من أسواق دمشق إلى منصات التواصل.. تجارة المسابح تصارع الركود للحفاظ على إرثها

نور ملحم

في الأزقة الضيقة لدمشق القديمة، حيث تختلط رائحة التاريخ بأصوات الباعة والحرفيين، ما تزال المسابح تتدلى على واجهات المحال في أسواق الحميدية ومدحت باشا وسوق الداكيشي، شاهدة على حرفة عريقة ارتبطت بالهوية الاجتماعية والثقافية للسوريين لعقود طويلة. لكن خلف هذا المشهد التراثي، يواجه العاملون في تجارة المسابح تحديات متزايدة فرضتها الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما انعكس على حركة البيع والشراء في سوق كان يوماً من أكثر الأسواق نشاطاً.

ورغم أن المسبحة ارتبطت تقليدياً بالتسبيح والذكر، فإنها تحولت مع مرور الزمن إلى قطعة للزينة والاقتناء، بل وإلى سلعة استثمارية لدى بعض الهواة والجامعين، خصوصاً مع ارتفاع قيمة الأنواع النادرة والمصنوعة من مواد لم تعد متوافرة بسهولة في الأسواق.

ويقول مروان نبهان، المعروف بلقب “أبو حسن”، والذي يعمل في تجارة المسابح منذ أكثر من ثلاثين عاماً، إن السوق يشهد حالة من الركود غير المسبوقة مقارنة بما كان عليه في الماضي.

ويضيف لـ موقع ” تلفزيون سوريا”  أن الحركة التجارية كانت أفضل بكثير خلال العقود السابقة، بينما تراجعت المبيعات اليوم بشكل واضح، حتى بالنسبة للمسابح القديمة والنادرة التي كانت تحظى بإقبال كبير من الزبائن. ويؤكد أن تجارة المسابح تحتاج إلى خبرة واسعة، لأن التمييز بين القطع الأصلية والمقلدة ليس أمراً سهلاً، وقد يصل الفارق السعري بينهما إلى ملايين الليرات تبعاً للخامة والجودة والندرة.

ويوضح نبهان أن أسعار المسابح شهدت ارتفاعات كبيرة خلال السنوات الماضية، فبعدما كانت المسبحة الجيدة تباع بعشرات آلاف الليرات، أصبحت بعض المسابح الألمانية النادرة تُباع اليوم بعشرات الملايين، بسبب محدودية الكميات المتوافرة منها وتوقف إنتاج المواد الخام التي صُنعت منها.

ويشير إلى أن الإقبال على المسابح ما يزال يتركز لدى كبار السن والحجاج أكثر من الشباب، رغم وجود فئة من الشباب تهتم باقتنائها للزينة أو للاستخدام الشخصي. كما تختلف أسعار المسابح المخصصة للهدايا بحسب نوعها وخامتها، إذ يمكن شراء مسبحة بسيطة بمبلغ متواضع، بينما تصل أسعار بعض القطع المميزة إلى مئات آلاف الليرات.

من السوق التقليدي إلى المنصات الرقمية

ومع التغيرات التي شهدها قطاع التجارة خلال السنوات الأخيرة، لم تعد تجارة المسابح محصورة في الأسواق التقليدية. فقد انتقل جزء من النشاط التجاري إلى المنصات الرقمية، حيث يعتمد العديد من التجار على فيسبوك وإنستغرام وواتساب لعرض بضائعهم وتسويقها.

ويقول  سامي الغانم ، وهو تاجر مسابح يدير صفحات متخصصة على مواقع التواصل الاجتماعي، إن الإنترنت فتح أبواباً جديدة أمام التجار للوصول إلى زبائن خارج سورية، ولا سيما بين السوريين المغتربين في أوروبا ودول الخليج.

ويضيف لـ موقع ” تلفزيون سوريا” أن كثيراً من الطلبات تأتي من هواة اقتناء المسابح التراثية أو القطع النادرة، مشيراً إلى أن المنصات الرقمية ساعدت في تعويض جزء من التراجع الذي أصاب الأسواق التقليدية، لكنها لم تتمكن من تجاوز العقبات المرتبطة بارتفاع الأسعار وتكاليف الشحن وصعوبة تأمين بعض المواد الخام.

أنواع نادرة وأسعار تتجاوز الذهب

من جهته، يوضح طارق أبو زين، أحد العاملين في تجارة المسابح تحت جسر الثورة، أن قيمة المسبحة تتحدد وفق عمرها ونوع المادة المصنوعة منها، مؤكداً أن الفارق بين المسبحة العادية والقطعة النادرة قد يكون شاسعاً للغاية.

ويقول لـ موقع ” تلفزيون سوريا” إن المسابح المصنوعة من المسك والعنبر والمادة الألمانية المعروفة بين التجار باسم “الكوربا” تعد من أغلى الأنواع في العالم، إذ تبدأ أسعار بعضها من ألف دولار وقد ترتفع إلى عشرات آلاف الدولارات بالنسبة للقطع النادرة التي يعود تاريخها إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ويضيف أن بعض المواد تكتسب قيمة إضافية مع مرور الزمن وكثرة الاستخدام، كما هو الحال في المسك والسندلوس، إذ تزداد صلابتها وتتغير خصائصها تدريجياً، ما يرفع قيمتها السوقية بين هواة الجمع والاقتناء.

كما يشير إلى وجود أنواع أخرى تحظى باهتمام المشترين، مثل مسابح الكوك واليسر المصري واليسر المكاوي والمرجان، وهي خامات ما تزال مطلوبة لدى شريحة من الزبائن داخل سورية وخارجها.

ويؤكد أبو زين أن الاهتمام بالمسابح لم يعد مقتصراً على كبار السن كما كان في السابق، بل بات كثير من الشباب ينظرون إليها بوصفها جزءاً من المظهر الشخصي أو قطعة تراثية تحمل طابعاً خاصاً.

كلفة المواد الخام وتراجع الحرفة

ويرجع العاملون في القطاع الارتفاع المستمر في الأسعار إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكلفة المواد الخام، مثل الكهرمان والعنبر والأحجار الطبيعية والمواد النادرة المستخدمة في صناعة المسابح الفاخرة.

كما أسهم تراجع عدد الحرفيين المتخصصين في هذه الصناعة اليدوية في زيادة تكاليف الإنتاج، إذ تتطلب بعض المسابح ساعات طويلة من العمل الدقيق والنحت والتلميع قبل وصولها إلى الأسواق.

وتنعكس هذه العوامل بشكل واضح على الأسعار، إذ يمكن الحصول على مسبحة عادية بمئات آلاف الليرات، في حين ترتفع أسعار القطع النادرة أو القديمة إلى ملايين الليرات، وقد تتجاوز في بعض الحالات قيمة الذهب نفسه.

حلب.. عاصمة صناعة المسابح السورية

وتعد سوريا من أكثر البلدان العربية اهتماماً بالمسابح، في حين تُعرف حلب تاريخياً بأنها عاصمة صناعة المسابح في البلاد، إذ كانت تضم عشرات الورش والمعامل المتخصصة بإنتاجها وتزويد الأسواق المحلية والعربية بمختلف الأنواع والأحجام.

غير أن سنوات الحرب تركت آثاراً عميقة على هذه الحرفة، بعدما تعرضت مناطق صناعية وورش كثيرة للقصف والدمار، إلى جانب الصعوبات الاقتصادية والتضييق الذي واجهه أصحاب الحرف والصناعات الصغيرة. ونتيجة لذلك، اضطر عدد كبير من أصحاب الورش والحرفيين إلى نقل أعمالهم إلى تركيا ومصر، حيث أعادوا تأسيس ورش جديدة مستفيدين من الخبرات التي راكموها على مدى عقود.

ويؤكد عاملون في القطاع أن جزءاً من المسابح المتداولة حالياً في الأسواق السورية يُصنع خارج البلاد على أيدي حرفيين سوريين استقروا في تركيا خلال سنوات الحرب، في حين تراجع حجم الإنتاج المحلي مقارنة بما كان عليه قبل عام 2011.

ورغم ذلك، لا تزال حلب تحتفظ بمكانتها التاريخية في هذه الصناعة، إذ يواصل عدد من الحرفيين العمل داخل المدينة للحفاظ على مهنة تعد من أبرز الحرف التراثية السورية، مستندين إلى خبرات متوارثة عبر أجيال طويلة.

هواة الاقتناء يتمسكون بالموروث

ورغم الصعوبات الاقتصادية، ما يزال بعض السوريين حريصين على اقتناء المسابح، سواء بدافع الهواية أو الارتباط بالموروث الاجتماعي.

ويقول أحمد المصري، وهو موظف من دمشق يهوى جمع المسابح منذ سنوات، إن المسبحة بالنسبة إليه ليست مجرد أداة للتسبيح، بل قطعة تحمل قيمة معنوية وتراثية.

ويضيف الأربعيني لـ موقع ” تلفزيون سوريا” أن ارتفاع الأسعار دفع كثيرين إلى الاكتفاء بالأنواع الأقل تكلفة، إلا أن بعض الهواة ما زالوا يبحثون عن القطع النادرة مهما بلغ ثمنها، نظراً لما تمثله من قيمة تاريخية وشخصية. كما أسهمت صفحات البيع عبر الإنترنت في تسهيل الوصول إلى أنواع لم تعد متوافرة بسهولة في الأسواق التقليدية.

وبينما تفرض الظروف الاقتصادية تحديات كبيرة على هذه المهنة، يرى تجار وحرفيون أن المسبحة السورية ما تزال قادرة على الصمود بفضل ارتباطها بالعادات الاجتماعية والموروث الثقافي. وبين واجهات المحال القديمة وصفحات البيع الحديثة، تواصل هذه الحرفة رحلتها بين الماضي والحاضر، محافظة على مكانتها كواحدة من أعرق الصناعات التقليدية التي نجحت في التكيّف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، من دون أن تفقد هويتها الأصيلة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى