حاول الخروج من الماضي

عبد الرحيم خليفة

لو أنك عشت تفاصيل الجحيم الذي عاشه غيرك من ملايين السوريين لسنين وسنين، لو أنك رأيت أشلاء أطفالك ممزقة ومتناثرة في كل حدب وصوب، لو أنك رأيت وجه أبيك مدمى بالحذاء العسكري، أو رأيت أمك أو أختك أو زوجتك تغتصب أمام عينيك، لو أنك جربت فظاعة اللحظة وهم يحرقون أطرافك وأظافرك ورموش عينيك، لو أنك عُلِّقت أيامًا وشهورًا بالحبال والجنازير حتى شلَّ قلبك وظهرك، لو أنك، بعد أن ضاع عمرك في السجون، عدت إلى أهلك ولم يتعرفوا عليك، لو أن أسرتك التي كان يجمعها بيت وسقف تشتتت في أصقاع الأرض وتقطعت أواصرها، لو كان لك بيت ورزق ومستقبل ثم ضاع بيتك ورزقك ومستقبلك، لو أنك كنت مدرسًا ومعلمًا في المدارس والجامعات، ولكلمة خرجت منك ظلوا يعذبوك ويجلدوك حتى غاب عنك رشدك وبت مرميًا في الشوارع والطرقات تحاكي خيالات تلوح أمامك، لو أنك حوصرت بالدبابات والشبيحة والسكاكين أيامًا وشهورًا وسنين، ورأيت أطفالك يلفظون أنفاسهم من الجوع والعطش على مرأى من عينيك، لو أنك جريت تبحث عن رفات أحبّتك تحت الحطام والركام والتراب فلم تعثر لها على أثر..

لو أنك! لو أنك! لو أنك تذوقت شيئًا من مرارات ذلك الجحيم وأهواله، لأدركت لماذا يجد ملايين السوريين أنفسهم اليوم وكأنهم في نعيم، رغم جراحهم العميقة وآلامهم وفقرهم وبؤسهم، ولماذا هم صابرون على ما هم عليه، وكيف يحاولون تغيير الواقع الذي وجدوا أنفسهم فيه.

لكن لعلك لم تجرّب العيش معهم في ذلك الجحيم، أو ربما كنت مساهمًا فيه بشكل أو بآخر، ولو بالتصفيق أو التشجيع أو التعتيم. لذلك سيصعب عليك فهمهم، وستبقى، على الأرجح، مستاءً من أنينهم وأناشيدهم الحزينة وأهازيجهم، ومن كل ما يفعلونه، ناكرًا المنجزات التي حققتها تضحياتهم، وعاجزًا عن إدراك المعنى العميق للتحولات التي صنعتها الثورة في حياتهم.

حاول الخروج من الماضي الذي لم يزل يسكنك ويعزّ عليك فراقه، وكفّ عن استغلال ضيق حال الناس وعيشهم لإيقاع الشقاق بينهم.

وجرّب، ولو لمرة، أن تتطلع معهم نحو المستقبل؛ عساك تنجو من ماضيك الآثم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى