
أيها السادة، سأقصّ عليكم حكايةً ليست من نسج الخيال، بل من دخانٍ تلبّد في صدري حتى صار هوائي الوحيد.
خبرٌ قد يسركم، لكنه أتعب قلبي وأضنى عظامي.
منذ خمسةٍ وثلاثين عامًا، عقدتُ قراني على صديقة رائعة ، بلا مهرٍ ولا شهود، وكنت العريسَ الشاحب الذي زفّه الشيطان بيده.
لم يبارك أحد هذا الزواج، لكني مضيتُ فيه برضا وولهٍ عجيب.
رافقتُها كما يرافق الظلّ صاحبه؛ كنت أُشعلها بعد الزواج، وبعد الولادة، وفي الحزن، وفي الفرح، وفي الملل.
انها السيجارة ابنة التبغ ، كنتُ أدخّن كما يتنفس الغريق.
خاصمتُ أصدقائي لأجلها، هجرتُ المجالس الطيبة لأن أنفاسي صارت مبخرةً كريهة.
كل من يقترب من وجهي كان يشمّ رائحة الرماد والندم.
زوجتي لم تعد تطيق قربي، لأن رائحتي تُذَكّرها بالمقابر.
حتى ابني الصغير، ذات مرة قال لي ببساطة جارحة: “بابا، ريحتك مثل قبو قديم”
كانت السيجارة توقظني قبل الفجر، لا لأصلي، بل لأحرق صدري.
صارت المنبّه الوحيد في حياتي، ومعها بدأ العد التنازلي لأسناني.
سقط الصفّ الأمامي أولًا، كجنودٍ تعبوا من الحرب.
ثم تبعه الصفّ الخلفي، فصرتُ ألوك الطعام كعجوزٍ بلا ذاكرة.
اللثة صارت كالأرض المحروقة، تؤلمني حتى من نسمة الهواء.
رأيتُ دمي يمتزج بالنيكوتين كلما ابتسمتُ أو بصقتُ.
كنتُ سبّاحًا ماهرًا في الفرات ، أقفز في الماء كالدلفين، لكن بعد عشرين عامًا من التدخين صرت أتنفس كمن يصعد جبلًا.
كل خطوةٍ كانت تُتبع بصوت صفيرٍ من صدري، كنايٍ مكسورٍ يعزف لحن النهاية.
كلما ضحكتُ، سعلت. وكلما سعلتُ، شعرتُ أن أحشائي تتدحرج في حلقي كالحصى.
حسابيًا، سيجارتي كانت تسخر مني بأرقامها: 35 عامًا، أي 420 شهرًا، أي 12,600 يومًا. وفي كل يوم علبة، أي 252,000 سيجارة. ولو كانت كل سيجارة بطول 5 سم، فقد دخّنت سيجارةً طولها 1260 كيلومترًا!
تخيلوا يا سادة، طريقًا من الدخان يمتد من دمشق إلى أثينا، كله من رمادي أنا!
أما المال، فلو حسبتُ ثمن كل سيجارة بدولارٍ واحد (لأنها سرقت من عمري دولارًا في كل مرة)، فقد دفعتُ ربع مليون دولار من عمري وصحتي.
ولو جمعتَ الرماد الذي خلّفتهُ، لبنيتَ به مقبرة صغيرة تكفيني.
لكن… قبل خمسة أيام فقط، حدثت المعجزة.
أفاق قلبي من سُباته، وأرسل لي إنذارًا كصافرة الموت.
ألمٌ في الصدر، دقاتٌ متلاحقة كخيلٍ مذعورة، وأنفاسٌ متقطعة كحبلٍ يتآكل.
قلت في نفسي: “إما أنا، أو هو.”
ومنذ تلك الليلة، أغلقتُ الجسور كلها بيني وبين التبغ، وأقسمتُ أن لا أشعل في فمي قبرًا جديدًا.
مرّ يوم، يومان، خمسة أيام.
كل دقيقة منها حرب.
رأسي كطبلة إفريقية، جسدي يرتجف، النوم هرب.
لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث… الهواء صار له طعم!
ورئتاي، اللتان نسيتهما منذ التسعينات، بدأتا تشتكيان من المفاجأة: “أهذا هو الأوكسجين الحقيقي؟!”
الآن، كلما رأيت أحدهم يدخن، أشعر بالاشمئزاز، كمن يشاهد قاتلًا يعانق ضحيته.
لقد صرعتُه بعد أن كاد يصرعني.
وكما قال الشاعر — حكيم المدخنين التائبين — أول عذابك تمسك النار بيدك، ثاني عذابك تصير كحّاح نحّاح، وثالث عذابك زوجتك ما تريدك.
أما العذاب الرابع، فيأتي عندما تبتسم في المرآة، فتراك بلا أسنان… ولا لون… ولا نفس.






