
سلمت، وبارك الله بك، ويمكن أن نضيف الى هذه الإطلالة التي تفضلت بها نقطة مركزية تختص بتعريف الطائفية.
فما هي الطائفية، بالتأكيد هي ليست “الطائفة”، فالانقسام الطائفي. أو التمايز الطائفي، والديني، والمذهبي، والإثني، داخل المجتمع طبيعي، ولا يخلو مجتمع من مثل هذه الانقسامات، بل لعل نفي وجودها في مجتمع ما دليل على وجود خلل فاضح. في ذلك المجتمع، سواء كان هذا الخلل نتيجة عملية “تطهير”، أو نتيجة عملية إخفاء وتجاهل قسري، ويقدم تطور المجتمعات الغربية أدلة متكررة على وجود هذه المسألة بوجهيها ” التطهير، أو التجاهل القسري”.
وأنا ممن يعتقدون أن المجتمع الإسلامي بتجلياته العربية، وغير العربية، لم يعرف هذا النوع من التعامل مع الاختلافات الدينية أو الأثنية، لذلك بقيت الأديان والمذاهب والأعراق موجودة في مجتمعاتنا. وقد عرفت هذه المجتمعات ولا تزال ب “التنوع”. ويستند هذا التنوع في وجوده إلى حقيقة إيمانية تشريعية قائمة على أنه “لا إكراه في الدين”، وأنه “لو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة،” ولايزالون مختلفين..”، وعلى حقيقة دينية اجتماعية قائمة على ” التفاضل بالتقوى والكفاءة والاستعداد”. وليس بالعرق أو المذهب.
بعد هذا نعود إلى السؤال الأول “ماهي الطائفية”.
إذا كانت الأمور تعرف بأضدادها، فإن الضد من الطائفية هي “المواطنة”، والمواطنة تعني مساواة الموطنين جميعا في الحقوق والواجبات، وما يتصل بهما. وتستند هذه المساواة الى توفر صفة” المواطن”، أي إلى حقيقة المواطنة.
الطائفية تقدم أساسا آخر للحقوق والواجبات، هذا الأساس قائم على قاعدة الانتساب الى الطائفة، والاعتداد بهذا الانتساب، والارتكاز عليه. في التمايز في الحقوق والواجبات.
هذا التعريف لا يعني أن كل واحد من أبناء الطائفة المعنية هو طائفي.
كما لا يعني أن الطائفية في نظام يقتصر على طائفة معينة.
الأمر هنا يعني بدقة أن المنح والمنع يقوم على أساس الانتماء الطائفي، يعطى ويمنع فلان لأنه من طائفة معينة، وهو يقبل ذلك أو يخضع له.
يجب أن نفرق هنا بين أمرين:
** بين نظام كامل يبنى على أساس طائفي، ومثاله النظام اللبناني فإنه نظام طائفي في حدود مستويات معينة من بنى المجتمع. هنا يصبح المنع والمنح مقيد بقانون معروف من الجميع، ويخضع له الجميع. وهذا وضع شاذ، لكن يؤخذ به لأسباب معينة تعرف حين دراسة كل حالة، وهو بطبيعته لا يدوم.
**وبين نظام تسلك القوى المسيطرة عليه سلوكا طائفيا، حفاظا على سلطة وثروة وحالة تمكنت منها في غفلة من الزمن، دون أن يكون لهذا السلوك سندا أو مشروعية من دستور، أو قانون، أو حتى توجيهات رسمية.
وهذا ما كان جاريا في سوريا، ومثل هذا الوضع لا يقيمه ولا يحميه إلا النظام المستبد والقاهر، والفاسد، والمخرب لبنية المجتمع الأخلاقية والروحية، ولا يتحصن إلا بالإرهاب والسجون، ولا يمكن التخلص منه إلا بالقوة على أي وجه تبدت هذه القوة.
وفق اللغة الطائفية فإن:
كل ما أعطي لرجالات وجمعيات ومؤسسات” السنة، المسيحيين، الدروز، الإسماعيليين، ..الخ” أعطي لهم بصفتهم هذه، وليس لأنهم مواطنون متساوون مع غيرهم، وأعطيت لهذا الجزء من هؤلاء لأنهم رضوا بأن يأخذوا ذلك لهذه الصفة بالذات.
إن الذين يراجعون إحصائيات البعثات العلمية زمن الحكم الأسدي، وإحصائيات الانتماء الطائفي لمنتسبي القوات المسلحة، وإحصائيات قادة الفرق والألوية والقطعات العسكرية، ورؤساء أركانها ، وقادة الأفرع الأمنية ونوابهم، ومسؤولي أقسام التحقيق فيها، والذين يراجعون مسارب الثروة الوطنية في سوريا، والامتيازات، والذي يدرس دوافع نشر أطراف النظام لعمليات التعذيب والقتل والجرائم التي كانوا يرتكبونها خلال علميات قمع الثورة السورية ، لن يحتاجوا الى جهد لاكتشاف أن كل ذلك كان يجري بحسابات طائفية قائمة على الولاء الطائفي، وعلى التوريط الطائفي، وعلى الهيمنة الطائفية التي تتيح بقاء السلطة والثروة والقوة بيد النظام الأسدي.
ليست المواطنة. وليست الكفاءة وليست الحاجة. هي التي ميزتهم، وبسببها حصلوا على ما حصلوا عليه، وإنما الانتماء الطائفي من جهة، وقبولهم بأن يكون هذا الامتياز هو طريقهم للحصول على تلك المزايا.
ومن هذه الزاوية أيضا تصبح الطائفية أداة للتحكم بالطائفة، وأداة للحكم باسمها، ويصبح من الخيانة أن يكون هناك من أبناء الطائفة من يعارض هذا الحكم الطائفي.
إن أشد أنواع الغضب والتنكيل تصب على أبناء الطائفة الذين رفضوا النظام الطائفي وتمردوا عليه. إن العلويين الذين وقفوا ضد نظام الحكم الأسدي واجهوا الإبادة مثل أو أشد مما نال غيرهم من الطوائف الأخرى، وكان هؤلاء قلة، وهذا طبيعي ومفهوم بحكم عوامل عديدة لسنا هنا في معرض تحليلها، وكشف أسبابها، والذين تمردوا من الطوائف الأخرى على النظام الطائفي بعدما نعموا بميزاته ينالهم غضب شديد من النظام، لأنهم أيضا باتوا خونة، ومصيرهم التصفية بطريقة ما.
من أجل ذلك كان من الضروري تحديد معنى الطائفية، كلما تحدثنا عن النظام البائد، وكلما تحدثنا عن النظام الذي نريده لسوريا المستقبل، فالأمر هنا لا يتصل بما مضى فقط، وإنما يتصل بما نحن فيه، كما أنه لا يتصل بالرؤية الفكرية والسياسية، وإنما أيضا بتوزيع الثروة، وبتكوين الطبقة المثقفة والقائدة في المجتمع، وبتركيب الجيش والأمن وأجهزة ومؤسسات العدل، بحصانة الملكيات العقارية، وبكل شيء في المجتمع.
حينما نتجاوز معيار الوطنية في الواجبات والحقوق يصبح من الممكن أن يكون “الحكم السني”، ـ وأغلبية الشعب السوري سني ـ ، حكما طائفيا، إذا اتخذ هذا السبيل في المنح والمنع. ومثل هذا يمثل خطرا حقيقيا.
قضية الطائفية قضية جوهرية في رؤية الماضي، وفي رؤيتنا للمستقبل. يجب أن نركز عليها دائما وأن نرقبها بحساسية وتخوف، وأن نمنع أي ظهور لها، وأن نحذر من وهم يخشى أن ينتشر بين الناس وقوامه أن الطائفية لا يقهرها إلا طائفية.
إستانبول 20 / 6 / 2026






