تظاهرات الشوارع العربية وأزمة الدولة

خالد الجابر

تتطلّب قراءة عودة التظاهرات إلى بعض العواصم العربية، وفي مقدّمتها تونس، التوقّف عندها مؤشّراً سياسياً، لا حدثاً محلّياً معزولاً عمّا يجري في المنطقة. فقد امتدّت الاحتجاجات إلى محافظات عدّة، ورفعت مطالبها من تحسين الأوضاع الاقتصادية إلى استعادة أبسط مقوّمات الحياة والكرامة والخدمات العامّة، في الوقت الذي تراهن فيه الحكومة على خطّة تنموية جديدة تُقدَّر استثماراتها بنحو 21 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة، غير أنّ ضخّ الأموال، مهما بلغ حجمه، لا يضمن وحده استعادة الثقة إذا ما استمرّت الفجوة بين الدولة والمجتمع على حالها.
مع اندلاع أيّ تظاهرة في مدينة عربية، يتكرّر الخطاب الرسمي نفسه، فتُعزى الاحتجاجات إلى أزمة اقتصادية عابرة أو إلى تحريض خارجي أو إلى حملات مدروسة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنّ المشكلة تكمن دائماً خارج الدولة لا في داخلها. لكنّ هذا الخطاب فقدَ كثيراً من قدرته على الإقناع، لأنّه يتعامل مع الاحتجاج باعتباره حادثاً طارئاً، بينما يتجاهل التراكمات السياسية والاجتماعية التي أدّت إليه. وهنا، لا بُدّ من التساؤل: هل تغامر المجتمعات فعلاً باستقرارها لمجرّد ارتفاع الأسعار؟ وهل الخروج إلى الشارع سببه وَسمٌ تصدّر المنصّات الإلكترونية؟ أم أنّها تتحرّك عندما تعجز قنوات التعبير والمشاركة عن إيصال صوتها، وعندما تدرك أنّ المؤسّسات الرسمية لم تعد تمثّلها أو تستجيب لمطالبها؟

المشكلة الحقيقية تكمن في عدم اكتمال أركان الدولة الحديثة

فاختيار الشارع مساحةً سياسيةً متاحةً، يؤكّد قناعة المواطن بأنّه الوسيلة الوحيدة التي ما زالت قادرةً على إيصال صوته الحقيقي.
ولهذا، أخطر ما تكشفه التظاهرات العربية اليوم ليس حجم الغضب الشعبي، بل حجم التباعد الذي أصاب العلاقة بين الدولة والمجتمع، فعندما يصبح الرصيف أكثر قدرةً على التعبير من البرلمان، والهتاف أكثر تأثيراً من الأحزاب والمؤسّسات، تتجاوز الأزمة إذن حدود الاقتصاد إلى سؤال أعمق يتعلّق بالثقة والشرعية وطبيعة الدولة نفسها. فالأزمة الاقتصادية ليست هي السبب الحقيقي للانفجار، وإنّما هي الشرارة التي تكشف حجم الاحتقان السياسي والاجتماعي الدفين، الذي يتنامى بصمت لسنوات، حتّى وجد في الشارع وسيلته الأخيرة للتعبير.
لقد انشغل الفكر السياسي العربي بسؤال طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وافترض منذ عقود أنّ جوهر الأزمة يكمن في تعثّر هذه العلاقة أو في ضعف قنوات التواصل بين الطرفَين. غير أنّ هذا التشخيص، وعلى الرغم من أهمّيته، قد استند إلى فرضية خاطئة، فالمشكلة الحقيقية ليست في إخفاق الدولة في إدارة العلاقة مع المجتمع، بل في كثير من الحالات، في عدم اكتمال أركان الدولة الحديثة. ولذلك، ليست الأزمة أزمة علاقة بين مؤسّستَين، وإنّما أزمة في طبيعة الدولة نفسها، وفي الكيفية التي تأسّست عليها، والكيفية التي تمارس فيها السلطة.
تُختزل مظاهر الدولة الحديثة عربياً في دساتير مكتوبة، وبرلمانات مُنتخَبة، وأحزاب سياسية، وانتخابات دورية، وهيئات رقابية، ومحاكم، ووزارات ذات هياكل متطوّرة. وبالتالي، فإنّ السؤال المطلوب لا يكمن في وجود هذه المؤسّسات، بل هو: أين يُصنع القرار الحقيقي داخلها؟ ففي كثير من الأحيان، تبقى السلطة الفعلية خارج هذه المؤسّسات، وهي تدور في نطاق دوائر ضيّقة لا تخضع للمساءلة، ولا تستمدّ شرعيتها من التمثيل الشعبي، ولا تسمح أصلاً للمؤسّسات بأن تؤدّي دورها الطبيعي في الرقابة أو في صناعة القرار. وهكذا تتحوّل مؤسّسات الدولة إلى واجهات دستورية أكثر منها مراكز حقيقية للسلطة. وهنا المفارقة الكُبرى. فالدولة العربية استعارت شكل الدولة الحديثة، لكنّها لم تتبنَّ معناها. فهي تستخدم أدوات الحداثة السياسية، لكنّها لا تؤمن بفلسفتها القائمة على الفصل بين السلطات، وسيادة القانون، والمساءلة، وتداول السلطة، وتمثيل الإرادة العامة. تبدو مؤسّسيةً في الشكل، لكنّها تُدار في العمق بمنطق السلطة الشخصية أو المركزية المفرطة، فتتراجع قوّة المؤسّسات كلّما اقتربت من مركز القرار.
واللافت أنّ دولاً عربية عديدة حقّقت إنجازات عمرانية وتنموية لا يمكن إنكارها خلال العقود الماضية. فقد بنت مطارات حديثة، ومدناً ذكية، وشبكات طرق متقدّمة، وموانئ ضخمة، واستثمرت مليارات الدولارات في البنية التحتية، وطوّرت جيوشاً تمتلك أحدث منظومات التسليح. غير أنّها، في المقابل، لم تحقّق النجاح نفسه في بناء الإنسان المواطن، القادر على المشاركة في صناعة القرار، والشعور بالانتماء إلى دولة تمثّله لا إلى سلطة تدير شؤونه.
لقد استوردت التكنولوجيا، لكنّها لم تستورد ثقافة الحكم الرشيد. وشيّدت البنية التحتية، لكنّها لم تُشيِّد البنية السياسية التي تمنح هذا العمران شرعيته واستدامته. ولهذا، فإنّ السؤال الذي يواجه العالم العربي اليوم لا ينحصر في كيفية تحسين العلاقة بين الدولة والمجتمع، بل في كيفية إعادة بناء الدولة نفسها على أسس تجعل مؤسّساتها مصدراً حقيقياً للسلطة والشرعية، لا مجرّد واجهات شكلية. فالدول المتقدّمة تكتسب قوّتها من قدرتها على تمثيل الشعب، لا من قدرتها على إدارة المجتمع فحسب. وعندما يشعر المواطن بأنّ الدولة تتحدّث باسمه لا إليه، وأنّها تشاركه في تطلّعاته لا وصيّة عليها، تتحوّل الشرعية من أداة تفرضها السلطة إلى ثقة يمنحها المجتمع طوعاً. وهذه هي النقلة التي ما زالت تشكّل التحدّي الأكبر أمام الدولة العربية في القرن الحادي والعشرين.
… ترتكز أنظمة عربية عديدة على فرضية سياسية أصبحت أقرب إلى العقيدة منها إلى السياسة، أنّ القبضة الأمنية قادرة وحدها على إنتاج الاستقرار، غير أنّ التاريخ، من أوروبا الشرقية إلى أميركا اللاتينية، ومن آسيا إلى العالم العربي، يكرّر الدرس نفسه. إذ يستطيع الأمن أن يفرض الهدوء، لكنّه لا يستطيع أن يصنع الاستقرار. فالاستقرار ليس في غياب الضجيج، بل في حضور الشرعية. وهو لا يُبنى بعدد الحواجز الأمنية ولا باتّساع صلاحيات الأجهزة، وإنّما بوجود عقد سياسي يجعل المواطن يرى في الدولة حامياً لمصالحه لا مجرّد سلطة تفرض إرادتها عليه.
تستطيع الأجهزة الأمنية أن تمنع التظاهرات اليوم، لكنّها لا تستطيع إزالة الأسباب التي ستُخرج الناس في تظاهرات الغد. تستطيع هذه الأجهزة أيضاً السيطرة على الساحات، لكنّها لا تستطيع السيطرة على الأفكار. يُمكن إسكات الأصوات، لكن من غير الممكن إيجاد الثقة أو إنتاج الرضا. ولذلك، الإفراط في الاعتماد على المقاربة الأمنية لا يحلّ الأزمات، بل يؤجّل انفجارها، ويشتري هدوءاً مؤقّتاً بكلفة سياسية واجتماعية تتضاعف مع مرور الوقت. فكلّ أزمة تُؤجَّل بدل أن تُحلَّ تعود لاحقاً بصورة معقّدة وبكلفة أعلى.

أخطر ما تكشفه التظاهرات العربية اليوم ليس حجم الغضب الشعبي، بل حجم التباعد الذي أصاب العلاقة بين الدولة والمجتمع

وقد علّمتنا التجارب التاريخية أنّه حين تنظر السلطة إلى المجتمع بوصفه مصدراً دائماً للمخاطر، يبدأ المجتمع في النظر إلى الدولة باعتبارها مصدراً دائماً للقيود، فتنتقل العلاقة بين الطرفَين إلى مرحلة من الشكّ المتبادل التي يصعب الخروج منها. وفي هذه اللحظة، تبدأ الدولة في خسارة أهم مصادر قوّتها، وهو القبول الطوعي، الذي يجعل المواطن يمتثل للقانون لأنّه يؤمن بعدالته، ويحترم مؤسّسات الدولة لأنّه يشعر بأنّها تمثّله وتحمي حقوقه.
الإشكالية ليست في آلية تجنّب التظاهرات المقبلة، بل في إيجاد الجواب عن سؤال بالغ الأهمية: لماذا أصبح الشارع أكثر قدرةً على التعبير من المؤسّسات التي أُنشئت لهذه الغاية؟ نحن لا نواجه أزمة احتجاج، بل أزمة دولة. وحين يقتنع المواطن بأنّ صوته لا يُسمع إلا إذا ارتفع في الميدان، فهذا يعني أنّ العقد الاجتماعي لم يعد بحاجة إلى تعديل جزئي، بل إلى إعادة تأسيس كاملة.
ليست التظاهرات آفةً تُصيب المجتمعات العربية، بل هي في أحيانٍ كثيرة المؤشّر الأكثر وضوحاً على آفة الدولة نفسها؛ وكلّما أصرّت الأنظمة على معالجة مؤشّرات هذه الآفة من دون أن تعالج جذورها، تظلّ الشوارع تعود إلى الواجهة، لأنّ السياسة التي تُغلق أبوابها أمام المواطنين لا تلبث أن تجدهم واقفين خارجها، يطالبون باستعادة حقوقهم في أن يكونوا جزءاً من الدولة لا مجرّد رعايا فيها.

المصدر:العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى