
كثيراً ما تتحفنا محطّات وقنوات واستديوهات البودكاست العربية بمقابلات حوارية مع مشاهير من نجوم الفنّ والرياضة والثقافة والسياسة، تحاورهم في العادة نماذج مؤسفة من إعلاميين وإعلاميات في منتهى الضحالة والجهل، لا يتمتّعون بالحدّ الأدنى من المعرفة والذكاء وسرعة البديهة واللباقة والتهذيب، ولا يتوافر فيهم سوى شرط الجمال المصطنع السطحي الخالي من المضمون، فيخرجون علينا بحوارات تافهة وهابطة لا تخلو من جانب فضائحي وتشهيري بالضيف المتواطئ في حالات كثيرة من أجل زيادة نسبة المشاهدات. تُطرح أسئلة غبية من قبيل: ما رأيك في المساكنة؟ ما موقفك من عمليات التجميل؟ كم عدد زيجاتك؟ هل خنت زوجتك؟ هل لديك أبناء غير شرعيين؟ ما سرّ الخلاف بينك وبين فلانة/ فلان التي قالت/ قال عنك كذا وكذا؟ هل خضعت لعملية تكميم المعدة؟ كم أصبح وزنك بعدها؟ وغيرها من الأسئلة الماسخة التي تنتهك الخصوصية وتخدش الذوق والحياء. قبل أيّام شاهدت مقابلةً مع ممثّلة خمسينيّة مغمورة استضافتها نجمة شهيرة في برنامجها الحواري السخيف، كانت الضيفة سعيدة بعملية شدّ وجهها الناجحة، وقد خاضت في تفاصيل العملية ولم تنسَ توجيه الشكر إلى طبيبها البارع، وخاضت مع مضيفتها صاحبة السعادة حواراً عميقاً مستفيضاً حول “الفيلر” و”البوتكس”، وتحدّثت عن مشكلة ترهّل بطنها بسبب عمليات الولادة القيصرية.
وفي باب الاستثناء القليل في المشهد الإعلامي العربي، يطلّ علينا الإعلامي الإماراتي المتميّز أنس بوخش، الذي اشتهر على نطاق واسع بعد تقديم وإعداد “أبي توك”، وهي سلسلة من المقابلات التي تُعرض في “يوتيوب” محقّقة نحو 40 مليون مشاهدة، إذ يكمن سرّ نجاح بوخش في بساطته وعفويته وهدوئه واحترامه لضيفه، وقدرته الاستثنائية على الاستماع وتفادي المقاطعة وإتاحة فضاء البرنامج للضيف كي يعبّر عن نفسه بحرّية، على النقيض من كثير من المحاورين الاستفزازيين الذين يعتمدون أسلوب الاستعراض والفذلكة والتذاكي للإيقاع بالضيف، بغية قنص إجابة أو تصريح تعرّضه لهجمات المتابعين وردود الخصوم وأحياناً المساءلة القانونية، من دون الالتزام بأيّ معايير مهنية أو أخلاقية أو جمالية، ومن دون الاكتراث بالعواقب والتبعات المحتملة التي تترتب على تصرفاتهم غير المسؤولة. يضحّون بذلك كلّه من أجل إثارة الجدل وتحقيق أعلى المشاهدات، لإدراكهم أنّ معظم المتابعين يميلون إلى التفاعل مع القصص الفضائحية التي تغتال الخصوصية وتكشف المستور، ويتحمّسون لمتابعة الخلافات والتصريحات العنيفة المتبادلة بين الشخصيات الشهيرة التي تطاول الكرامة وتسيء إلى السمعة وتفتح المجال للقيل والقال والثرثرة الفارغة.
بطبيعة الحال، لم يكن بوخش موفّقاً في اختيار جميع ضيوفه، بل استضاف أحياناً بعض الشخصيات الهزيلة تلبيةً لمزاج الجمهور. غير أنّه حقّق ضربة معلّم حين استضاف قبل أيّام المطرب والموسيقار العراقي (الفذّ) كاظم الساهر في حلقة لاقت تفاعلاً واسعاً وأثارت أصداء واسعة. كانت حلقةً رائعةً عميقةً ممتعةً حقّقت خلال اليوم الأوّل ما يقارب مليون مشاهدة، أطلّ فيها كاظم بصدقه وعفويته وذكائه وعمقه وحساسيته وتهذيبه العالي ورقيّه وثقافته وحضاريته، ليحكي بصوته الشجي الحزين عن كاظم الإنسان بعيداً من التنظير والمجاملة والافتعال. كان الرجل حقيقياً مؤثّراً إلى أبعد حدّ، وهو يسرد بأبسط المفردات حكاية الطفولة والعائلة والنشأة في حيّ بغدادي فقير، والحرمان الذي شكّل عنواناً لطفولته، والشغف بالموسيقى والمثابرة على مشروعه الفنّي التي أوصلته إلى قمّة المجد، مستحقّاً حبّ واحترام الملايين. تحدّث طويلاً عن أمّه الراحلة: كفاحها وتفانيها وحبّها وحنانها وفضلها الكبير، وعن زواجه صغيراً بابنة عمّه أمّ أبنائه. وبتواضع الكبار، عبّر عن ندمه وعن إحساسه بالذنب تجاهها، مُقرّاً بفضلها ودورها في تربية الأبناء. أجاب بكلّ صراحة ومن دون مواربة أو مجاملة للرجال بأنّ الخيانة رجل، وأنّ دوره في العلاقة، وفي معظم الأحيان، تدميري، مختصراً الصورة بجملة: الرجل فوضى تلمّه المرأة.
تحدّث عن زهده بالحياة في مرحلته العمرية الراهنة. قال إنّه يفضّل الوحدة والهدوء والانشغال بالموسيقى والزراعة والاعتناء بالعائلة. لم يبدُ، رغم اعتنائه بمظهره الأنيق والجادّ والرزين، سبعينيّاً متصابياً مثل بعض أقرانه من نجوم غناء يتنطّطون على المسارح بخفّة وصبيانية مثيرة للشفقة.
كان حوار أنس بوخش مع كاظم جميلاً متنوّعاً ثرياً شائقاً، محرّضاً على التأمّل في الحياة وتحوّلاتها الكثيرة، ويُعدّ من دون مبالغة درساً بليغاً في كيفية الظهور في المنصّات الإعلامية.
المصدر: العربي الجديد






