سعاد حسني والشعر

   محمود منير

“طول عمري أحب الشعر” بهذه العبارة ردّت سعاد حسني عند سؤالها عن العلاقة العاطفية التي جمعتها بالشاعر صلاح عبد الصبور. لم تكن الفنانة المصرية تراوغ في إجابتها التي عبّرت عن فهم عميق وواقعي لـ”الحب” رغم ما عاشته من عذابات بسببه، إلا أن الأهم من ذلك يتعلق بتذوقها للشعر.

لا يمكن فصْل الشعر عن الحب، كما تبين سعاد في قولها إن عبد الصبور أرادها ملهمة لكتابة قصيدته وهي استمتعت بدورها هذا من دون أن تتحقق من ماهية مشاعرها تجاهه، لأن فضولها للتعلّم والتحرر من الجهل والفقر بدا متقدماً على عواطفها. فضولٌ لا يلغي تعلّقها الشديد بمعظم الشخصيات الذين أثروا في حياتها في الوقت نفسه.

في حواراتها الممتدّة مع الصحافي منير مطاوع التي وثقها في كتاب، لم تقل كلمة واحدة عن نص شعري بعينه لعبد الصبور أو غيره. لا يقلل ذلك من اعتنائها بالشعر، فهي غنّت الموشحات والأناشيد في طفولتها قبل أن تتاح لها فرصة تعلم القراءة والكتابة في سن السادسة عشرة، بحسب مصادر وثقت سيرتها. بلغة أوضح، افتتنت بالشعر صغيرةً، لكنها لم تتمكّن من قراءته إلا متأخراً.

حقيقةٌ تكشف الكثير حول أيقونةٍ لم تتكرر في تاريخ السينما المصرية، ذاقت الفاقة والحرمان في بيت والدها، الذي منَع بناته من الالتحاق بالمدارس، وبلغت قسوته في تقتير الطعام على شقيقتها نجاة الصغيرة لأن هيئتها النحيفة ستؤهلها إلى دخول عالم الغناء فتجلب له مكاسب مادية كانت همّه الأوحد. وسط هذه الظروف القاهرة، تختار المصادفات شاعراً لصيق الصلة بالأغنية والفيلم والمسرح في نهاية الخمسينيات، اسمه عبد الرحمن الخميسي، أن يغيّر حياة سعاد حسني لتتخلّص من ظلم الأب. الخميسي تساءل في سلسلة مقالات كتبها في نهاية السبعينيات، إن كان خياره سليماً في دفعها إلى عالم التمثيل، وهو سؤال يعبّر عن لوم مبطن للذات بعد أن استغلت المخابرات المصرية سعاد حسني في علاقات جسدية خدمة لمصالحها، في ملف لا تزال تفاصيله غامضة حتى اليوم.

افتتنت بالشعر صغيرةً، لكنها لم تتمكّن من قراءته إلا في وقت متأخر

نعود إلى الشعر، فلا نعثر على تعليق لسعاد أو إشارة منها حول أشعار الخميسي الذي قدّمها لتمثل بطولة فيلم “حسن ونعيمة”، في أول ظهور سينمائي لها سنة 1959، غير أنها اعتبرته “ثائراً” في وصفها لحياة الصعاليك التي عاشها، حيث لا حواجز لديه بين الحياة والفن ولا حواجز بين جميع الفنون أيضاً. مقابل ذلك، ثمة شواهد مبكرة تلفت إلى ذائقتها الرفيعة في اختيار كلمات أغنياتها، مثلما حصل في فيلم “صغيرة على الحب” عام 1966 حين قدّمت ملاحظاتها على ثلاثة نصوص إلى مخرجه نيازي مصطفى حتى اختارت نصاً مناسباً لغنائه في الفيلم.

علاقتها الأوثق بالشعر توطدت مع صلاح جاهين؛ أبوها الروحي، باطلاعها على كامل أعماله، وكانت قريبة منها ليس لأنها مكتوبة بالعامية فحسب، إنما لعمق مضمونها وجرأته في التعبير عن أوجاع المصريين والبشر عموماً بأبسط الكلمات؛ كتابةٌ تشبه تمثيلها على الشاشة، وطفولة لم يغادرها الشاعر والممثلة. في واحدة من رباعيات جاهين التي سجّلتها سعاد حسني، تُخبّئ في صوتها فرادة وخصوصية تكثفان تجربتها، وهي تنشد “وأنا في الظلام، من غير شعاع يهتكه/ أَقف مكاني بخوف ولا أتركه/ ولما بيجي النور وأشوف الدروب/ أحتار زيادة… أيهم أَسلكه ؟/ عجبي!!”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى