لماذا ارتفع سعر صرف الليرة السورية؟

  إياد الجعفري

خلال أربعة أيام فقط، ارتفع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، بنسبة 8.74%، في السوق الموازية التي تنشط عبر مكاتب وشركات الصرافة المُرخّصة. سبق ذلك بأسبوع، تحسُّنٌ بنسبة 1%، مما يجعل الحصيلة نحو 10%، في أقل من أسبوعين، الأمر الذي جعل هذا التحسُّن الفجائي والسريع في سعر صرف الليرة، موضع اهتمام كبير في أوساط السوريين، من زاوية السؤال عن مدى ديمومته.

إذ كما هو معلوم، فإن الارتفاع السريع، والذي يعقبه انخفاض سريع (تذبذب)، يشكّل أحد أبرز العوامل التي تُنفِّر الاستثمار، وتلجم النشاط الاقتصادي. ولم يشهد سعر صرف الليرة حالة تذبذب حادة منذ أكثر من سنة. الأمر الذي يثير القلق، لجهة هذا الارتفاع السريع، والذي يراه كثيرون، غير مرتبط بأسباب اقتصادية عميقة تبرره، مما يدفعهم لترجيح تأثير المضاربة في سوق الصرف السورية الصغيرة، والمحكومة بتوازنات تربط عدداً من تجار العملة، وفق هذه النظرية، والتي يخلص أصحابها من الاقتصاديين، إلى أن الليرة نحو هبوط حاد مرتقب. فالتحسّن لأسباب اقتصادية، لا يحدث بسرعة، بل ببطء. مما يجعل التحسّن الحالي نتاج مضاربة.

لكن هذه النظرية تتجاهل بالمطلق تأثير عوامل أخرى، نقدية ونفسية واقتصادية. أولى تلك العوامل، في اعتقادنا، تراجع الأثر السلبي لعملية استبدال العملة، على صعيد تشكيل طلبٍ على الدولار. فمهلة الاستبدال، والتي بدأت مع بداية العام الجاري، ستنتهي نهاية الشهر المقبل. ومن كان يملك سيولة كبيرة من الليرة السورية القديمة، ويجد صعوبة في استبدالها عبر قنوات الاستبدال المحددة من جانب المركزي السوري، لا بد أنه استبدلها بالدولار، خلال الفترة السابقة. والآن، هو بحاجة لتبديل جانب من سيولة الدولار المتشكلة لديه بليرة سورية جديدة، لتلبية احتياجاته على صعيد التعامل في السوق. الأمر الذي عَكَس حركة الطلب على الدولار، ليجعلها على الليرة الجديدة.

ثاني تلك العوامل، عَكسُ الأثر النفسي للتأزم الناجم عن الحرب ضد إيران. فتلك الحرب تسببت في بدايتها باتجاه طبيعي للتحوّط بالدولار لدى التجار وأصحاب الملاءة المالية، مما تسبب بتراجع كبير في سعر صرف الليرة السورية منذ منتصف آذار الفائت. لكن هذا الأثر، أصبح عكسياً منذ نحو أسبوعين. إذ تقرأ السوق الإقليمية والدولية الهدنة المعتمدة بين أطراف الحرب، ومجريات الفتح التدريجي لمضيق هرمز، بمؤشرات إيجابية انعكست على أسعار المعادن الثمينة والخام النفطي والدولار. وفي ظل هذا التفاؤل، لا بد أن من تحوّط بالدولار، يقوم الآن بتحويل جانب من سيولته إلى ليرة سورية جديدة، لخدمة نشاطه الاقتصادي المحلي، بعد أن زالت أسباب التحوّط.

هذان العاملان أثّرا بشكل واضح، لكن بطيء، منذ نحو أسبوعين. فالليرة تتجه للتحسّن التدريجي، منذ ذلك الحين. وترافق هذا، مع ضخ دولار في الأسواق، بفعل تزايد حركة المغتربين والسياح، والتي يمكن لحظُها على أرض الواقع.

لكن لماذا تحوّل هذا التحسّن التدريجي بنسبة 1% خلال أسبوع، إلى ارتفاع مفاجئ بنسبة تتجاوز 8% خلال أربعة أيام فقط؟ الجواب في التداعي النفسي لحركة العرض والطلب في سوق الصرف السورية، التي يصفها العارفون بها، بالضيقة. فحركة بيع الدولار تكاثفت تدريجياً، لتتسبّب في لحظة ما، بحركة بيع جماعية من جانب الناشطين في هذه السوق.

وكان لافتاً، أن حركة سوق الصرف الموازية تزامنت مع تحريك سعر الصرف الرسمي عكسياً. فبينما كانت الليرة ترتفع في السوق، خفّضها المصرف المركزي، مرتين متتاليتين. وهو ما تسبب بانكماش الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف الموازي من 26% إلى 9.20%. هذا التزامن فسّره مراقبون بتدخل المركزي عبر الضغط على كبار تجار العملة، الذين يعرفهم دون شك، ويملك نفوذاً مباشراً عليهم، كي يخفّضوا سعر صرف الدولار، لتحقيق هذا الهدف. أي تقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي، ونظيره في السوق الموازية. وهو أمر وارد بشدة. لكننا لا نستطيع الجزم به. فيما تبقى العوامل الثلاثة التي سبق أن أشرنا إليها، هي الأرجح في تغيير اتجاه حركة العرض والطلب على الليرة والدولار، في السوق السورية.

أما السؤال الأهم، في هذه القضية: إلى أين سيتجه سعر صرف الليرة، في الفترة القريبة المقبلة؟ من السهل أن نجيب، إنها مضاربة، مما يعني أن الارتفاع المفاجئ والسريع، سيعقبه انخفاض مفاجئ وسريع. لكن بناء حركة العرض والطلب في سوق الصرف، على مدخل المضاربة فقط، يبدو تبسيطاً مبالغاً فيه للمشهد. ونذهب من جانبنا، إلى أن الجزم باتجاه حركة سعر الصرف على مدى زمني قريب، أمر غاية في الصعوبة. في ظل عدم وضوح مدخلات حركة السوق، التي عادةً ما تتضح في وقت لاحق لتأثيرها، لا بصورة مسبقة. أما على المدى الزمني البعيد، فالقاعدة واضحة. التحسّن أو الاستقرار المستدام لسعر صرف الليرة يرتبط بانخفاض حجم المستوردات، وزيادة الإنتاج، بما يخفّض من العجز الكبير في الميزان التجاري السوري.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى