
يُخبرنا رئيس مجلس الشعب السوري عبد الحميد العوّاك، في جلسةٍ لنا معه، نحن جمعٌ من الزملاء، في مكتبه في دمشق، أنّ إعداد التشريعات الخاصة بالعدالة الانتقالية من أولى أولويات المجلس. وفي ظهيرة اليوم التالي، نكون في مقرّ الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، مجتمعين مع رئيسها، عميد الشرطة السابق، والحقوقي القانوني، عبد الباسط عبد اللطيف، وزملاء له من لجنة الهيئة (عددهم 12)، رند صبّاغ، حسن جبران، فتاة محمد صقر، ياسمين علي مشعان، أحمد سيفو السيفو، ونُنصت إلى إيضاحاتٍ من ذواتهم المحترمة عن مهمّات عملهم، وما باشروا فيه وما يتطلعون إليه، وعن صعوباتٍ يلاقونها. وكان لافتاً في الحديث، المهني والمُدقّق، الذي أفضى به رئيس الهيئة، أنه جاء على غياب المنظومة التشريعية بخصوص العدالة الانتقالية المتوخّاة في سورية، ما يلتقي مع الذي أكّده العوّاك. وأفادنا عن اطّلاع الهيئة على مختلف تجارب العدالة الانتقالية (بمسمّياتٍ عدة) في دول عديدة زار بعضَها أعضاء في اللجنة.
وإلى تنويرٍ بالغ الفائدة أصبحنا عليه مما استمعنا إليه، عن جهودٍ ميدانيةٍ واسعةٍ أدّتها اللجنة، مع فرق متطوّعين وعاملين معها، في المحافظات السورية، لتوثيق الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق، من أجل العمل على ترسيم جبْر الضرر والتعويضات، فضلاً عن حماية الذاكرة السورية، بدا لنا أنّ ثمّة شيئاً من الصعوبة في علاقة الهيئة مع الإعلام. ما قد يعود، في ظنّ صاحب هذه الكلمات، إلى نُقصان الدراية لدى كثيرين من زملاء المهنة بهذا الملفّ العويص والمركّب، فضلاً عن نُقصان عمل الهيئة المحترمة في التواصل النشط مع الميديا عموماً. ذلك أن العدالة الانتقالية موضوعٌ تقنيٌّ مهنيٌّ له المختصّون به، وليس شأناً مبذولاً من الميسور أن يخوض فيه أيٌّ كان، من باب موقفه من السلطة الحاكمة، ذلك أنه خارج التداول السياسي بالمعنى العام، ويلزم أن يبقى هكذا، وليس مسألة ثقافية أو فكرية في الوسع استسهال سجالاتٍ أو تناطح آراء في شأنها، وإنْ لا يعني هذا أن يحتكر القولَ في هذا الشأن أهل الاختصاص والكفاءة القانونية والجدارة الحقوقية، وإنما يلزم أن ينشط تواصلٌ من جانب هؤلاء مع الجمهور العام، ومع ناس الإعلام والميديا، ليس فقط لإزالة التباساتٍ تتراكم، وتشوّشاتٍ على حقائق تائهة، بل أيضاً لئلا يُبتذل هذا الملف، الشديد الحساسية، والذي تواجهُه تحدّياتٌ بالغة الصعوبة، وثقيلة، في الاستقطاب الحادث في التداول العام في الشأن السوري، وفي ملاعب السوشيال ميديا ووسائط الإعلام، بالخفّة والركاكة إياهما.
ليست هذه السطور معنيةً بالعدميين ممن يصطفّون في ضفّةٍ صفريةٍ بشأن الموقف من السلطة الراهنة في سورية، فالنقاش مع هؤلاء وأشياعهم مغلقٌ في الأساس، ولا أفق له ولا نفع منه. إنما هي معنيةٌ بمن يحسُن أن يعرفوا أن موارد ضخمةً يحتاجها جبر الأضرار وتقديم التعويضات (المادية والرمزية والمعنوية) لملايين تضرّروا من النظام الساقط، وأن الإطار الشريعي والقانوني لملفات العقوبات الناجمة من الانتهاكات الجسيمة، ولتحقيق المصالحات الوطنية، غائب، وأن الجهاز القضائي في سورية لا يتوفّر على العدد اللازم من القضاة المؤهلين في هذا، ولمحاسبة الجناة وضمان حقوق الضحايا. وفيما المواردُ شحيحة، ومساحات العمل شاسعة، والخبرات غير كافية، والدعم الدولي قد لا يعتدّ به دائماً، يلزم أن يستقرّ في أفهام أهل القرار أن إلحاح السوريين على الإمساك بالمجرمين وإيقاع العقوبات المستحقّة عليهم، واستعجاله في الأمريْن (وغيرهما) في محلّه، كما الإلحاح على استعجال تأمين التعويضات اللازمة والمستحقّة لمن أوقع فيهم نظام الأسد جناياته وجرائمه المهولة التي يحتاج توثيقها جهازاً على كفاءة عالية وموارد بشرية متنوعة الاختصاصات وكبيرة.
كانت جلسةً شائقة، ونافعة، مع رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وزميلاته وزملائه، في دمشق. وأظنّه الشعور الذي صار فينا بعدها هو التعاطف مع كل العاملين في هذه الهيئة الاستثنائية عربياً كما يلزم التذكير (مع كل التقدير للتجربة المغربية، بعد انتكاسة التجربة التونسية)، ذلك أنّ المهمّات المُناطة بهم هائلة. وكذلك شعورٌ بالحاجة الواجبة إلى أن تتحقّق الثقة بين الجمهور العام وأدائهم الذي لن يستقيم مع نُقصان الاستقرار والأمن والأمان في البلاد. أمّا الإحباط (والعياذ بالله) من مخرجات الهيئة المنتظرة، إذا وقع لا سمح الله، فسيكون كارثياً.
المصدر:العربي الجديد






