
لعل ترامب ونتنياهو استوعبا بعد الإبحار في مضيق الأزمة خطأ اعتقاد أن هزيمة إيران عسكريّاً تعني انتصارهما سياسيّاً، فالحرب أصلاً هي إحدى أدوات العمل السياسي. النجاح فيها يقاس بقدر ما يُحرز من مكاسب سياسية، لا بقدر ما يُدمَّر عسكرياً. كم كان ترامب بعيداً عن الحكمة والفطنة، حينما هدّد قبل الحرب بأنه يستهدف محو الحضارة الايرانية، فالثابت ربما أن العقل السياسي (لا أقول الإرث الحضاري) الإيراني خرج متماسكاً من بين الأنقاض تحت القصف المكثّف العنيف. هو عقل ظلّ منذ 1979 داخل بيئة أيديولوجية منغلقة أنتجت نظاماً سياسيّاً مستعصماً يرفض التجاوب مع الداخل بحذرٍ، تربّص، عداء وصدام مع الخارج. هو نظام مبنيٌّ على هرمية مركزية فردية، وإن اتخذ شكل المؤسّسات. قطبه رجل يتمتع بسلطة مطلقة تدير شؤون البلاد وفق ما يراه، وليس كما يرغب العباد. هذه معضلة استعصى استيعابها حتى على قيادات داخل النظام من طراز هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي.
***
بفعل عدم استيعاب ترامب هذه التركيبة الإيرانية، تتوالى رهاناته خاطئة في شأن تطوّر النظام وعلاقاتهما الثنائية، فهو يبدو كأنما لم يدرك أن بتر رأس النظام لم يعن موت الجسد، بل لعلّ تصفية الطبقة العليا في هرم النظام زاد الوضع إرباكاً وتعقيداً، فما عاد ثمّة يقينٌ يحدد القابضين على مفاتيح مؤسّسات الدولة. كما الجزم بمدى هيمنة المرشد المطلقة أو سطوة الحرس الثوري. الثابت بقاء السياسات كما ظلت تتسم بالثبات (إن لم نقل الجمود) وضيق هامش على نحوٍ لا يكاد يبين أمام فرص التغيير. تلك طبيعة النظام على مدى تعاقب الرؤساء منذ بروز الجمهورية الإسلامية. المفارقة أنه في مقابل صمود توجهات النظام يتعرّض موقف ترامب للتأكّل داخل أميركا، كما في دائرة تحالفاته.
***
من سوء حسابات ترامب أن الملف النووي يجسد أشدَّ محاور الصدام سخونةً بين طهران والخارج. بل يكاد يشكّل الأولويةَ القصوى بين إحدى ركيزتي سياساته الخارجية. الأخرى أذرعها العسكرية عبر المنطقة العربية، فخصوصية الملف النووي، بالإضافة إلى ضيق هامش صناعة القرار تحت عباءة المرشد داخل هرم النظام المنغلق، يعينان على استيعاب دراما البحث المملّة عن مخرج للأزمة الراهنة المطبقة على أطرافها، والمتأثرين بتداعياتها، فالملف النووي أكثر ما استنزف المجتمع الدولي وإيران، إذ ظل مفتوحاً على جدل شاق طويل الأمد متعدّد الجولات صعوداً وهبوطاً مع أوروبا وأميركا، بإلإضافة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. طوال ذلك كله، ظلت إيران متمسكةً بالحفاظ على التفاوض، لكنها مصرّة، في الوقت نفسه، على عدم تقديم تنازلات في شأن مشروعها النووي. ولذلك لن يكون في التوافق على إعادة فتح التفاوض في الاتفاق المرتقب انتصار لترامب.
خرج العقل السياسي الإيراني متماسكاً من بين الأنقاض تحت القصف المكثّف العنيف
***
لم يستوعب الرئيس الأميركي منظومة إدارة صناعة القرار في طهران، فرغم وجود مؤسّسات يتعذّر تحديد المؤسسة أو شاغل المنصب المعني بالحسم في القضايا الكبرى. فهناك مؤسّسة المرشد، رئاسة الجمهورية، الحرس الثوري، رئاسة الوزراء، البرلمان، مجلس الأمن القومي، وهو يضم ممثلين لتلك المؤسّسات، بالإضافة إلى أجهزة أخرى كالاستخبارات. ربما تمنح المنظومة انطباعاً عن تدرّج في صناعة القرار، لكن الواقع يقول إن الهيمنة الشخصية تغلب تماماً على الهيكلة المؤسّسية. اصطدم بهذا الواقع قياديون عدة داخل النظام نفسه، فأبو الحسن بني صدر أول رئيس للجمهورية كان أول ضحاياه، إذ اصطدمت أحلامه بالثورة الديمقراطية مع دكتاتورية الولي الفقيه. بعد نحو 15 شهراً فقط، لم يجد بدّاً من النجاة بالفرار إلى فرنسا، وبذلك كتب لنفسه مصيراً أفضل من خلفه محمد علي رجائي، إذ انتهت ولاية هذا الرجل بعد 28 يوماً فقط بانفجار حقيبة داخل رئاسة الوزراء، فهو ضحية صراع أجنحة لم يُحسم وقتئذٍ داخل معسكر الثورة.
***
حتى هاشمي رفسنجاني لم تشفع له مكانته رجل دين وبازار ورئيساً سابقاً لمجلس تشخيص النظام، ثم رئيساً للبرلمان، من الصدام مع مراكز القوى داخل النظام. كما لم تنفعه محاولاته إضفاء طابع الدولة على الثورة على الصعيدين الداخلي والخارجي، فبعد ولايتين في رئاسة الجمهورية، جُرِّد من حق خوض الانتخابات مجدّداً. رأى مجلس تشخيص النظام أنه صار ليبراليّاً أكثر من احتمال النظام. هي البيئة السياسية نفسها، حين اضطرّ محمد خاتمي إلى الاكتفاء بالأقوال عوضاً عن الأفعال. هي البيئة نفسها حين لقي رئيس الجمهورية الثامن، إبراهيم رئيسي، مصرعه في حادث طائرة غامض، فمن السيناريوهات المطروحة في تفكيك الحادث تصفية رئيسي بشبهة أنه خليفة إصلاحي محتمل للمرشد علي خامنئي.
الفوضى الراهنة تفتح فرص التنافس بين ذوي الطموحات الشخصية لملء الفراغات في النظام الإيراني
***
بغية قطع الطريق على تيار رفسنجاني جيء بأحمدي نجاد، وهو ربيبٌ للنظام لم يكن قد طفا على السطح السياسي بعد، فهو ابن الحرس الثوري تدرّب وقاتل في صفوفه. ثم جرى صقل مواهبه في قطاعات الإدارة والتخطيط، فاقترب كثيراً من المرشد. لذلك جاء مهيّأً لإحداث الردّة عن مسار رفسنجاني الإصلاحي في الداخل، ونهج خاتمي في الدبلوماسية الناعمة مع الخارج المجتمع لم يفقد أحلام المجتمع استرداد بعض أنفاس الحرية، بل لاحقته كوابيس القمع مجدّداً. كذلك صعّد نجاد مع الخارج، خصوصاً في المسألة النووية معلناً استئناف عملية تخصيب اليورانيوم. ذلك جاء موقفاً مباغتاً للترويكا الأوروبية وأميركا. تأكيداً لتعزيز التشدّد استبدل نجاد في رئاسة الفريق المفاوض المتشدّد علي لاريجاني بالمعتدل حسن روحاني. من هنا، اتخذت بصمات خامنئي تطبع كل السياسات من دون مساس. ولذلك من سوء تقديرات ترامب ما راج مع بدايات الحرب عزم الإدارة الأميركية إعادة تنصيب أحمدي نجاد رئيساً مؤقّتاً باعتباره العقل المناسب لتنفيذ رؤى ترامب ونتنياهو الإيرانية الحديدة.
***
أما وقد انهدّ المسرح السياسي الإيراني بعد تصفية طبقة الإدارة العليا، فمن العسير تحديد موازين القوى بين المحافظين والإصلاحيين داخل النظام. ولكن من الثابت أن الفوضى الراهنة تفتح فرص التنافس بين ذوي الطموحات الشخصية لملء الفراغات، فهناك تباين في الرؤى تجاه مدى قدرة المرشد الوريث عن ملء عباءة هيمنة أبيه القتيل. هذه الشكوك تطاول جميع شاغلي المناصب على رأس مؤسّسات الدولة وأجهزتها. الفوضى نفسها تشكل بيئة مؤاتية للتنافس بين ذوي الطموحات غير المشروعة. هناك كذلك متشدّدون يتشبثون ببعث النظام العتيق من بين الأنقاض. هذه بيئة توفّر فرص التقاطع بين المكاسب الفردية والمصالح الوطنية. كل هذه المنطلقات المتباينة، المرئية منها والخفية، وحملتها تساهم في ارتباك الموقف التفاوضي، من ثم تطويل أمد الحرب. جميعهم يخشون انفجار هذه التناقضات، وهذا حتمي، عقب نهاية الحرب. فهناك أيضاً متطلّعون لإيران جديدة. لعل مسألة حسم موازين القوى داخل النظام تساهم في تأجيل حسم اتفاق نهاية الحرب المشتهى.
المصدر: العربي الجديد






