
ارتبطت الحروب، منذ الأزل، بالاعتداءات الجنسية على النساء والفتيات، بل كانت الجيوش ترى فيها مكافأةً مقبولةً في حالة الانتصار وهزيمة العدو، حتّى إنّ أحداً لم يتعامل مع هذا الانتهاك لآدمية الإنسان جريمةً تستحقّ الإدانة. يستمرّ الأمر في عصرنا الحالي، فيُعامل الاغتصاب مجرّد أثر جانبي من آثار الحرب. وعلى الرغم من أنّ موضوع الاغتصاب إبّان الصراعات العسكرية كان محوراً لدراسات وبحوثٍ وكتبٍ كثيرة، إلّا أنّ هذه الظاهرة الوحشية ما تزال بعيدةً من التفسير وعصيةً على الفهم، لا سيّما في حالة النزاعات الأهلية التي يخوض فيها مواطنون يعيشون في الرقعة نفسها من الأرض نزاعاً مع شركائهم في الجغرافيا. في السودان، الذي دخلت حربه عامها الرابع، وأدخلت معها هجمات المجموعة المتمرّدة (“الجنجويد”) على المدن والقرى أنواعاً من التنكيل والتعذيب والتفنّن في القتل لم يعرفها السودان، يبرز الاغتصاب وما ارتبط به من اعتداءات جنسية جماعية، أو عبودية، أو غير ذلك ممّا لا يمكن التفصيل فيه، بوصفه أحد أهم الآثار السلبية الناتجة من الصراع.
ركز تقرير منظّمة أطبّاء بلا حدود في منتصف العام الماضي (2025)، عن العنف الجنسي في السودان، على إقليم دارفور الذي تخضع أجزاء واسعة منه لسيطرة قوّات حميدتي
ولا يلجأ المسلّحون إلى الاغتصاب لمجرّد أنّهم يستقوون ببنادقهم، أو لأنّهم يشعرون برغبة ملحّة في ممارسة الجنس يريدون إشباعها مستغلّين موقع القوّة الذي هم فيه. الأمر أعقد من هذا بكثير، فالرغبة الجنسية لا تفسّر الاعتداء على سيّدات مسنّات أو فتيات صغيرات، كما أنّها لا تفسّر ما يحدث من تعمّد ممارسة هذه الجريمة أمام أفراد العائلة، الذين لا يملكون فعل شيء، ولا يملك بعضهم حتّى خيار اختيار إنهاء حياته حتّى لا يعيش هذه اللحظات. يريد المُسلّح المنتصر أن يقول إنّه امتلك الأرض والمكان وكلّ شيء، بما في ذلك مَن على الأرض من رجال ونساء. كما يعمل ذلك المُسلّح في إذلال الرجال بكلّ ما يملك من وسائل، لأنّه يرى أنّه لا بدّ من استباحة النساء، فالمطلوب سلب المجتمعات المهزومة كلَّ ما تملك حرفياً، ليس فقط من مال وممتلكات، بل حتّى ما تملكه من خصوصية واحترام وشرف. التحليل السلوكي والاجتماعي، الذي يحاول إيجاد تفسير عبر البحث في علوم النفس عن الخلل الذي يجعل شخصاً ما يتجرّد من الإنسانية، بما يجعله يصل إلى مرحلةً يصبح فيها أكثر وحشيةً من الحيوانات، مفيد، ولكنّه ليس كافياً، فالمنتهكون لم يرتكبوا هذه الجرائم بوصفها سلوكاً فردياً، بل قاموا بها جريمةَ حرب مُعدّةً سلفاً.
في السودان، لا يزال خطاب التعبئة والتحشيد يدعو المتمرّدين “الجنجويد” إلى التقدّم نحو مدن الشمال، مبنياً على تشجيعهم عبر التذكير بأنّ هناك نساء جميلات كثيرات بانتظارهم. هذا ما يردّدونه من دون مواربة، بل الغريب أنّ سيّدة منحها “الجنجويد” رتبةً عسكريةً كانت تحرّض، في مقطع مصوّر جلب لها انتقادات كثيرة من داخل البلاد وخارجها، على الاغتصاب وانتهاك الحرمات. في موضوع المغتصبين المسلّحين، يجب أن نعلم أنّنا لا نتعامل مع مرضى نفسيين يحتاجون العطف والعلاج، بل مع مجرمين واعين بأثر ما يفعلون وهو أثر مقصود، بل جزء من مخطّطات الحرب وأركانها.
ربّما فسّر علم السياسة الأمر بأفضل ممّا يفعل علم النفس، فإذا كانت الحرب موجّهةً نحو قبائل وإثنيات بعينها بقصد إفقارها وإقصائها أو إجبارها على ترك منطقتها والرحيل، وإذا كانت هذه الإثنيات المُستضعَفة لا تملك السلاح الكافي للدفاع عن نفسها، فإنّ الهجوم عبر الغارات المكثّفة، والشروع في ممارسة انتهاكات جنسية على نطاق واسع، سيكونان هما استراتيجية التحرّك المزدوج، التي سيستخدمها المهاجمون، ولن يرغبوا في الاستغناء عن أيّ منهما. أي إنّه، ومثلما لن يُستغنى عن السلاح الذي يحقّق الترويع اللازم، خاصّة إذا شرع المهاجمون في تنفيذ مجازر جماعية ضدّ كلّ من يبدي أيّ نوع من الرفض أو المقاومة، فإنّه لن يُستغنى أيضاً عن الجنس سلاحاً، بل يمكن للانتهاكات الجنسية في بعض الحالات أن تكون أكثر رعباً وترهيباً حتّى من القتل.
يمكن لهذا أن يجيب عن السؤال الذي طالما طاف في العقول: لماذا كان المهاجمون يتعمّدون تصوير انتهاكاتهم واعتداءاتهم؟ إحدى الإجابات كانت تردّ هذا إلى قلّة الوعي، أو لأنّهم يفرحون بشكل شخصي بتوثيق هذه اللحظات التي يظنون أنّ فيها بطولةً. صحيح أنّ لذلك التصوير كانت تداعيات دولية ساهمت في إغضاب العالم وفي ملاحقة مسؤولين مقرّبين من الجنرال المنشقّ محمّد حمدان دقلو (حميدتي) وفرض عقوبات عليهم، إلّا أنّ لها، بمنطق المليشيا، جانباً إيجابياً أيضاً، فقد حقّقت النصر المعنوي المطلوب، وأسهمت في ترهيب من أن يلاقي النساء في المناطق التي يتوجّه إليها “الجنجويد” المصير الأسود نفسه. ذلك الخوف، الذي لا يمكن لوم أحد عليه، أسهم في تسهيل إفراغ مناطق كثيرة، وبلدات اختار أصحابها أن يبدأوا رحلة نزوح وهروب إلى المجهول قبل أن يطأ أرضهم المجرمون.
لا تزال ظاهرة الاغتصاب بعيدةً من التفسير وعصيةً على الفهم، لا سيّما في حالة النزاعات الأهلية
الحروب قاسية على الجميع بالتأكيد، لكنّها أقسى ما تكون على النساء. مع توافر التقارير والبحوث وشهادات الناجيات يبدو العالم متلكّئاً في توجيه أصابع الاتهام، أو في ملاحقة الجهات المسؤولة عن ترويع الملايين، فيما تظهر المنظّمات الأممية بمظهر الحائر الذي يتعلّل بانتظار الظرف الملائم من أجل بدء تحقيقات، ثمّ محاكمات لتحديد وتوصيف ما يحدث.
في منتصف العام الماضي (2025)، أصدرت منظّمة أطبّاء بلا حدود تقريراً مختصراً عن العنف الجنسي في السودان، بالتركيز على إقليم دارفور الذي تخضع أجزاء واسعة منه لسيطرة قوّات حميدتي، الذي يحاول صنع سلطة موازية. المفارقة أنّ المنظّمة التي قدّمت تقريراً مؤثّراً عن وضع النساء في الإقليم الغربي، أعلنت في منتصف يونيو/ حزيران الجاري، أنّها فصلت بعد تحقيق داخلي 18 موظّفاً بتهمة الاستغلال الجنسي للاجئات السودانيات.
المصدر: العربي الجديد






