
بالنسبة لسورية يشكل العراق أهم بلد مجاور، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي ولكن أيضا على الصعيد الاستراتيجي والأمني.
منذ العام 2003 وحتى قبل ذلك في التسعينات ظهر وكأن العلاقة العراقية – السورية قد أصيبت بضرر بالغ بسبب النظرة السياسية لنظام الأسد البائد الذي اعتبر العراق مصدرا لواحد من أشد المخاطر على نظامه السياسي , مما دفعه للتضحية بكل المكاسب الكبيرة التي كان يمكن أن تحصل عليها سورية من خطوط نقل النفط العراقي والتجارة بين العراق وسورية , بل لقد تمادى نظام الأسد بطريقة غير عقلانية ملفتة للنظر في العداوة مع العراق حتى أصبحت زيارة العراق ممنوعة وفق جواز السفر السوري .
وضمن عقلية العداوة المطلقة تم تعطيل ضخ النفط ضمن الأنابيب التي كانت توفر للدولة السورية موردا ماليا ثابتا كرسوم للمرور إضافة للحصول على النفط العراقي بأسعار تفضيلية وبدون كلفة تذكر للنقل بحيث شكل الاعتماد على النفط العراقي مصدرا هاما لتشغيل كل من مصفاة بانياس ومصفاة حمص .
لاحقا مع تطور العلاقة بين النظام السوري وايران اتخذت العلاقة العراقية – السورية طابعا معقدا , فسورية دخلت في محور ايران الذي يضم العراق ومع ذلك بقيت العلاقة السورية – العراقية في أدنى حالاتها , واضطر العراق لمد خط لنقل النفط من كركوك إلى البحر المتوسط عبر تركيا وبذلك تدهور مركز سورية كمنفذ لنقل الطاقة على نطاق الاقليم .
حين سقط النظام البائد في سورية شعر بعض أقطاب الساسة العراقيين الأشد طائفية بالهلع , واعتبروا أن النظام الجديد سيكون مصدر خطر داهم عليهم , لكن الزمن أثبت أن ذلك لم يكن سوى وهم مبالغ فيه , وأن النظام الجديد يرسم استراتيجيته السياسية لخدمة إعادة الإعمار وليس لأية أهداف أخرى .
تشكل الحملة الأخيرة على الفساد في العراق مؤشرا على بداية تغييرات جوهرية يمكن أن تطال النظام السياسي العراقي بإبعاده عن ايران , وتقليم أظافر الفصائل المسلحة التابعة لها في العراق .
هذا الاتجاه مرشح للتعمق في ظل انكسار قوة ايران بعد الحرب وفقدانها نفوذها السابق في المنطقة بعد سقوط النظام السوري البائد .
ومن الواضح أن الفصائل المسلحة هي العقبة الكبرى أمام إصلاح النظام السياسي بالطرق السلمية , وأن تصفيتها بصورة تدريجية ستفتح الطريق أمام التغيير المطلوب في العراق .
بالتأكيد فإن عراقا مستقلا عن ايران سوف يستعيد هويته ويصبح قادرا بصورة أفضل على بناء علاقات مع سورية تتسم بالتعاون وحسن الجوار والمصلحة المتبادلة واستعادة روح الأخوة التي أصيبت بضرر في المرحلة السابقة وهذا ما يطمح إليه الشعبان الشقيقان .
تتيح العلاقات الطبيعية بين سورية والعراق استعادة مركز سورية كممر مفضل للنفط العراقي ليس من الشمال العراقي فقط ولكن من حقول نفط البصرة أيضا , ويمنح ذلك العراق بديلا عن نقل النفط عبر مضيق هرمز الذي أصبح ممرا غير مستحب بسبب المخاطر التي كشفت عنها حرب ايران ومايبدو أنه تصميم ايران على فرض رسوم عبور تزيد من كلفة النقل فضلا عن طول الخطوط البحرية بعد اجتياز المضيق نحو أوربة .
ليست الممرات الممكنة للنفط العراقي عبر سورية سوى واحدة من المنافع الكبيرة لتبادل المصالح مع العراق , فالتجارة البينية بين البلدين يمكن أن ترتفع بصورة كبيرة جدا بسبب القرب الجغرافي والعلاقة القديمة بين الشعبين .
ويمكن للاقتصاد أن يكون جسرا لاستعادة الروابط التاريخية والانسانية بين العراق وسورية والتطلع نحو سوق مشتركة في مرحلة لاحقة .






