غزّة في صناديق الاقتراع الغربية

محمد أبو رمان

لم تعد المسألة اليوم ما إذا كانت الحرب الإسرائيلية على غزّة قد غيّرت صورة إسرائيل في الغرب، فهذا أصبح واضحاً في استطلاعات الرأي، وفي الجامعات والشارع والإعلام، وبصورة أكثر وضوحاً لدى الأجيال الشابّة. السؤال الأهمّ: هل انتقل هذا التحوّل من المجالين الأخلاقي والاحتجاجي إلى المجالين السياسي والانتخابي؟ وهل نحن أمام موجة مرتبطة بالحرب يمكن أن تنحسر لاحقاً، فتستعيد الحركة الصهيونية زمام المبادرة، أم أنّ ما يحدث أعمق، ويمسّ إحدى أهم ركائز القوّة الإسرائيلية تاريخياً؛ أي قدرتها على التأثير في السياسات الغربية، وفي الولايات المتحدة تحديداً؟
في هذا السياق، يصلح تقرير “صنداي تايمز” أخيراً، عن حملة التضامن مع فلسطين في بريطانيا، أن يكون مدخلاً مهمّاً للإجابة، وربّما أهمّيته في أنّه جاء من زاوية متوجّسة، بل منحازة ضدّ الحملة، ابتداءً من العنوان الذي يتحدّث عن “هوس” المجالس المحلّية بغزّة، وصولاً إلى البحث عن علاقة إيرانية مفترضة، من دون تقديم دليل على تمويل إيراني لها. لكنّ المفارقة أنّ المعلومات التي يقدّمها التقرير نفسه تكشف قصّةً مختلفةً وأكثر أهمّية؛ فالحملة التي تأسّست منذ عقود لم تعد مجرّد إطار لتنظيم المظاهرات والاحتجاجات، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدّماً من العمل السياسي: الضغط على أعضاء المجالس، التأثير في الانتخابات، تحريك قضية صناديق التقاعد وسحب الاستثمارات، وبناء شبكات مع الخضر والمستقلّين واليسار. وقد ارتفع دخلها من نحو 700 ألف جنيه عام 2023 إلى ملايين الجنيهات بعد حرب غزّة، فيما أصبحت عشرات المجالس المحلّية ساحةً للنقاش حول إسرائيل والاستثمارات المرتبطة بها.

لم يعد الجيل الغربي الجديد مسجوناً في قمقم الرواية الصهيونية التقليدية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية

بموازاة هذا، تطوّر الحضور السياسي الفلسطيني البريطاني نفسه، ومن أبرز تعبيراته اللجنة البريطانية الفلسطينية، التي تعمل بصورة مختلفة عن حركة التضامن، لكنّها تلتقي معها في النتيجة، أي نقل القضية الفلسطينية من الشارع والاحتجاج إلى فضاء صناعة السياسات والتأثير في المؤسّسات. نحن، إذن، أمام انتقال تدريجي من “التضامن مع فلسطين” إلى بناء نفوذ سياسي فلسطيني وعربي وإسلامي أكثر تنظيماً داخل الديمقراطيات الغربية. ولعلّ العبارة الأكثر دلالةً في تقرير الصحيفة نفسها أنّ “غزّة أصبحت على ورقة الاقتراع”.
لا تقتصر هذه الظاهرة على بريطانيا، فالصورة الأميركية أكثر أهمّيةً لأنّ الولايات المتحدة كانت وما تزال مركز الثقل في القوّة الخارجية لإسرائيل. فصعود زهران ممداني في نيويورك وعبد الرحمن السيّد في ميشيغن، وقبلهما رشيدة طليب وإلهان عمر، ينبغي عدم اختزاله في صعود سياسيَّين مسلمَين أو من أصول مهاجرة، بل في تحالف سياسي واجتماعي جديد تلتقي فيه القضية الفلسطينية مع التيّار الديمقراطي التقدّمي، ومع قضايا العدالة الاجتماعية والهجرة والتفاوت الاقتصادي ونقد الشركات الكُبرى وجماعات الضغط.
ما حدث أخيراً في ميشيغن يقدّم نموذجاً يستحقّ التوقّف عنده. فقد أنفقت “أيباك” والجماعات المرتبطة بها عشرات الملايين من الدولارات في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ. ومع ذلك، لم تستطع منع فوز عبد الرحمن السيّد، المدعوم من بيرني ساندرز والجناح التقدّمي.
لا يعني هذا بالطبع نهاية “أيباك”، ولا انهيار اللوبي المؤيّد لإسرائيل، لكنّ شيئاً مهمّاً يتغيّر: المال السياسي الذي كان يجعل انتقاد إسرائيل مغامرةً انتخابيةً مكلفةً لم يعد قادراً دائماً على ردع المرشَّحين أو إسقاطهم، ولا على السيطرة على الإعلام الذي تميّزت به الماكينة الصهيونية، وهي اليوم في طور التفكّك مع بروز وسائل التواصل الاجتماعي وازدياد دورها في إعادة بناء الصورة وتشكيل الرواية لدى الأجيال الجديدة في أميركا.
تبدو الأرقام أكثر دلالةً من الشعارات. ففي استطلاع غالوب، في فبراير/ شباط 2026، قال 41% من الأميركيين إنّ تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين مقابل 36% مع الإسرائيليين، وبين الأميركيين من 18 إلى 34 عاماً اتّسعت الفجوة إلى 53% للفلسطينيين مقابل 23% للإسرائيليين، أمّا بين الديمقراطيين الشباب فالصورة أكثر وضوحاً؛ إذ أظهرت بيانات مركز بيو أنّ 72% منهم ينظرون بإيجابية إلى الفلسطينيين مقابل 26% إلى الإسرائيليين.
تعكس هذه الأرقام تغيّراً أعمق من الموقف من حرب بعينها، إذ لم يعد الجيل الغربي الجديد مسجوناً في قمقم الرواية الصهيونية التقليدية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية، وقدّمت إسرائيل بوصفها الدولة الصغيرة المحاصرة التي تخوض معركةَ وجود دائمة، بل يتابع الجيل الجديد المشهد من زاوية أخرى تماماً: غزّة المدمَّرة، الأطفال والضحايا والمجاعة والمستوطنات والضفّة الغربية. وسائل التواصل الاجتماعي كسرت احتكار الإعلام التقليدي للصورة والمعلومة، وسمحت للرواية الفلسطينية بأن تدخل مباشرة إلى المجال العام الغربي.
يقودنا هذا إلى التحليل المهمّ لإيلان بابيه عن تآكل البيئة السياسية والثقافية التي وفّرت للمشروع الصهيوني تاريخياً دعماً استثنائياً في الغرب. لكن من المبكّر إعلان نهاية اللوبي المؤيّد لإسرائيل؛ فما تزال لديه شبكة هائلة داخل الكونغرس والحزبَين (الديمقراطي والجمهوري) ومراكز الأبحاث والمؤسّسات الاقتصادية والإعلامية، كما أنّ العلاقة العسكرية والاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية أعمق من أن تقلبها مظاهرة أو انتخابات أو جيل جديد من السياسيين.
في الجهة المقابلة، هنالك تحوّل آخر لا يقلّ أهميةً. فمع تراجع التعاطف مع إسرائيل بين قطاعات من الليبراليين والديمقراطيين، تقدّمت إلى الصفوف الأمامية قوّة كانت تقبع تاريخياً خلف اللوبي اليهودي المؤيّد لإسرائيل؛ أي الصهيونية المسيحية الإنجيلية. فقد أصبحت هذه الحركة اليوم جزءاً أساسياً من القاعدة الجمهورية والتحالف الترامبي، وتقدّم دعماً لإسرائيل يقوم على خليط من الاعتبارات الدينية والحضارية والسياسية. لكن حتّى هذا المعسكر لم يعد موحَّداً كما كان؛ فحرب غزّة، ثمّ الحرب الإيرانية، كشفتا تناقضاً داخل حركة “ماغا” بين الإنجيليين المؤيّدين لإسرائيل بصورة شبه مطلقة، وبين تيّار “أميركا أولاً” الذي يطرح سؤالاً مختلفاً: لماذا ينبغي أن تدخل الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط من أجل إسرائيل؟

نجاح ممداني والسيّد وطليب وعمر لا يعني أنّ الحزب الديمقراطي يتبنّى مواقفهم، فقد تصبح “إسرائيل وفلسطين” ساحة انقسام رئيسة

لذلك، المشهد أكثر تعقيداً من مجرّد تراجع اللوبي الصهيوني وصعود “اللوبي الفلسطيني”، إنّما يمكن القول إنّنا أمام سيولة سياسية كبيرة داخل الحزبين الأميركيَين: جناح تقدّمي متزايد القوّة داخل الحزب الديمقراطي في مواجهة المؤسّسة التقليدية الأكثر قرباً من إسرائيل، وفي المقابل، جناح إنجيلي قوي داخل الحزب الجمهوري في مواجهة تيّار انعزالي أو شعبوي يشكّك في تكلفة الالتزام الأميركي بإسرائيل. وغزّة أصبحت واحدة من ساحات هذه الصراعات الداخلية. مع ذلك من الضروري أن نضع في الاعتبار أنّ صعود التيّار المؤيّد لفلسطين يحمل تناقضاته أيضاً؛ فنجاح ممداني والسيّد وطليب وعمر لا يعني أنّ الحزب الديمقراطي يتبنّى مواقفهم؛ بل ربّما تصبح “إسرائيل وفلسطين” إحدى ساحات الانقسام الرئيسة داخله. فما يمنح التقدّميين زخماً في نيويورك وميشيغن وكاليفورنيا قد يتحوّل في مناطق أخرى إلى مادّة تعبئة يستخدمها الجمهوريون ضدّ الديمقراطيين، خصوصاً عندما تندمج القضية الفلسطينية مع ملفّات الهجرة والإسلام والهُويّة الأميركية.
في الخلاصة، هنالك تحوّل هائل في السياسة الغربية، فقد كان الاستقطاب التقليدي يدور بصورة رئيسة حول الطبقة: العمّال والنقابات واليسار في مواجهة رأس المال والمحافظين. لم تختفِ الطبقة اليوم، لكنّها تداخلت بصورة كبيرة مع أسئلة الهُويّة والثقافة والهجرة والدين والعرق، وبذلك أصبحت فلسطين نفسها جزءاً من “الحرب الثقافية” الغربية، بالنسبة إلى قطاعات من اليسار ترتبط بالاستعمار والعدالة وحقوق الإنسان، وبالنسبة إلى قطاعات من اليمين ترتبط بالهجرة والإسلام والهُويّة الغربية والأمن.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى