة، استمرأت السلطة والنفوذ والشعور بأهمية الذوات والمظاهر والتحكم بالشعب الفلسطيني.

خطأ “حماس” أنها أطلقت عملية كبرى ضد إسرائيل دون امتلاك رؤية استراتيجية، وهو ما يراه بعضهم خطيئة

ليس ما تقدّم إنكاراً لشجاعة مقاومة “حماس”، أو لتضحيات جميع المناضلين والمقاومين من جميع الفصائل الفلسطينية. ولا نستطيع تحميل الحركة وحدها المسؤولية على تداعيات “طوفان الأقصى” على الوضع في غزّة والضفة والغربية والقدس..

خطأ “حماس” أنها أطلقت عملية كبرى ضد إسرائيل دون امتلاك رؤية استراتيجية، وهو ما يراه بعضهم خطيئة. لكن الخطيئة الكبرى في وجود أنظمة عربية حاربت المقاومة وفكرة المقاومة، وتواطأت ضد أي مقاوم، “حماس” أو “فتح” أو المتضامنين مع فكرة المقاومة في الدول العربية.

يقودنا هذا بشكلٍ متصل في السياق الآخر إلى خطوة الحركة الإسلامية أخيراً؛ فكما ذكرت، إن أي حركة فلسطينية وعربية محارَبة من محيطها العربي، فجزء من نجاح أي حركة تحرّر أن يكون لها امتداد ليس جماهيرياً فقط (الحاضنة الجماهيرية)، بل في المحيط كذلك. والمقصود هنا التضامن والإسناد، وهذا لم يحدث، ليس فقط بعد “طوفان الأقصى”، بل حتى خلال الانتفاضة الأولى التي كانت غير مسلّحة عام 1987 ولا خلال الانتفاضة الثانية في 2001. إضافة إلى أن “حماس” راهنت على وحدة الجبهات. ولكن رغم فتح جبهات من لبنان واليمن، بدعم من إيران، حتى وإن جاء الردّ متأخّراً قليلا، أدّى الردّ الإسرائيلي المتوحش، باغتيال قادة حزب الله أو القصف الانتقامي لليمن ولبنان، وقتل آلاف اللبنانيين واحتلال جنوب لبنان، أدّى إلى تحويل الشعب اللبناني ضحية وضحايا، فالرسالة الإسرائيلية هنا عقاب الشعوب ومزيد من التمدّد والاحتلال، طالما تضمن أنه لا يوجد ردع ولا رادع. لتكمل السلطة في لبنان المأساة بتوقيع الاتفاق الإطاري، الذي لم يضعف حزب الله فقط، وإنما أيضاً شكّل ضربة موجعة لحركة حماس وجعلها تشعر بالوحدة والخذلان أكثر.

المقاومة تتحمّل جزءاً من اللوم، لضيق أفقها، لكن شيطنتها مرفوضة، في وقتٍ تعمل فيه الأنظمة العربية وإعلامها على تصوير حركات المقاومة أنها وحدها الملومة

صحيح أن المقاومة تتحمّل جزءاً من اللوم، لضيق أفقها، لكن شيطنتها مرفوضة، وبخاصة في وقتٍ تعمل فيه الأنظمة العربية وإعلامها ونخبها على تصوير حركات المقاومة أنها وحدها الملومة، وأصبح كل من يهادن ويتواطأ بل ويخون العقلاني، والتخلي عن الشعب الفلسطيني أصبح في نظر بعض “النخب” الخيار الحكيم، فلا مكان لحرية أو تحرّر أو عدالة، وإنما الخضوع والخنوع. وهذا يوصلنا إلى جانب آخر من نتائج عملية طوفان الأقصى، ففيما تُدفع “حماس” إلى التسليم ووضع مصيرها في أيدي مجرمي حرب وتجار حروب، أصبحت مثالاً عالمياً لحركة مقاومة كشفت وجه أميركا والغرب الحقيقي ونفاقه حتى لمواطني أميركا والغرب أنفسهم. إذ يوقظ الفعل المقاوم العقول من الخمول، وإنْ جعلت الخسائر البشرية وخسارات مجتمع غزة، وهي لن تعوّض أو ترمم، من الصعب على أهل غزّة، وهذا مفهوم، أن يروا هذا التحوّل العالمي ببهجة أو فرح.

واضح أن وجع أهل غزّة كان عاملاً أساسياً في قرار “حماس”، فليس سرّاً أن ما واجهه أهل غزّة يفوق الاحتمال والتحمّل. أكتب هذا وفي قلبي غصة، فتسليم “حماس” أمرها وأمر غزّة، وهي خطّة أيدتها السلطة الفلسطينية، لعصابة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يكاد يكون سوريالياً. وهنا لا أشعر بأن لدي الحق بإدانة قرار “حماس”، وإنْ لا أتقبله، لكن الأهم أن تعرف جميع الأطراف الفلسطينية أن اللائمة على الجميع.

إن لم تدفع نكبة غزّة الفلسطينيين إلى الوحدة والاستمرار بالمقاومة بمختلف الوسائل، بما فيها الكفاح المسلح الذي لم يكن يوماً الشكل الوحيد للمقاومة، فلن نستطيع وقف التدهور، المعروفة مآلاته، بل إن كل التضامن العالمي والزخم الذي كسبته القضية سيتناثر.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى